كلنا تابعنا الانقلاب العسكري الذي قاده جنرالات تركيا، بدعم غربي أصبح مفضوحًا، بعد تصريحات الغرب المراوغة في بداية الانقلاب، والتي تكاد تكون حزينة؛ بعد فشل الانقلاب، وبدء حملة التطهير في مؤسسات الدولة من الانقلابين.

سبق هذا بثلاثة أعوام انقلاب الديكتاتور «عبد الفتاح السيسي» على الرئيس المنتحب شرعيًا «محمد مرسي»، ونجح حينها انقلابه، وأودع الرئيس محمد مرسي السجن، ولكن لماذا نجح الانقلاب في مصر، بينما تم وأده في بدايته في تركيا؟

هناك خمسة أمور أساسية تبين الفارق بين مصر وتركيا، من عدة نواحي وهي:

1.الجيش والشرطة

يتشابه الجيشان: المصري والتركي، من ناحية التأسيس؛ إنهما أسسا على عقيدة عمياء، بطاعة الأوامر العسكرية الصادرة من الرتب العالية، وأن الجيشين يتعاملان تعاملًا مباشرًا مع قوى الاستعمار الخارجي، وخصوصًا أمريكا، مع فارق أن الجيش المصري، يتمتع كبار ضباطه بتبعيةٍ كبيرة لأمريكا، بينما الجيش التركي، فكبار ضباطه احتفظوا بولائهم الوطني، بالرغم من اختراق بعضٍ منهم من طرف القوى الخارجية.

في تركيا، ومع بداية الانقلاب انقسم الجيش على نفسه بين مؤيدٍ للانقلاب، وبين معارض، وخاصةً أن رئيس الأركان، ووزير الدفاع، عملا على الوقوف مع الشرعية، ورفضا الانقلاب، بينما في مصر كان قائد الانقلاب نفسه وزير الدفاع، وكبار الضباط كانوا مؤيدين، بالإجماع ـ تقريبًا ـ للانقلاب؛ لأنهم كانوا من أكثر المستفيدين من حال الفساد التي كانت تعم المجتمع، والتي تحاول أية حكومة منتخبة القضاء عليها؛ لأنها تحس بأوجاع الشعب، وتعمل على تحسين أوضاعه، بينما نجد بعد ثلاث سنوات من حكم السيسي ـ تقريبًا ـ كيف ازداد الوضع الاقتصادي رداءةً وسوءً، وازدادت حالات السرقة والنهب الممنهج لأموال الشعب.

وبينما رفض الكثيرون من أفراد الجيش التركي إطلاق النار على المتظاهرين أو أفراد الشرطة الحامية لهم نجد أن الجيش المصري، لم يمانع من إطلاق النار على المتظاهرين، لا بل قد تفنن بعضهم بما لم يطلب منه أصلاً من حرقٍ للمتظاهرين في ميداني «رابعة والنهضة» إلى سحل العزل والنساء والأطفال. ولا ننسى الدور الذي لعبه الجيش المصري قبل الإنقلاب على الرئيس مرسي من خلال إفتعال أزمات الغاز والبنزين وقطع الكهرباء.

أما الشرطة وأجهزة الأمن فكان موقفها مشرفًا في تركيا؛ فقد حمت المتظاهرين، ووقفت مع شرعية الرئيس والحكومة، أما في مصر فما ينطبق على الشرطة وأجهزة الأمن، فيها ينطبق على معظم الدول العربية؛ فهذه الأجهزة أصبحت كالسرطان في جسد الدولة، فلا تكتفي بالنهب والسرقة من جيب الشعب، بل تعامله معاملة إذلالٍ وقهر، وعقيدتها الأولى هي حماية الحاكم الطاغية، وهي من خلال هذا تحمي مصالحها ووجودها.

2.الإعلام

وهو من أكثر الأمور المؤثرة في وعي الشعوب في الوقت الحاضر، ويستطيع توجيهه حيثما شاء، وخاصةً في حال المجتمعات، التي ينتشر فيها الجهل والأمية، ولكن شاهدنا في تركيا كيف تعاملت وسائل الاعلام التركية تعاملًا إيجابيًا ضد الانقلاب، فمن لم يقف ضد الانقلاب التزم الحياد على أقل تقدير، بينما في مصر شاهدنا وسائل الاعلام المصرية قبل الانقلاب وخلاله، والتي تحولت إلى أداةٍ تبث السموم ليل نهار، وتغسل أدمغة الكثيرين، من خلال الكذب والتلفيق، ومن خلال شيطنة فترة حكم الرئيس «مرسي» ونقد أي تصرفٍ صادرٍ منه أو من حكومته، بل أصبحت تنتقده من خلال المزاح والسخرية الرخيصين، فشاهدنا عددًا من «الأراجوزات» والمهرجين الفارغين يسخرون ويحقرون من رئيس البلاد «محمد مرسي»، والذي من المفترض أن يكون رمزًا للبلاد، وخصوصًا أنه منتخب شعبيًا!

3.فترة الحكم ونوعية الحاكم

بينما لم تمتد فترة حكم الرئيس محمد مرسي أكثر من عام, امتدت فترة حكم الرئيس التركي من 2003، وحتى الآن، بالرغم من أنه انتقل من رئاسة الوزراء (الفعالة جدًا في تركيا) إلى رئيس للجمهورية (الأقل فاعلية)، إلا أن تأثيره بقي حاضرًا في الحكومة، والحزب الذي ينتمي إليه، وقد سبق هذا تغلغله مع حزبه في أركان الدولة والبلديات وغيرها، والناتج أن مرسي لم يستطع تقليم أظافر الدولة العميقة في مصر، كما فعل «أردوغان» في تركيا، بالإضافة إلى هذا، ما يتمتع به أردوغان من شخصيةٍ «كارزماتية» مؤثرة في الجماهير وقوية، بينما مرسي لم يمتلك هذا الأمر.

عمل «حزب العدالة والتنمية» في تركيا على المدى الطويل، واتخذ من الصبر وسياسة التوازنات الداخلية والخارجية وسيلةً؛ لتحقيق ما يصبو إليه، بينما أُخذ على فترة حكم مرسي في مصر أنه ألقى كثيًرًا من البال للضغوط الخارجية والداخلية؛ مما لم يوصله إلى ما كان يصبو إليه، وهذا فارقٌ كبير بين منهاجي الحزبين في حكم كل من تركيا ومصر.

4.القوى الخارجية

هناك تشابهٌ كبير بين تركيا ومصر في حالتي الانقلابين؛ فالغرب باطنًا، وإن لم يعلن هذا هو داعمٌ للانقلاب في أية دولةٍ ما دام هذا الانقلاب يحقق مصالحه، ويكون زائدة دودية تابعةً له في الحكم، وهناك قاعدة تقول: إن أي انقلاب لا ينجح، إلا بدعمٍ خارجي، فشاهدنا مع الساعات الأولى للانقلاب في تركيا، كيف وقف الغرب موقف المتفرج صامتًا صمت القبور، أمام ما يجري، بل في بيانٍ صادر عن السفارة الأمريكية في تركيا حذر الأمريكيين من السفر إلى تركيا؛ بسبب ما سماه الانتفاضة الشعبية!

أما في مصر، فاستقبال السيسي في البلدان الأوروبية الآن جارٍ على قدمٍ وساق، وأُعيد تسويق نظامه، وشرعنته، على مرأى ومسمع من الناس، ونسوا الضحايا الذين قتلهم، وآلاف المعتقلين في السجون، فالمهم لدى الغرب، ليس الديموقراطية التي يدعونها، بل مستبدٌ طاغية يحقق مصالحهم، وينفذ أوامرهم، وحتى لو طعن الديموقراطية بمائة سيف كل يوم.

5.الشعب

العامل الحاسم في الانقلاب في تركيا، فشاهدنا عشرات آلاف ينزلون الميادين، ويقفون بصدورهم العارية أمام الدبابات والرشاشات؛ فلقد علموا أن القليل من التضحية الآن خيرٌ من عودة حكم العسكر، وما سيجرونه على البلاد من خراب، فكان الشعب المسمار الأول الذي دق في نعش الانقلاب وأصحابه، وبينت الأحداث حجم الوعي الكبير الذي أصبح لدى الشعب التركي.

أما في مصر، وبالرغم من تظاهر الملايين ضد الانقلاب، إلا أننا شاهدنا انقسامًا في الشعب؛ فهناك كثيرون أيدوا الانقلاب، وبقوة، ووقفوا مع عودة حكم العسكر، وهؤلاء: إما تأثروا بعملية غسل الأدمغة الممنهجة من قبل الإعلام، أو دفاعًا عن مصالحهم، وأيضًا لانتشار الجهل بين أوساطهم.

في النهاية هُزم الانقلابيون في تركيا، وأكثر عاملين لعبا دورًا في هزيمتهم هو تكاتف الشرطة، وقوات الأمن، مع الهبة الشعبية في الشوارع، ولكن جميع هذه العوامل الخمسة متداخلة مع بعضها، فلكل عاملٍ دوره في تحديد نجاح الانقلاب من عدمه، لكن هناك سؤال يجب أن يُطرح بالنسبة لنا كعرب، بعد أن شاهدنا شجاعة الأتراك في دفاعهم عن شرعيتهم، وبعد أن شاهدنا كيف أيد الطغاة العرب وقنوات إعلامهم الانقلاب:

هل يدفع فشل الانقلاب في تركيا شعوبنا العربية مرة أخرى؛ لإعادة إحياء ربيعها، وكنس هؤلاء الطغاة؟ وهل يُعاد إحياء الأمل في النفس العربية، بعد المرارات والمآسي التي قاستها من الطغاة والثورات المضادة؟

والجواب برسم الأيام القادمة.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد