لطالما كان التنوع والاختلاف بين البشر مصدر قوة، ومكسبًا مهمًّا، سواء كان الاختلاف في العرق، المعتقد، اللغة أو العادات والتقاليد.

فالاختلاف هو من يصنع أنماطًا جديدة من الأفكار، ويولد الإلهام والإبداع، كما أن هذا الاختلاف نفسه هو من ولد صراعات وحروبًا في بعض الأحيان، عندما لم يُلاقِ القبول والتعايش معه.

إن الأفراد، وخاصة في العالم الثالث، لا يتقبلون بسهولة فكرة الرأي الآخر، ولا يتعايشون مع من يخالفهم في الدين والمعتقد أو حتى في العِرق والعادات، ويرون أن الرضوخ للرأي الآخر أو الفكر المختلف عنهم ضعف واستسلام. لاسيما إن كان هذا الاختلاف في المجتمع الواحد بحكم أن أفراد المجتمع الواحد يعيشون كلهم على النمط نفسه، ففكرة وجود سلوكيات وتصرفات أو أفكار خارجة عن ما هو مألوف في المجتمع غير مرحب بها كثيرًا.

ويعود هذا التعصب وعدم التقبل إلى التنشئة التي أنشئ بها الأفراد، والانغلاق على الفكر الواحد؛ فهم يرون أن المختلف عنهم خاطئ، وأنهم الأصح، ويُقابل الشخص المختلف بالتهجم عليه والقذف والشتم؛ لأنه فقط يتبع نمطًا معيشيًّا مختلفًا عن الأغلبية، ولأنه يفكر بطريقة مختلفة، وهذا ما يسبب عادة صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.

وبما أننا في عصر الإنترنت وعصر التفتح على الآخر، أصبح الفرد في العالم الثالث عامة، وفي الجزائر خاصة مفضوحًا بتعصبه وبعدم تعايشه مع الاختلافات من حوله، فمواقع التواصل الاجتماعي خاصة كشفت رجعية الإنسان الجزائري وتعصبه من خلال التعليقات السلبية جدًّا نحو أي شخص مختلف، وانتقادات لاذعة وأحيانًا تنمر، وشتم وقذف. ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة إلا بكوننا مجتمعًا منغلقًا على نفسه، ومتشابهًا إلى حدٍ بعيد في عاداته وتقاليده، فغالبية المجتمع الجزائري يتبع الديانة الإسلامية، أي إننا لم نعايش تجربة العيش مع ديانات أخرى. نحتفل جميعًا بالأعياد الدينية تقريبًا بالطريقة نفسها، ونحتفل أيضًا بالمناسبات الاجتماعية بالعادات والأعراف نفسها، أي إننا تعودنا على أسلوب حياة متشابه في جميع المجالات؛ لهذا نستصعب التعايش مع سلوكيات مختلفة وجديدة علينا. لكن هذا ليس مبررًا للتهجم على الغير إطلاقًا. لهذا من الضروري أو من الواجب أن نتعلم تقبل الاختلافات بجميع أنواعها، وأن نجعل الاختلاف بداية الحوار الذي من خلاله نتمكن من التعرف إلى الطرف الآخر المختلف؛ لأنه سيمكننا من  معرفة طرق تفكير جديدة، ويدفعنا للبحث أكثر عن نقاط الاختلاف. لأن الاختلاف فعلًا لا يفسد للود قضية؛ ولأن جميع الديانات السماوية وغير السماوية دعت إلى التسامح والتعايش مع الجميع باختلافاتهم، وأن هذه التصرفات تجاه الاختلاف لا تعبر إلا عن الكراهية وغياب الوعي والرجعية.

وقد حان الوقت لنتجاوز هاته الظاهرة في مجتمعاتنا ونتقبل ذواتنا وغيرنا، وحان الوقت لنجعل الاختلاف نقطة قوة لا ضعف؛ فبتقبلنا للاختلاف نكون قد قطعنا شوطًا كبيرًا في التقدم نحو الأمام أو قطعنا نصف الطريق، لأننا حينها نكون قد ارتقينا لدرجة مناقشة الأفكار وليس الأفراد، وارتقينا لدرجة انفتاح الذهنيات على ثقافات وآراء وأفكار مختلفة.

فالاختلاف ثقافة في حد ذاته وتقبله يدل على فرد واعٍ ومتحضر، يختار الحوار والنقاش بدل التعصب والتهجم، ويعي أن الشخص الذي يفكر بطريقة مختلفة أو يعيش ويتصرف بطريقة مختلفة هو شخص مثلنا، يمتلك كامل القدرات العقلية والذهنية التي نمتلكها نحن، فقط اختار أن يتبنى الأفكار والمعتقدات التي يرى أنها تلائمه، وهو حر في ذلك. كما أنه من الطبيعي، بل من الضروري، أن يختلف البشر بعضهم عن بعض، وإلا غرقنا في الملل القاتل، فهو من السنن الكونية أن نختلف في لغاتنا وثقافاتنا ومعتقداتنا؛ لنشكل بذلك عالمًا طبيعيًّا يتكون من أجناس بشرية مختلفة، وعليه نجد أن الاختلاف نعمة وليس نقمة كما هو الحال في بلادنا العربية.

ولنحول هذه النقمة إلى نعمة يجب أن نغير تغييرًا جذريًّا

تنشئة أطفالنا ونموهم الفكري، ونربيهم على ثقافة الاختلاف والنقاش والمساءلة، ونوفر لهم الجو لينشأوا في بيئة سليمة تعترف بهم وبأفكارهم وتشجعهم على التميز والاختلاف.

إن ثقافة الاختلاف إذن تعني احترام كل وجهة نظر ورأي واختيار مختلف لآرائنا وأفكارنا واختياراتنا، وسماعه ومناقشته في أجواء يسود فيها الاحترام والهدوء وسعة الصدر، وذلك بفتح المجال لصاحبها للتعبير عنها وشرحها، فكما هو معروف، في اختلاف الآراء والأذواق والأفكار رحمة، وقد تكون سبب ازدهار المجتمعات، أما الخِلاف فهو سبب في تحجر المجتمعات وتخلفها وجر الويلات عليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد