طور الإنسان الرافدي فأسه القديمة، لشق الأرض وزراعتها، الاختراع الذي شق طريقًا مهولًا للحضارات البشرية بأسرها، فأخذت مكانتها في الذهن السومري، وتحولت إلى مشهد مهم على لوحة الأساطير السومرية فتقول الأسطورة العائدة إلى الألف الثاني قبل الميلاد أن (أنليل)[1] خلق الفأس و…

… بعد أن تأمل بإعجاب بهذه الفأس

قرر الإله مصيرها

وبعد تتويجها بإكليل – من – الخضرة (؟)

حملها إلى مصنع الأجساد

واستعملها ليضعها في القالب (المخلوق)

الأول (من سلالة البشر)

ومنذ ذلك الوقت، وأمام أنليل

تكاثر البشر على هذه الأرض! .[2]

اللفتة العبقرية في النص المذكور أنه لم يحل صناعة الفأس إلى الانسان، بل على العكس تماما فقد قررت العقلية السومرية بأن الفأس هو الذي خلق الانسان، وهذا في منهى الدقة إذا ما أضفنا المعيار الحضاري، فتكون الفأس في الخالق الفعلي للإنسان المتحضر، وكما يشير النص إلى أن استخدام الفأس في الزراعة قد أحدث ثورة زراعية هائلة في الإنتاج، بل بدأ الإنتاج يتراكم حتى تم إنشاء مخازن للحبوب، وعلى ما يبدو تم استبدال الفائض من الإنتاج بالمعدن كما تدل الكشوفات على وجود قطع من النحاس والقصدير في جنوب العراق المفتقر لهذه المادة، إلا أن الحدث سيحدث انقلابًا سياسيًا، وهو ظهور الملكيات الخاصة وأبرز ما يدل على هذا التطور هو اختراع الأختام المسطحة في البداية في كل من تل حلف وتل حسونة وفي العصر الحجري الحديث وشاع استخدامها.

من المشاعية إلى الملكية

أثر اكتشاف الزراعة لدى الإنسان الرافدي على رؤيته للكون والعالم فقد غير قواعد اللعبة الكونية إلى الأبد، ولكن هذا العالم الجديد اتسم بالصراع الدائم مع الطبيعة التي لا تلبث أن تأكل ما أنتجت، فكانت الزراعة والتموين من الفائض وتربية المواشي ضربة للقانون العشوائي للكون، ومن جهة أخرى حدد هذا التغير محطات الرحال الأولى، فلم تعد عشوائية كما في السابق، بل تحددت نحو الأرض الخصبة القابلة للزراعة، ومن هنا كان السهل الرسوبي الجنوبي هو الوجهة.

الملكية التي أدت لظهور الدلالات والأمارات المنطقية على خصخصة المنتجات ونسبها لأصحابها، التي توجت باختراع الختم الذي سيحدد الملكيات والهويات التعريفية لأطراف التعاقد على البيع والشراء، فمن الطبيعي أن تلك التجمعات البشرية جنوب الرافدين تعاملت مع الأرض والنهر على مشاعيته في بادئ الأمر، فلم تزل المنتجات البسيطة والكم اليومي للمنتج السمكي يكفي لإعالة الأسر، ولكن تطور الحاجات البشرية وميلها للرخاء والطمأنينة وتحقيق الأمن الغذائي على مدار السنة، تطلب بطبيعة الحال تطويرًا لأدوات الصيد والزراعة، ومن الطبيعي أن يتفرغ له مجموعة الصناع المهرة، ففي العصور الأولى وجدت مسامير طينية مجففة بالأفران يعتقد أنها استخدمت في صناعة الأدوات. لتتطور فيما بعد لتكون نحاسية المادة التي اضطر السومريون إلى استيرادها من الشمال، ولربما من ديار بكر، وبالتالي استطاع السومريون استخدام فائض الإنتاج لاستيراد المعادن وزيادة غلاتهم السمكية، بل تطلب أيضًا تطوير الأدوات الزراعية؛ فتفرغ لها صناعة أخرى، وبالتالي لتبدأ ظاهرة العمل في المجمع السومري الذي سيدعو إلى تطوير الملكية المشاعية للأرض.

من الملكية إلى اللاهوت

اعتقد السومريين أن الأرض ملك للآلهة التي علمتهم الزراعة ومنحتهم الخير، وبالتالي كان المجتمع بأسره عمالًا لدى مالك الأرض، ومن هنا لتنشئ المؤسسة الدينية وتظهر فئة من الموظفين وجامعي (ناظري) ضرائب المعبد، فنشأت ثلاثة أنواع من الملكيات الأولى في ملكيات الإلهة (جانا ني أن نا) أراضي الكهنة (جانا كورا) وأراضي للمرابعين (جانا أبن لا) بحصة تتراوح بين الثمن والسبع، فالنوع الأول هو حالة استمرار طبيعي للملكيات الجماعية التي تحولت لوقف يعود للمجتمع بأسره، بينما الـ(جانا كورا) كان نتيجة نشوء الجهاز الكهنوتي، وهو الحامل المؤسساتي لتسيير شؤون لمحرمات في المجتمع. وفي مرحلة لاحقة أدى نمو الملكيات الخاصة واستصلاح الأراضي من بعض الأسر إلى نشوء الـ(جانا أبن لا) التي عمل العبيد فيها على ما يبدو، هذا التطور دفع السومري إلى إنشاء أهم أجهزة الدولة، وهو الجيش الذي سيشكل مجلسه الخاص في إدارة المدينة السومرية إلى جانب مجلس الأعيان المؤلف من المرابعين والكهنة، وبالتالي تشكلت بنية الدولة الأولية، وكما أن ملكية الأرض منحت من الإله فكذلك أمارة المدينة السومرية سلمها الإله لرجل المدينة، ومن الطريف أن يسمى هذا الأخير (لوكال) أي الرجل، وهي الضربة الأخيرة لمرحلة الأمومة، الأمر الذي انعكس مباشرة على التركيب المجتمعي المتماسك لدويلات المدن وحقق شبكة علائقية متناسقة.

الملكية ونشوء التابو

بمجرد إدراك الإنسان الأول لمعنى الملكية الخاصة بدأ يتشكل الجهاز القانوني للمحرم، فلا زالت إلى يومنا هذا تستخدم في بعض العالم العربي كلمة (طابو) للأراضي بشكل خاص لتوحي بحرمة الأرض على غير مالكها، وكلمة (tabou) ) شاعت في اللغة الإنجليزية من معجم اللغة (البولينيزية)[3] تطلق على كل ما هو خارج التداول في اللغة الأصلية، فالشجرة التي لا يمكن مسها أو قطعها تكون (شجرة تابو) وفي المقابل ترى موسوعة لالاند أن الكلمة مألوفة في الثقافة التوراتية فقد استخدمت مع كلمة (تابوت) الذي حرم مسه ممن هو خارج أسرة معينة كما أن دوركيم يعترض على تضييق المعنى على المعنى (البولينيزي) لشمولها على مقولة شمولية[4]. ولكن ذات الكلمة شائعة أيضًا في الشرق الأدنى، ولكن بجذر مصري يعود إلى تاريخ سحيق في القدم فكلمة (تا إبت)[5] تعني المكان المحرم وهي ذات اللفظ الذي أطلقه المصريون القدامى على مدينة طيبة، المدينة التي كانت من أقدس المدن الفرعونية في عصرها الذهبي إبان الأسرة الثامنة عشرة، ومن الغريب أن تنتقل الكلمة إلى الجزر (البولينيزية) إن كانت ذات جذر شرقي اللهم إلا بافتراض أنها منقولة مع الأسفار الكنعانية (الفينيقية) عبر المتوسط إلى جزر المحيط الهادي، إلا أن الاستخدام الآرامي عمومًا – ضمن حدود اطلاعي- كان بمعنى الطيبة والحسن ومنها كلمة التهنئة (طوبا)، ولا بد من ملاحظة أن (تا بت) منقولة عن الترجمات الغربية التي تحول حرف الطاء إلى تاء وهي إشكالية أعادت النظر كثيرًا في الترجمات القديمة وهو ما فعله أهم علما المصريات الغربيين كجاردنر مثلًا، والطريف أيضًا أن كلمة (طابو) مستخدمة في بلاد العراق والشام كما تطلق في اللغة التركية اليوم على السندات الممهورة على الملكية، بل هي نفس الختم.

الأمر الذي يحيلنا إلى مسألة اختراع الختم السومري ونشو مفاهيم محورية في الوعي السومري، وهما الملكية الخاصة في المنظومة الاقتصادية، ومفهوم المحرم في المنظومة الدينية، ولا يعرف على وجه الضبط كيف استخدمت الأختام الحجرية في عصور ما قبل التاريخ، ولابد أنها كانت تدمغ بواسطتها الأدوات قبل السندات الطينية، ولم تكن قد اكتشفت بعد كأداة للكتابة، وتطور الختم في (عصر جمدة نصر) وبدايات دويلات المدن السومرية ليتحول الختم من ختم مسطح إلى ختم أسطواني ومن الواضح أن الأختام الأسطوانية – بالمعنى الرمزي- لا نهاية الامتداد فإذا دحرج الختم على لوح طيني أو جدار سوف لن ينهي به المطاف حتى حدود الملكية، وقد تكون الأختام الطينية الأولى قد تطورت عن تعاويذ وتمائم توضع لحماية الأملاك من السرقة والنهب، ولكن من المؤكد أن اختراع الختم شرع أبواب الحضارة أما الإنسان الرافدي ليدخل عالم لصناعة التاريخ في مرحلة مقبلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد