كثرت في الآونة الأخيرة التصريحات الإسرائيلية الصادرة عن وزارة الدفاع في تل أبيب، على لسان وزيرها نفتالي بينيت بأنّ إسرائيل ستواصل عملياتها في سوريا حتّى رحيل إيران منها، والحديث جاء بعد سلسلة غارات شنتها إسرائيل على مواقع ومراكز إيرانيّة داخل الأراضي السوريّة.

وبالوقوف على الردود الإسرائيلية تجاه إيران، لا بدّ عن تشريح ما يجري بدقة، حتّى نعلم حقيقة التّخوف الإسرائيلي من الانتشار الإيراني، ودوره الإقليمي في عدّة عواصم عربية، والأساس في سوريا، فمنذ اندلاع الثورة السورية في مارس (أذار) 2011 مرّت الثورة بمراحل يمكن وصفها بالتّحولات والمتناقضات من جهة، والانقسامات والاصطفافات من جهة أخرى، حيث بدأت ثورةً سلميّةً، ثم تحوّلت إلى ثورة مسلّحة، وذلك بسبب آلة الأسد الوحشية في التعاطي مع المظاهرات والحراك الشعبي الذي أخذ بالتّوسع في المحافظات والمناطق السورية، فتلقائيًا أخذت الأمور تنتقل إلى تدويل الحدث السوريّ، وتحديدًا بعد التّدخل الإيراني عبر ميليشياته العراقيّة، واللبنانيّة، والأفغانيّة.

الأمر الذي أدى إلى انقسام الدول العربية والغربيّة بين مؤيد ومعارض لثورة الشعب السوري، ولا غرابة فداخل المجتمع السوريّ حصلت اصطفافات مع النظام وحكومته من طرف، والمعارضة والثورة الشعبيّة من طرف آخر، وفي الواقع إذا فحصنا الدور الإيراني الثابت بمشاركة بشار الأسد في حربه على السوريين، لوجدنا الرسوخ والتغلغل المذهبي والاجتماعي والسياسي لإيران على الأراضي السوريّة، فأكثر مموليه وداعميه هي الجمعيات والمنظمات المدنيّة في إيران وخارجها، والتي بلغت قرابة 40 جمعية مدنية من ضمنها جباية الضرائب والخمس من الشيعة، إضافةً إلى عائدات النفط (الإيراني) الموزعة على القوات والمليشيات والحلفاء في العراق واليمن ولبنان وسوريا، ويتركز النفوذ الإيراني في سوريا بدمشق ومنطقة السيدة زينب، وفي محيط التنف على الحدود العراقية، وريف حلب الشمالي (منطقتي نبل والزهراء)، ومنطقتي البوكمال والميادين شرقًا، ومنطقة ازرع (درعا) جنوبًا.

كما لإيران قواعد عسكرية منتشرة في مطار دمشق الدولي، وفي الكسوة بريف دمشق، وجبل عزان بريف حلب الشمالي، ومطار السين العسكري غرب تدمر، ومطاري الـ(تي فور والشعيرات) شرقي حمص، وقاعدة ازرع في الجنوب السوري، وفوق كلّ ما حصلت عليه إيران لا يملأ صدرها بالرضا سوى عودة الإمبراطورية الفارسيّة، التي كانت تحكم قارة آسيا العربية، ولهذا تتنافس مع روسيا في السيطرة على البلاد كاملًا، فعمليًّا سعت كل من إيران وروسيا إلى سحب واستقطاب العديد من الضباط في جيش الأسد وقيادات من الحرس الجمهوري، والدليل الاقتتال بين الطرفين، الذي وقع في ريف حماة الشمالي وانتهى بطرد الفرقة الرابعة والمليشيات المدعومة من إيران. إذًا إيران حاضرة ومتورطة في المشهد السوري، بضباطها وميلشياتها وجنودها واستخباراتها وأموالها، وهذا ليس مخفيًّا على أحد، لذلك هي مضطرة لأخذ وضعية الصامت تجاه الضغوط الأمريكية، والإسرائيلية، والروسية لمحاولة إخراج قواتها من سوريا.

وإذا افترضنا أنّ جميع الأطراف تسعى لإخراج إيران من سوريا، فلن يحدث ذلك إلا بالقوة أي بضرب أذرعها في المنطقة العربية، والضرب يحتاج إلى دعم بري وجوي، وهذا ما حصل أثناء إسقاط نظام صدام حسين، وأبسط مثال تنظيم «داعش»، فالقصف جوًّا والتمشيط برًّا، وأعتقد أنّ إسرائيل لا تتوانى عن دخول العمليّة جوًّا إذا وجدت المستعد لتمشيط المنطقة، لأنّ إسرائيل تعتبر دمشق ودرعا والسويداء مناطق جيوسياسية وحدودية تؤثر عليها الفوضى والحرب في سوريا، فخلال شهر مايو (أيار) نفّذت إسرائيل أكثر من خمس غارات داخل الأراضي السورية لطرد ودفع إيران للابتعاد وإخلاء بعض مناطق انتشارها باتجاه مناطق أخرى.

الموقف الأمريكي والروسي تجاه إيران:

فيما يخص الموقف الأمريكي تجاه إيران، الذي تباين في عهد الرئيس دونالد ترامب عمّا كان عليه في عهد باراك أوباما فكان انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي، بتاريخ 8 مايو 2018 ثمّ أعقب الانسحاب العقوبات الاقتصادية المنصبة على إيران، وانعقاد قمة هلسنكي بين الرئيسين ترامب وبوتين في 16 يوليو (تموز) 2018 والهدف من القمة تحجيم الدور الإيراني في سوريا، وأكثر ما ضجّت به لا بل فكك أواصر إيران من الداخل، هو الدرس الأمريكي في ضرب قيادات الصف الأوّل في فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني، وعلى رأسهم قاسم سليماني المكلف بإدارة الملف السوري، فمقتل سليماني سببه تجاوز الخطوط الحمراء، عندما أمر الحشد الشعبي العراقي بالاعتداء على القواعد الأمريكية وضرب السفارة الأمريكية في العراق والتي أنهت حياته للأبد، فراحت إيران لإعادة حساباتها من جديد، وبالتالي مع تقليم أظافرها ستكتفِي بإزعاج حلفاء أمريكا بشكل غير مباشر، من خلال أذرعها وميليشياتها في المنطقة العربية.

وبالنسبة للموقف الروسي حيال النفوذ الإيراني بالعموم، فالتعامل يتراوح بين الدبلوماسية والنّفس الطويل باستخدام القوة من الخلف، أي بواجهة الولاءات من جيش بشار الأسد، والانقسامات والاصطفافات تكون لمن يدفع أكثر، قسم يحارب تحت مظلة إيران، وقسم يحارب تحت مظلة روسيا، وعلى الجانب الآخر مقاتلي المعارضة تحارب تحت مظلة تركيا.

وعليه يتلخص الموقف الروسي في المحافظة على خيط يربطه بالإيراني، لأنّ روسيا لا تملك على الأرض السورية قوات وميليشيات تستطيع القتال برًّا، لذلك هي بحاجة للحليف الإيراني حتى يكون لها سندًا على الأرض، فالوجود الروسي في سوريا هو بمثابة طوق النجاة من سطوة الولايات المتحدة الأمريكية، أي إشرافها على البحر المتوسط، وكسبها حلفاء كتركيا، وإيران، حتّى لا تقع فريسة للحصار الدوليّ كما الإتحاد السوفيتي سابقًا.

فكل ما في القصة هي تقييد و ضبط الحدود ورسائل تعريف بمهام كلّ دولة تدخّلت في سوريا، دون المساس بالمصالح الأمريكية والحدود الإسرائيلية، وتحاول الدول المتدخلة والشريكة انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب إلى جانب تحقيق النجاح في الحل السياسي والتصفيق لها دوليًّا، لتساهم في نهاية المطاف بإعادة إعمار سوريا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد