(إن الزعامة لا تورث، وهي لا تنتقل من فرد إلى فرد بإشهار رسمي لأن الزعامة «دور»، لأن الزعامة أداء فعلي تشعر به الجماهير وتقدره حق تقديره)
محمد حسنين هيكل.

(1)

لقد انتهيتُ الأسبوع الماضي من سلسلة مقالات عن تجربة القيصر الروسي الجديد «فلاديمير بوتين» في الحكم تحت عنوان «القيصر بوتين قصة الصعود وترسيخ السلطة»
تناولت فيه قصة بوتين من الصعود وكيف رسخ سلطته في الداخل وأهم التحديات التي واجهته وكيف تعامل معها، وعلى الرغم من أن المقال بحثي إلا أني تعاملت معه في العرض على شكل بانورامي سريع.

 المقالات

القيصر بوتن.. قصة الصعود وترسيخ السلطة ج«1»

القيصر بوتن.. قصة الصعود وترسيخ السلطة ج2

القيصر بوتن.. قصة الصعود وترسيخ السلطة – ج3

ولقد تم الاحتفاء بتلك السلسلة من المقالات على مستوى النشر فقد أعادت مواقع إخبارية كثيرة وكبيرة نشر سلسلة المقالات مثل موقع جريدة المصري اليوم، وأخبارك نت، وديلي أخبار، ومصادري نت، وسودان فيو، وأخبار اليمن، و123 نيوز، وغيرها من المواقع الإخبارية وكل ذلك نقلًا عن ساسة بوست.

موقع أخبارك نت يعيد نشر مقالي البحثي عن بوتن نقلًا عن ساسة بوست

موقع جريدة المصري اليوم يعيد نشر مقالي البحثي عن بوتن نقلًا عن ساسة بوست

موقع أخبار اليمن يعيد نشر مقالي البحثي عن بوتن نقلًا عن ساسة بوست

موقع مصادري نت يعيد نشر مقالي البحثي عن بوتن نقلًا عن ساسة بوست

موقع 123 نيوز يعيد نشر مقالي البحثي عن بوتن نقلًا عن ساسة بوست

موقع ديلي أخبار يعيد نشر مقالي البحثي عن بوتن نقلًا عن ساسة بوست

ولقد ذكرتُ في نهاية المقال الأخير في السلسلة أن مقالي القادم سيكون بعنوان «عن الفرق بين التجربة البوتينية والتجربة السيساوية». وكنتُ بالفعل قد كتبت جُزءًا كبيرًا منه ولكني بعد إعادة نظر رأيتُ أن الأنسب هو مقارنة التجربة السيساوية الحالية بالتجربة الناصرية التي كانت متواجدة بالأمس القريب وليس بالتجربة البوتينية الحاكمة في روسيا اليوم! وذلك اعتذار أقدمه للقارئ راجيًا قبوله.

ولقد اخترت زاوية محددة تهُمني أردتُ التركيز عليها وهي كيف تعامل كلا الرجلين (الزعيم والرئيس) وكلتا التجربتين (الناصرية والسيساوية) مع الطبقة المالية المُسيطرة المُستغلة في مصر ومع الوضع الاجتماعي المُر.

يتبقى لي قبل الدخول إلى ساحة العتبات المقدسة للموضوع عدة ملاحظات:

  1. أنني أعرف أن عددًا من المشتاقين لكُرسي السلطة لن يُعجبهم ما سأكتُبه
    وهذا أول الفوارق بين من يسعى إلى مبدأ وبين من يلهث وراء مطمع.
  2. أنني وحتى أبتعد عن أي مُزايدة من هؤلاء (المبرراتية) قد أعلنت موقفي من قبل وها أنا أعُيده اليوم – فأنا من مؤيدي الدولة المصرية ومن الداعين للحفاظ على مؤسساتها وعلى رأسها القوات المسلحة المصرية وذلك أمر عندي ليس موضع شك أو تشكيك.
  3. أنني ضد عودة تيار الإسلام السياسي وعلى رأسه الإخوان المسلمون مرةً أخرى للمشهد السياسي من جديد.
  4. أنني متعجب مما يقوله من يُطلق عليهم الرموز هؤلاء الذين حاولوا لعب دور كهنة المعبد في الماضي وفشلوا وما زالوا يحاولون لعب نفس الدور اليوم أن أسمع منهم مقولة «القبول بكل ما يفعله النظام المصري حتى ولو كان خطأً من أجل الحفاظ على الدولة». و«ينسى» هؤلاء الرموز بحكم «كبر السن» أو «يتناسون بمرض الغرض» أنهم كانوا قبل 15 مايو 1971 في يدهم «الثورة والدولة والسلطة» وبرغم كل ذلك لم يستطيعوا الحفاظ على أي منهم رغم إمساكهم بكل المناصب القيادية في مصر وقتها! وبذلك تكون دعوتهُم قاصرة لأن «فاقد الشيء لا يُعطيه».
  5. أنني مفزوع من قول بعض مُنظري اليسار القومي الذين يريدون «التبرير» مُستخدمين تعابير ومصطلحات يسارية
    لإبهار السامعين من نوعية «الإستراتيجية والتكتيك» و«خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء»!

    قولهم: «إن تجرُبة السيسي في مصر اليوم يجب أن تُشبه تجربة ستالين في الاتحاد السوفيتي».

    ستالين

    أقول ذلك فزعًا لأن تجرِبة ستالين تتلخص في كلمتين (الدموع والدم)، وإن أردت أن أُفصل أكثر فسأقول دون تردد:
    – لقد كان عصرًا مخيفًا ومرعبًا!

وهذه ليست كلماتي، بل إنها كلمات «نيكيتا خرشوف» الرجل الذي خلف ستالين بعد «مالينكوف» نفسه أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي.
أمام ذلك المؤتمر، قال خرشوف بالحرف:

100916_1451_9.jpg

خرشوف متحدثًا عن ستالي

 

«لقد كان ستالين لا يُطيق أي معارضة لرأيه، وكان الموت نهاية كل من يقف أمامه.
لقد كان الناس يُعتقلون بالجُملة… وبالآلاف كانوا يُقتلون من غير مُحاكمة.

إن الخوف دفع الناس إلى اليأس.

هل تعرفون ماذا حدث لأعضاء اللجنة المركزية التي انتخبها المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي؟

لقد كان عددهم ما بين أعضاء أصليين واحتياطيين – 137 عضوًا.
إن 95 واحدًا منهم اعتُقلوا وضُربوا بالرصاص أي بنسبة 70 في المائة منهم.

ولقد حل نفس المصير بأعضاء المؤتمر ذاته، المؤتمر السابع عشر للحزب.
لقد كان عددهم 1966، ولقد اعتقل منهم بتهمة معاداة الثورة 1108 أعضـاء، أي أكثر من الأغلبية!

هل تعرفون كم من الناس أخرجهم ستالين من بيوتهم ونفاهم إلى البقاع النائية في سيبيريا؟

عددهم بالملايين!».

كانت تلك كلمات خرشوف بعد موت ستالين بثلاثة أعوام.

ذلك كان عصر ستالين، الذي يُريد لنا البعض أن نعيد تكراره لدينا اليوم! ولا أعتقد أن الرئيس السيسي برغم اختلافي مع سياساته الاقتصادية والاجتماعية هو ستالين مصر! أقولها حقًا وصدقًا.

أعترف بأنني أفتقد اليوم للأستاذ «محمد حسنين هيكل» رحمةُ الله عليه. فمع هيكل وكتاباته وحواراته تعرف الفرق بين الكاتب والمثقف الموهوب صاحب الرأي الحُر وبين أنصاف المواهب من الكتبة الذين يكتبون ويتكلمون مقابل أُجرة وأجر معلوم! هؤلاء الذين يُطلون علينا من أعمدة الصحف ومذياع الإذاعات ومن شاشات التلفاز، مثل هؤلاء ينطبق عليهم وصف رئيس وزراء بريطانيا الأسبق «لويد جورج»: «هؤلاء على استعداد لسلخ جلود بطون أمهاتهم يشدونها ليعزفوا عليها أناشيد أي سلطان!».

100916_1451_10.jpg

الأستاذ هيكل

 

إن كل المعلومات التي سأذكرها عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي المصري استقيتها من مجموعة كبيرة من المراجع اخترت منها المراجع التالية:
  • كبار ملاك الأراضي الزراعية ودورهم في المجتمع المصري – للدكتور عاصم الدسوقي.

 

  • الطبقة الوسطى المصرية من التقصير إلى التحرير – للدكتور عبد الباسط عبد المعطي.

 

  • تاريخ ملكية الأراضي في مصر الحديثة – جابريل باير.


 

  • رأسمالية المحاسيب دراسة في الاقتصاد الاجتماعي – للدكتور محمود عبد الفضيل.

 

  • قصة الاقتصاد المصري من عهد محمد علي إلى عهد مبارك – للدكتور جلال أمين.


(2)

الصورة الاجتماعية كما وجدها البكباشي الزعيم

كانت الصورة التي وجدها البكباشي «جمال عبد الناصر» في يوليو 1952 كما يلي:

• كانت صورة المجتمع المصري قبل ثورة يوليو 1952 صورة مثيرة للقلق داعية على الحزن؛ فأحد عشر ألفًا من كبار الإقطاعيين يملكون وحدهم سبعين في المائة من الأرض الزراعية وهي أساس الاقتصاد المصري في ذلك الوقت.

وحتى نتعرف على طبيعة هؤلاء الإقطاعيين أسوق مثالًا واحدًا أظنه كافيًا للتعبير عن ماهية تلك الطبقة.

أُسرة سُلطان التي غدرت بعُرابي!

إن أسرة «سلطان» كانت من أكبر الأُسر المالكة للأراضي في مصر.

فكيف ملكت أسرة «سلطان» ما ملكته من أراضٍ؟

كان «سلطان باشا» هو رئيس الجمعية التشريعية وقت عرابي، وأيام ثورته سنة 1882.
وكانت الجمعية التشريعية تساند ثورة عرابي الشعبية وتؤيدها.
وفجأة وسط معركة التل الكبير، اتصل الإنجليز بسلطان باشا الكبير، فإذا هو يُصدر بيانًا، والجيش المصري بقيادة «عرابي» يواجه النار، يقول فيه: «إن عرابي خائن!».

كانت تلك طعنة في الظهر للكفاح الوطني.

وبعد الهزيمة في التل الكبير، وبعد دخول جيش الاحتلال البريطاني، عاد الخديوي توفيق إلى القاهرة في موكب رسمي.

العربة الأولى من الموكب كان فيها الخديوي توفيق وبجواره الجنرال «ولسلي» قائد قوة الاحتلال.

العربة الثانية في الموكب كان فيها مساعد الجنرال ولسلي وبجانبه سلطان باشا.

وكانت المكافأة التي حصل عليها سلطان باشا هي أن باعه الإنجليز 38 ألف فدان، من أراضي الدائرة السنية في مديرية المنيا بسعر رمزي.

وهذا مثال لكي نرى من كان يملك ثروات المصريين وكيف ملك هؤلاء تلك الثروات.

وعلى المقابل كان في الريف المصري أحد عشر مليون فلاح لا يملكون سوى أجر يومهم، ولم يكن يزيد في أحسن الأحوال على ثلاثة قروش.


وكانت هناك صناعات وليدة ولكنها ضعيفة، ثم إن الأجزاء الأهم منها تحت السيطرة الأجنبية بدليل أن المصريين كان لهم ثلاثون في المائة منها! وكانت البنوك وشركات التأمين ومؤسسات التجارة الخارجية كلها ملكًا للأجانب.

وحتى شركات بنك مصر والذي كان إلى حد ما رمزًا لمحاولة استقلال اقتصادي، كانت مخترقة بمشاركة أجنبية (كشركة «برادفورد» في صناعة النسيج).

إنني لن أتحدث عن سيطرة الأجانب على الجزء الأكبر للاقتصاد المصري والصناعة تحديدًا لأن تلك طبيعة الأحوال في أي بلد مُحتل، ولكن سأتحدث عن بنية الطبقة الرأسمالية المصرية الصناعية.

كيف نشأت وتطورت الطبقة البورجوازية المصرية

عندما أتت الحرب العالمية الأولى أعطت دفعًا جديدًا لعملية التباين الاجتماعي؛ فالتجار أخذوا يغتنون من خلال تموين الجيش البريطاني وأنُشئت مصانع صغيرة يعمل بها من 20 إلى 50 فردًا.

أما التطور الرئيسي فكان إنشاء إسماعيل صدقي لجنة للصناعة والتجارة عام 1917 مع طلعت حرب وآخرين من المطالبين بقيام صناعة مصرية.

 

وكان من شأن بورجوازية المُدن الجُدد تجار وأصحاب مهن مختلفة أن تخلق مجالًا للعمل لجناح مُلاك الأراضي أغنياء حتى يستطيعوا توظيف أموالهم المُجمدة.

 

وفي عام 1920 أنشأ طلعت حرب بنك مصر برأس مال قدره 80.000 جنيه وقد لبى النداء الذي أطلقهُ لكبار الملاكيين للمساهمة في أصُول البنك.

 

في عام 1922 قرر حزب الوفد مقاطعة البضائع والبنوك البريطانية ووجه نداءً إلى الشعب دعاه فيه إلى أن يُقبلوا على شراء أسهم بنك مصر وتفضيل المصنوعات المصرية.

 

وفي عام 1924 أنشأ فريق من الصناعيين والمتمولين ومعظمهم من الأجانب اتحاد الصناعات المصرية.

  • ابتداء من هذه الفترة أصبح من الممكن الحديث عن جناحي البورجوازية المصرية. فهناك الجناح الذي كان يدعى عامة «البورجوازية الوطنية» وجناح «البورجوازية الكبيرة» المتعاون مع سلطات الاحتلال البريطاني المتمثل في اتحاد الصناعات المصرية.
    • ومما يسترعي الانتباه أن كلا الجناحين الممثل للطبقة الصناعية تماثلا في عدة أمور:

 

أنهم لم يولدا على يد المُبادرة الفردية الخاصة مُتبعين النمط الأوروبي للطبقات الوسطى في النمو، ولكنه تكون داخل رحم الغزو الأجنبي ورأسماله لمصر حليفًا وشريكًا صغيرًا في هذه التوظيفات.

 

أنه بالتداعي لذلك فبدلًا من أن تكون البورجوازية المصرية الطليعة إلى مناهضة الاحتلال والثورة على الأوضاع الملكية الفاسدة، نجدها تحولت بحكم مصالحها وارتباطها بكل من الإنجليز والنظام الحاكم الفاسد (السراية) إلى أداة في أيديهم لضرب أي حركة نهضة أو تقدم سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي.

 

أي أن تلك الطبقة أصبحت عائقًا أمام مصر بدلًا من أن تكون محفزًا ودافعًا لها لأن مصالحها وليس وطنها هي الأهم عندها بالطبع وتلك نتيجة منطقية للأمور!

 

 

ولعل الفساد السياسي وصل إلى الحد الذي كان يتم رشوة الملك فاروق لتغيير رؤساء وزارات من مليونيرات مثل واقعة أحمد عبود باشا لتغيير وزارة نبيل الهلالي كي لا يُسائله عن ضرائب مُستحقة عليه في أوائل يوليو 1952!

كيف تعامل البكباشي الزعيم مع الوضع المأساوي؟

«معنى ذلك أن كل ما تم من إجراءات سوف يؤدي إلى جعل الأغنياء المصريين أكثر غنىً، وبالتالي ستجعل الفقراء أشد فقرًا» جمال عبد الناصر.

اتخذ البكباشي «جمال عبد الناصر» مجموعة من القرارات والإجراءات والتصرفات راحت تتحرك خطوة وراء خطوة. فإذا سياسات تعلن بتحديد ملكية الأراضي الزراعية في مصر، وإذا بإجراءات بمصادرة أملاك الملك وأسرته وتوجيهها إلى الخدمات، وإذا قرار يصدُر بإلغاء الألقاب، وإذ بمجلس إنتاج ينشأ وإلى جانبه مجلس خدمات.

كانت تلك خطوات لها معان ودلالات فهمها المُحتل الإنجليزي والطبقة المُسيطرة جيدًا.

أولًا: أن الطبقة المتميزة التي اعتمد عليها المُحتل الإنجليزي في حكم مصر تُضرب عند القاعدة الأساسية لسُلطتها في مصر وهي ملكية الأرض الزراعية.

ثانيًا: إن إلغاء الألقاب معناه بداية تصفية حكم الباشوات، على حد تعبير تقرير كتبه السفير الإنجليزي في مصر للخارجية البريطانية.

ثالثًا: إن إنشاء مجلس للإنتاج ومجلس للخدمات معناه وجود رغبة لدى السُلطة الجديدة في مصر بتجاوز الجهاز البيروقراطي التقليدي، الذي عرفه الإنجليز وشاركوا في تكوينه، واعتمدوا عليه في حكم مصر.

وجدت القيادة الثورية أنها بحاجة لاستشارة العلم الاقتصادي فاستدعت القيادة الثورية خبيرًا اقتصاديًا عالميًا مشهودًا له، وهو الدكتور «شاخت» الذي حقق المعجزة الاقتصادية الألمانية في بداية عهد «هتلر» لكي يدرس حالة الاقتصاد المصري، ويقدم توصياته بشأنها لكن «شاخت» لم يجد معجزات تنتظره في مصر. وكانت توصيته:

«إن حالة اقتصاد أي بلد تعتمد على حجم إنتاجه، وحجم إنتاج أي بلد مرهون بحسن إدارة موارده».

ومن هنا كانت بلورة البكباشي الزعيم فكرة مجتمع الكفاية والعدل.

إن المصطلحين كانا يعنيان في نظر البكباشي الزعيم:

«أن الكفاية هي الصورة النهائية لزيادة الإنتاج الوطني».

«أن العدل هو الصورة النهائية لحسن توزيع عائد هذا الإنتاج على المواطنين».

«إنه بدون «الكفاية» يستحيل «العدل»، أو يصبح على أحسن الفروض شراكة في البؤس، كذلك بدون «العدل» تُصبح «الكفاية» شرًا خطيرًا، لأنها على تلك الصورة تصبح احتكارًا للغنى».

ومن هنا كان يتداعى سؤال تال؛ كيف يمكن الوصول إلى الكفاية والعدل، وهما بالتأكيد هدف الحركة الاجتماعية لثورة يوليو، بل هدف أي حركة اجتماعية في التاريخ الإنساني؟

ويثور سؤال آخر كيف نبدأ لتحقيق الكفاية والعدل؟

ونبدأ بالكفاية.
إن الخطوة الأولى في الطريق نحو الكفاية، نحو زيادة الإنتاج، هي توفير الاستثمارات اللازمة لمختلف المشروعات.

فما هي وسيلة توفير هذه الاستثمارات؟

نظر البكباشي «جمال عبد الناصر» للسؤال مُفتح العينين وواجه المشكلة دون أن يهرب منها في بحور المُنى الكاذبة أو يغوص في مضارب الآمال الخادعة، وقرر أن يسترد موارد مصر المنهوبة من أيدي المُحتل، ومن هنا جاء تأميم قناة السويس وتمصير الممتلكات الأجنبية في مصر.

لكن بعد السويس سال لُعاب طبقة الأغنياء على الأملاك المؤممة وطلب بعضهم مثل المليونير «أحمد عبود» أن يشتري بعض تلك الممتلكات.

ورفض طلبه البكباشي الزعيم بمنطق: «أنه إذا اشترى عبود ما يريده، فإن آخرين غيره سوف يتقدمون لشراء شركات أخرى. والمستعدون لشراء هذه الشركات سوف يكونون مثل عبود من الأغنياء – وإذن معنى ذلك أن كل ما تم من إجراءات سوف يؤدي إلى جعل الأغنياء المصريين أكثر غنى، وبالتالي ستجعل الفقراء أشد فقرًا. وليس هذا هو المقصود من استرداد المصالح الأجنبية المنهوبة، وإلا كنا نعمل لصالح فئة بعينها».

يتبقى قصة لها دلالة: (في عام 1956 كانت مصر تتعرض لحصار اقتصادي، طلب عبد الناصر من وزير الاقتصاد وقتها الدكتور عبد المنعم القيسوني اختصار الواردات التي ترد إلينا من الخارج، وحدث شد وجذب حول ما نستورده.

فطلب عبد الناصر قائمة الواردات التي نستوردها من الخارج وكانت هناك أشياء كثيرة فيها، لكن جمال عبد الناصر ذُهل عندما اكتشف أننا نستورد طعامًا وليس قمحًا ومن هذه الأطعمة المستوردة أنواع من الجبن الفرنسي وأسماك منوعة وسيمون فيميه وغيرها من متطلبات الطبقة الأرستقراطية.

فإذ بعبد الناصر ينظر إلى القيسوني وهو مذهول ويقول له: «شوف بقى أنا كنت بكباشي في الجيش وكنت أحصل على مرتب قدره 100 جنيه والشيء الذي لم أعرفه قبل الثورة لا بُد أن الشعب المصري لا يحتاجه، وأمسك بالقلم وشطب كل أنواع الجبن الفرنسية وشطب السيمون فيميه وغيرها وهو يتساءل: إيه ده يا دكتور؟ وإيه ده يا دكتور؟ وإيه ده يا دكتور؟).

وتداعت الخطوات حتى وصلنا إلى قرارات يوليو الاشتراكية.

أخلُص من كل ذلك إلى أن البكباشي الزعيم أجاب على الأسئلة الضرورية التي يجب أن يُجيب عليها أي نظام وهي:

هذا النظام باسم من يتكلم؟

ولمصلحة من يحكُم؟

إن الإجابة على هذين السؤلين هما جوهر شرعية أي نظام.

لقد اختار البكباشي «جمال عبد الناصر» أن يتكلم باسم الأغلبية العريضة من الشعب.

وقرر أن يحكم لصالح الأغلبية المُعدمة من هذا الشعب.

ولهذا قاد أكبر ثورة اجتماعية في العصر الحديث.

إن انحيازات عبد الناصر الاجتماعية كانت واضحة لصالح الفقراء والمعدمين والمهمشين.

ولهذا أصبح جمال عبد الناصر هو البكباشي الزعيم. والزعامة قرار من الأمة تُعطيه لمن يصون حقوقها ويرعى فقيرها.

(3)

المشير الرئيس والطبقة المُسيطرة!

لا أعرفُ فيما كان يفكر الرئيس عبد الفتاح السيسي وهو يزور ضريح الزعيم جمال عبد الناصر يوم 5 أكتوبر 2016 ويضع إكليلًا من الزهور على قبره. ربما كان في خاطره غضب من ذلك الشخص الذي رغم موته منذ أكثر من ستة وثلاثين عامًا ما زال ملء السمع والبصر.

وربما كان مبعث الغضب وضيق المُشير الرئيس «السيسي» هو أن سيرة البكباشي الزعيم «عبد الناصر» وسياسته الاجتماعية قد أصبحت مطلب قطاع عريض من الشعب المصري يُلح ويضغط على النظام الجديد من أجل استلهامها حلًا لمشاكل وأزمات مصر والمصريين في ذلك الوقت العصيب، والنظام الجديد يجد نفسه غير قادر أو ربما غير راغب أو ربما غير مقتنع بذلك الحل!

إن المتتبع للرئيس السيسي قبل توليه الرئاسة سيجده مختلفًا تمامًا بعد اعتلائه سدة السلطة. فهو قبل توليه كان يتحدث عن عبد الناصر والتجربة الناصرية بتقدير واعتزاز، ولكنه بعد أن أصبح رئيسًا صار يهاجمها وينتقدها بقوة وإنما بنعومة!

«فهو يتحدث بجهل عن «أن الوضع الاقتصادي السيء اليوم يرجع إلى الحروب التي خاضتها مصر في الخمسينيات والستينيات!».

وهو بذلك «ينسى أو يتناسى أن أكبر معدل للتنمية بشهادة البنك الدولي لم تشهده مصر إلا في العصر الناصري».

ويُضيف الرجل: «أن عملية الإصلاح الاقتصادي لم تجر إلا في منتصف السبعينيات».

وهو بذلك يتجاهل عن عمد أن تلك المرحلة التي يتحدث عنها كانت بداية مرحلة النهب المنظم لمصر وثرواتها فيما عُرف بعملية الانفتاح السداح المداح! وبأن الشعب المصري قد خرج في انتفاضة 18، 19 يناير 1977 مُعترضًا وغاضبًا بل ومتذمرًا ضد سياسات الرئيس المؤمن السادات!

إن كل تلك التصريحات في الغالب كانت موجهة للطبقة المُسيطرة المحتكرة للثروة داخليًا وإشارة طُمأنينة لهم بأن الوضع سيبقى على ما هو عليه وأنه لن يحدث أي تغيُر في الأوضاع الاجتماعية في مصر طوال عهده، أي أن عصره هو امتداد لعصر سابقيه من الرئيس «المؤمن السادات» مؤسس دولة الانفتاح ومُحيي طبقة النصف في المائة من جديد إلى الرئيس «سابق عصره مبارك» واليوم الرئيس «البطل المغوار السيسي».

بل ذهب المشير الرئيس إلى التأكيد على أن «القطاع الخاص هو قاطرة التنمية»!

ويثور السؤال لماذا يُحجم القطاع الخاص مصري وأجنبي عن الاستثمار الآن؟

فتكون الإجابة بأن المناخ معبأ بالشكوك ورأس المال جبان!

ويكون الرد كيف تريد أن تُحمل جبانًا مسئولية التنمية في بلد بحجم مصر!

إن تلك الطبقة (البوربون الجُدد) التي سُميت في أواخر عهد «السادات» بـ(القطط السمان) مثل أسماء «رشاد عثمان» و«توفيق عبد الحي» نمت وتحولت وأصبحت مع أواخر عهد «مبارك» (وحش الهيدرا المخيف) تمتلك كل أدوات التأثير الطاغي من المال إلى الإعلام ومن النفوذ في الداخل المؤسس على الرشاوى وشراء الذمم وإفساد الإدارة إلى العلاقات الدولية بالخارج مع حكومات وببعض أجهزة الاستخبارات! لدرجة تكاد أن تتحول تلك الطبقة لدولة داخل الدولة! مثل أسماء (نجيب وسميح ساويرس وأحمد عز وأحمد بهجت ومحمد منصور) وغيرهم كُثر فجبل الجليد أغلبه مُختفٍ تحت الأرض!

ومن الواضح أيضًا أن تلك الطبقة التي راكمت مئات الملايين من دماء ذلك الشعب المسكين! تعترض أي عملية إصلاح اجتماعي لأنها تعرف جيدًا أن أي إصلاح في ذلك الملف سيخصم حتمًا من أرباحها وسيفتح عليها أبواب الجحيم.

ومن يرد مثالًا على قدرة تلك الطبقة في مواجهة السلطة الحاكمة ينظُر إلى رجل الأعمال (صلاح دياب) لقد تم إلقاء القبض عليه في قصره وقيل إن الرجل متهم في أكثر من جريمة. وبدأت بعدها كل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة المملوكة له ولغيره من (طلائع الثورة المضادة) أو (طبقة رجال الأعمال) سيان في فتح النار على النظام والتحدث بحسرة عن حالة حقوق الإنسان في مصر. وعن سوء معاملة الداخلية للمصريين وعن تجاوز القانون ومخالفة الدستور! وبعدها تم قفل الملف من قبل السلطة والنظام السياسي!

ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي حينما قال:

عبادك ربِّ قد جاعوا بمصر أنيلًا سُقت فيهم أم سرابًا؟

حنانك واهد للحسنى تُجارًا بها ملكوا المرافق والرقابا

أمن أكل اليتيم له عقاب ومن أكل الفقير فلا عقابا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الزعيم
عرض التعليقات
تحميل المزيد