على مرِّ الأزمان الماضية، عرف العالم العربي جملة من الأحداث الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تمتاز بكونها تشكل أهم حلقات بناء الفكر العربي بمختلف تلاوينه، فأمام الصدمة التي تلقاها الوطن العربي بسبب التخلف والانكسار إبان التقدم الذي طفا على الجغرافية الأوروبية خلال القرن السابع عاشر والثامن عشر مع فلسفة الأنوار وما قبلها في فكر لوك ومونتيسكيو وروسو، نشأت أسئلة فكرية إصلاحية انصبت في معظمها على معضلة التأخر الواقعة في ديار العرب والمسلمين آنئذ، فعمق الإشكالية التي طرحها رواد الفكر الإصلاحي تكمن في البحث عن طريق الانتماء إلى عصر التقدم؛ أي كيف نتقدم؟

الجواب عن هذا السؤال لم يكن يشكل بالنسبة لهؤلاء الرواد مبعثًا حرجًا، إذ اعتبروا أن مدخل هذا التقدم لا يمكن أن ينزوي عن: الإصلاح الديني، وإقرار الحرية، والدستور وتحرير المرأة… إلى آخره، ويعتبر رفاعة رافع الطهطاوي ( 1873-1801)، أول من حقق قصب السبق لهذا النهج، في مقاربته لمفاهيم غربية مثل الحرية، ففي كتابه المرشد الأمين عرفها بأنها «رخصة العمل المباح، من دون مانع مباح، ولا معارض محظور. فحقوق جميع أهالي المملكة المتمدنة ترجع إلى الحرية، فتصف المملكة بالنسبة للهيئة الاجتماعية بأنها مملكة متحصِّلة على حريتها ويتصف كل فرد من أفراد هذه الهيئة بأنه حر، يباح له أن ينتقل من دار إلى دار ومن جهة إلى جهة، بدون مضايقة… وأن يتصرف كما يشاء في نفسه وشغله…».

وبناء على هذا التعريف قسم الطهطاوي الحرية إلى خمسة أقسام: حرية طبيعية، وحرية سلوكية، وحرية دينية، وحرية مدنية وحرية سياسية، وعرَّف كل منها بحسب ما كان يطبقه زمانه، لينتهي من كل ذلك إلى أن: «حرية أهالي مملكة منحصرة في كونهم لهم الحق في أن يفعلوا المأذون شرعًا، وأن لا يكرهوا على فعل المحظور في مملكتهم».[1]

ولم يكن الطهطاوي وحده في هذا المضمار من الإصلاحيين الذين نظروا لمفهوم الحرية، بل شاركه أيضًا الرائد الكبير خير الدين التونسي (1890 -1820)، الذي اعتبر أن سبيل التقدم يتطلب بالأساس حريةً سياسية تعمل على إدخال الرعايا في السياسات الملكية، والمباحثة فيما هو الأصلح للمملكة.[2]

هذا من جانب، ومن جهة أخرى تبنى الإمام جمال الدين الأفغاني (1897-1820) الدعوة الدستورية، حين دعا إلى اتخاذ دساتير توزع السلط بين مؤسسات الحكم المختلفة، وتعترف للأمة بحقها في ممارسة مبادئها عبر ممثليها ونوابها، وكان من أوائل الدعاة إلى الدستور في سياق إصلاح شأن الخلافة العثمانية وتحديثها.[3]

وتبعه في ذلك تلميذه محمد عبده (1849-1905) الذي لم يقف عند الإصلاح السياسي فقط، وإنما أتبع هذا الأخير بإصلاح ديني رأى من خلاله ضرورة العودة إلى قضايا علم الكلام القديم لإحيائها والترويج لها بين الناس، من خلال الحديث عن أفعال الله وأفعال العباد والقضاء والقدر والاختيار والعلم والإرادة.[4]

وفي السياق نفسه بلغت الإصلاحية أوجها وريادتها مع عبد الرحمن الكواكبي (1902-1849)، الذي خطا خطوة أبعد في تحليل أسباب الانحطاط والتأخر، وذلك من خلال كتابين موسومين بـ«أم القرى» و«طبائع الاستبداد»، فالأول يدور حول حصاد مداولات مؤتمر افتراضي تصوَّره الكواكبي منعقدًا في مكة المكرمة، وجامعًا لعدد من أهل الرأي والفضل من أرجاء العالم الإسلامي، ومن الأقليات المسلمة من خارجه، بلغ عددهم 23 مشاركًا. وقد جعل الكواكبي غاية مؤتمر (أم القرى) الافتراضي «تشخيص داء الفتور المستولي على الأمة تشخيصًا سياسيًا مدقّقًا» [5] والبحث في «سبب ملازمة هذا الفتور منذ قرون للمسلمين»[6]، أما الكتاب الثاني فهو خلاصة تفكير الكواكبي في أزمة الحضارة الإسلامية، بعد أن توصل إلى جوهر الداء وهو الاستبداد السياسي. [7]

ففي اللحظة التي صار الاعتقاد فيها أن الفكر الإصلاحي في إمكانه إعطاء دفعة قوية من أجل السير قدمًا أمام التقدم الغربي وتجاوز أعطاب التقهقر والتدهور، وترجمة ذلك على مستوى الواقع، استيقظنا آنئذ على أفول تدريجي جعل من القطيعة عمليا مع هذه الأفكار السمة البارزة لبدايات القرن العشرين في الوطن العربي، وقد أعزى ذلك الباحث والمفكر عبد الإله بلقزيز إلى عدّة أسباب سياسية وفكرية.

السياسي من تلك الأسباب حسبه يتعلق بحدثين كبيرين: الاحتلال الأجنبي للبلاد العربية والإسلامية، الناشئ من تفوّق أوروبا ومن إخفاق محاولات الإصلاح التي أقدمت عليها البلدان العربية والإسلامية من جهة، ثم سقوط الإمبراطورية العثمانية وتفكّكها من جهة ثانية.

أما الفكريّ من تلك الأسباب، فيتمثل في الإتيان على فكر الإصلاحية بالهدم من الداخل[8] كما سنراه فيما يأتي.

ففي خضم هذه النهاية التراجيدية للإصلاحية الإسلامية، ألا يمكن اعتبار المشروع الإسلامي الحركي الذي تأسس لحظة الاحتلال الغربي واستمر إلى زمننا هذا امتداد للإصلاحية الإسلامية؟ لكن، ما المقصود بالحركة الإسلامية؟ وكيف تشكلت؟ أين تلتقي مع الإصلاحية؟ ومتى تتقاطع معها؟

تشير الحركة الإسلامية إلى ذلك المنعطف الذي طرأ على الإصلاحية الإسلامية مع آخر رجالاتها تلميذ محمد عبده، محمد رشيد رضا في كتابه «الخلافة أو الإمامة العظمى» (الأسباب الفكرية التي ذكرناها آنفا).

فالإمام حسن البنا الأب المؤسس للحركة الإسلامية في شكل جماعة الإخوان المسلمين بالإسماعيلية في مصر عام 1928 كانت له صلة بالشيخ رشيد رضا وتأثر به، إن لم نقل كان تلميذه، بل إنه كان ينوي أن يتوج الوراثة النظرية لرضا ومدرسته بوراثة علمية، إذ أنه تصدى بعد وفاة رضا لإحياء مجلة المنار وتولى تحريرها ونشرها وهي محاولة لم يكتب لها التوفيق. [9]

ففي عز الاستعمار الغربي، لم يكن أمام منظري الفكر الحركي الإسلامي سوى النظر إلى الغرب بعين الريبة والازدراء، باعتباره قبل أن يكون مستغلًا للثروات ومحتكرًا لها، فإنه طمس الهوية الإسلامية وخربها، لذا فإقامة الدولة الإسلامية المتطابقة مع العقيدة والشريعة كانت في البداية أولى اهتماماته، ولو تطلب الأمر اللجوء إلى العنف كما سيحصل مع أبو الأعلى المودودي سنة 1941 بالهند عندما أسس الجماعة الإسلامية.

اغتيل الإمام حسن البنا في فبراير سنة 1949 بعدما ألقى محاضرة في جمعية الشبان المسلمين، ليخلفه بعد ذلك سيد قطب، وهذا الأخير يعد شخصية فريدة ومتميزة في تاريخ مصر لا يسمح المجال هنا كي نتعرض لها جملة وتفصيلًا، غير أن ما نود الإشارة إليه أنه انتهى به الأمر إلى إدانته والحكم عليه بالإعدام شنقًا صيف عام 1965، بعدما خلف وراءه مرجعين أساسيين يعتبران الأعمدة النظرية للفكر الحركي الإسلامي، وهما: «معالم في الطريق»، الذي انتزع فصوله من الكتاب الثاني: «في ظلال القرآن»، ففي هذين المؤلفين يشتد التقابل بين الإسلام والجاهلية، الإيمان والكفر، الله والطاغوت، وأنه لا تمكن المصالحة بينهما، بل يقضي أحد الطرفين على الآخر. ولما كان لا غالب إلا الله فسيتم انتصار الإسلام على الجاهلية، والله على الطاغوت، والإيمان على الكفر عن طريق تكوين جيل قرآني فريد، خاصة الخاصة يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا. [10]

وإعدام سيد قطب يعد دليلًا على تغلغل الفكر الإسلامي الحركي في مصر وامتداده إلى العديد من الدول العربية الإسلامية، خاصة وأن فكر هذا الأخير كان متصديًا لفكرة القومية العربية التي تتغذى على متلازمة التحرر السياسي والوحدة القومية، وللوحدة القومية هاته وجهان مترابطان يقومان على العلمانية والديمقراطية، الأمر الذي كان يعارضه سيد قطب جملة وتفصيلًا.

عرفت الفترة التي تلت وفاة جمال عبد الناصر خفوت مشروع القومية العربية لأسباب عدة، لتطفو على السطح جذور جديدة للإسلام الحركي امتدت إلى جل الدول الإسلامية إن لم نقل كلها، تزامنت مع ما يعرف بالصحوة الإسلامية إلى نهاية التسعينيات، مثل جماعة الإخوان المسلمين (مصر)، جبهة العمل الإسلامي (الأردن)، جبهة الإنقاذ (الجزائر)، حركة حماس (فلسطين)، الحركة الدستورية الإسلامية (الأردن)، حركة التوحيد والإصلاح وجماعة العدل والإحسان (المغرب)، حركة النهضة (تونس).

بناء على ما سبق، يمكن القول إن الإصلاحية الإسلامية تتاقطع مع الإحيائية الإسلامية في الموقف من الحكم، والذي تعارضه الإحيائية الإسلامية باعتباره خارجًا عن الشرع ويجب تقويمه بأي وسيلة كيفما كانت شرط أن لا تنزوي عن الشريعة وأحكام الإسلام، في حين لا تتردد الإحيائية في تقديم النصح والإرشاد وإن اقتضى الأمر التماهي مع الحكم والسلطة (نموذج جمال الدين الأفغاني). ويختلفان أيضًا من الناحية المفاهيمية، فلا إشكال بالنسبة للإصلاحية الإسلامية في استيراد المفاهيم الغربية مثل الديمقراطية والحرية، الشيء الذي ترفضه الإحيائية الإسلامية، والمحاججة بالشورى وغيرها من المفاهيم القرآنية والسنية.

هذا من زاوية، ومن زاوية أخرى فإنهما يلتقيان في كونهما يستمدان أساسهما النظري من الإسلام باعتباره حمال أوجه انطلاقًا من قولة الإمام علي ابن أبي طالب التي يصف فيها القرآن أنه «بين دفتين لا ينطق، الرجال هم الذين ينطقونه»، لذلك لا سبيل لوجود بعض التباينات بالرغم من نسبيتها.

نختم القول بأن الطريق للحسم في الفارق بين الإصلاحية الإسلامية والإحيائية الإسلامية يبدو صعبًا، خاصة مع التطور الذي طرأ في العقد الأخير من خلال مشاركة العديد من الحركات الإسلامية في السلطة وتسلمها دواليب الحكم، بل الأكثر من ذالك أنها أضحت تتجه نحو فصل المجال الدعوي عن السياسي، ناهيك عن مفاهيم من قبيل الديمقراطية وحكم المؤسسات التي طغت على لغة البلاغات والبيانات، فأمام هذا التحول، ألا يمكن اعتبار الإحيائية الإسلامية امتدادا للإصلاحية الإسلامية؟ وإن كان الأمر كذلك، هل هناك مجال لاستئناف المشروع الإصلاحي؟ فمتى يحدث ذلك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد