لقد تكلم علماء الأعصاب كثيرًا على المستويات العصبية ومن بينهم روبرت ديلتس الذي قسمها إلى مستويات اجتماعية تضم كلًا مِن الهويَّة، الرؤية، البعثة، القيم، المعتقدات، وأخرى روحية تشمل كل مِن القُدرات، السلوكيات، البيئة، التحفيز، الإذن، الإدراك، الاتجاه، إجراءات والتفاعلات.

بمعنى عندما نريد تحقيق تغييرات عميقة، بحيث تتغير المنشأة بأكملها، مِمَّا يدفعها للتأثير على أكثر من جانب. لكن هذه الأمور دائمًا ما تحصل بمرور الوقت، إذ يجب علينا حينها العمل مع المستويات العصبية، وهو ما سنحاول التعامل معه في الأقسام التالية.

التي تسمى بالمستويات العصبية، وكذلك يشار إليها أيضًا بالمستويات المنطقية للتغيير، أو المستويات المنطقية للتفكير. والتي قد تَمَّ تطويرها مِن طرف روبرت ديلتس؛ وتستند في أساسها على مستويات عصبية تَمَّ اقتراحها مِن عالم الإنثروبولوجيا غريغوري باتسون.

الآن يمكننا استخدام هذه المستويات المنطقية في إكتشاف وفهم نموذج عالم الموضوع المطروح للحل، وذلك مِن أجل التوصُّل إلى تشخيص دقيق للمشكلة الطارئة، قصد اختيار إستراتيجية التدخل الأنسب والأنجع، وذلك من بين الكثير مِن الإستراتيجيَّات المتعدِّدة المتوفِّرة في برامج علوم البرمجة اللغوية العصبية.

لقد أشار بيتسون إلى الحضور اللافِت لجميع عمليَّات التعلم، التغيير والاتصال، وكذلك الوجود الضَّاهر للتسلسل الهرمي الطبيعي، كما أكد على أن معظم هذه المشاكل ناتجة عن الارتباك الحاصل في المستويات المنطقية، لكن بعد مرور الوقت، تعمق علماء الأعصاب وتوسعوا في هذا المفهوم بشكل أساسي، مع المساهمة القيِّمة لروبرت ديلتس، الذي طور نموذجًا للتوجه العملي الذي عرَّفه بنفسه على أنه عبارة عن مستويات مختلفة من التفكير والوجود. بمعنى أدق فإنه مِن الناحية النفسية هناك خمسة مستويات نتحرك فيها مع المزيد مِن التردد.

المستوى الأساسي يسمى البيئة والقيود الخارجية؛ إذ يعمل المرء في تلك البيئة من خلال السلوك، كما يتم توجيه هذا الأخير في التوسط من خلال الخرائط الذهنية، والإستراتيجيات التي تحدد قدرات الموضوع المُدْرج في جدول الأعمال. وعليه يَتِمُّ تنظيم هذه القدرات، بواسطة أنظمة المعتقدات التي بدورها تُنَظَّمْ عن طريق الهوية.

إذ يجري تنظيم أي نظام بيولوجي، أو اجتماعي حسب المستويات بما في ذلك الدماغ الذي لا يمثل هنا أي استثناء. وذلك بتقديم مستويات مختلفة من التفكير، التي عادة ما يجري تمثيلها في شكل هرمي، بمعنى أنها ترتبط هرميًا مع بعضها البعض، بحيث يتضمن كل مستوى باقي المستويات والتأثيرات السُّفليَّة عنهم.

مع العِلْم أن وظيفة كل مستوى من مستويات الفكر، هي عبارة عن تنظيم فريد في أَدنُون وأدان مستويات هذه المعلومات إنطلاقًا من المستوى الأدنى، بالتالي بزوغ شمس التغيير المُنتظر، الذي يجري إنشاؤه عند مستوى معين، إلى حدوث شلَّال رهيب مِن التغييرات في المستويات الدُّنيا، ولكن ليس بالضرورة في المستويات العُلْيَا، إذ سنرى لاحقًا أنه من المستحيل حل بعض المشاكل، لاسيَّما في المستويات التي أُحدِثت وأُنْشأت فيها.

إذ تختلف قواعد تغيير شيء ما على مستوى ما، عن تلك الخاصة بتغيير شيء ما عند مستوى أدنى. لكن يمكننا استخدام المستويات المنطقية لاكتشاف وفهم نموذج العالم لموضوع ما، قصد التوصُّل إلى تشخيص المشكلة، واختيَّار إستراتيجية التدخل المناسبة، المُجدية والكافية، وذلك مِن بين العديد من الإستراتيجيات المتاحة في هذا المجال الواسع جدًّا.

يمكننا وصف المستويات المنطقية أو مستويات التفكير، بترتيب تصاعدي على النحو التالي: أولًا البيئة؛ ويتعلق الأمر بكل الأشياء المحيطة بنا والتي نحن جزء منها، وكذلك مع الطريقة التي تؤثر بها علينا. إذ يشمل ذلك كل العلاقات الأسرية والمهنية، الاجتماعية، بما فيها طريقة تعاملنا مع هذه السياقات.

ثم هناك المستوى الثاني والذي يعرف بالسلوكيات: يعني مجموع التصرفات والتعاملات، وكذلك الطريقة التي نَحْيا بها غالبًا في بيئتنا؛ أي ما نفعله وما نتوقف عن العمل به، والطريقة التي نتبعها ونتصرَّف بها في حياتنا اليومية، بما في ذلك السلوكيات العلنِيَّة أو الخفيَّة على حد سواء. كما يمكننا أيضًا تضمين السلوكيات العقليَّة هنا أيضًا، أي الحوارات الداخلية التي نجريها مع أنفسنا، لاسيَّما قبل مواجهة موقف معين. وبالتالي فإن هذا يقودنا إلى مواجهته بطريقة أو بأخرى.

المستوى الثالث يصطلح عليه بالقدرات: وهي جميع المهارات التي نمتلكها أو التي نفتقدها، وكذلك تلك التي نسخّرها في اللعب لاكتساب سلوكيات جديدة. إذ يجري تطويرها مع الوقت، وأثناء مراحل التعلم، ولا نقصد هنا التعلم الأكاديمي فقط، بل كل ما يتم تعلمه مِن تجارب الحياة.

خصوصًا وأنها ترتبط إرتباطًا وثيقًا بالمعتقدات، لأننا نعتقد ذلك سواء كنا قادرين أم لا، سنقوم بتطوير مهاراتنا في جانب أو في آخر؛ فإذا اعتقدنا أننا قادرون على مواجهة تحد معين سنجدحتمًا في النهاية طريقة لمعرفة ما هو ضروري القيام به، لكن إذا كنا نعتقد أننا غير قادرين منذ البداية، فلن نتجرَّء حتى على المحاولة، وبالتالي عدم الإقبال على أي خطوة تخص حتى التعلم في هذا الصدد. إذًا ضمن هذا المستوى يتم تضمين الإستراتيجيات والدول، الصفات والعواطف؛ لأنها مواقف الفرد التي تسمح بتوليد السلوكيات.

تُشكل القدرات مستوى مهمًا للغاية، إذ يمكننا التدخل فيه بكل أريحيَّة، وذلك بتحقيق تغييرات ملحوظة. هذا لأننا نعلم بالفعل أن أحد الافتراضات الرئيسة لعلوم البرمجة اللغوية العصبية تتجلى في أن لدينا جميعًا الموارد اللازمة، وبالتالي واقعية التوفر الفعلي على القدرات اللازمة، وبالتالي القدرة الحقيقية على الإدراك الممتاز، للإمكانيات الغير المستغلة بالكامل، أو غير المعروفة للشخص الذي نعمل معه، مِمَّا يسهل علينا حتمًا الوصول إلى أهدافنا المدرجة سابقًا في القائمة. إذًا يتعلق الأمر بفعل «القوة» والأسئلة التي قد نستخدمها للعمل على هذا المستوى، إذ سيكون المشهد في الغالب على غرار الأسئلة المُلِحَّة والمُحفِّزَة عن كَيفيَّة فعل هذا التغيير.

أمَّا المستوى الرابع فيتكون مِن المعتقدات والقيم: لأنهم يُشكِّلون مجتمعين مستوى أعمق من الفكر والتفكير، ولهذا علينا أن نشتغل بجدية وحماس مع الأذونات التي نمنحها لأنفسنا، خصوصًا عند الشروع في القيام بأشياء معينة. لكن قد تقع المعتقدات على مستوى أعمق من القيم، وبالتالي تسجيل عدم الاستجابة لنفس المعايير، على الرغم من أنه على أرض الواقع نَجد أن القيم والاستعدادات والسلوكيات وغيرها من الأمور تتكيف بسهولة مع المعتقدات.

لهذا يعرّفهم روبرت ديلتس على أنهم مجموعة بيانات شخصية، نستطيع إعتبارها صحيحة. وقد تؤثر بوعي أو بدون وعي عن إدراكنا لأنفسنا. إذ يجري زرع المعتقدات بشكل غير واع في مرحلة الطفولة المبكرة، التي كانت مرتبطة فقط بالتجارب المنزلية أو البيئة المحيطة.

نعم، لقد تحدثنا بالفعل سابقًا وحتى هذه اللحظة عن التوقعات الممكن حصولها، لاسيَّما عند الإشارة إلى الفلاتر المكتسبة، كما رأينا ذلك على أرض الواقع، خصوصًا عند غيَّاب الحدث، وتسجيل عدم حصوله.

لقد كان هذا صادم لنا فعلًا، لأنه يجعلنا نغير العديد مِن الأشياء في أقرب فرصة ممكنة، حتى ولو أنهم عادة ما يرافقوننا في الكثير من تجاريب حياتنا. إذ يجري إنشاء هذه المعتقدات وغيرها بناءً على سلسلة من التجارب المحدودة التي تخضع لعملية التعميم، أي إذا كانت لدينا تجارب سلبية متعددة الأنواع والأشكال، عند التحدث في الأماكن العامة، فإيماننا القوي بـالقدرة على التحدث علنًا هو القادر على خلق الحدث، لذلك سنحاول في المستقبل تجنب الاعتقاد بالفشل، وفي نفس الوقت تعزيز الاعتقاد بالنجاح، والاعتماد عليه، حتى العثور على سبل القيَّام بتمكين التطوير وتحصين القدرات.

بحيث يمكن أن تكون المعتقدات في بعض الأحيان مُقيِّدة ومُعيقة لتطورنا. مع العِلْمْ أنه لا يمكن القضاء عليها دفعة واحدة؛ لأن دماغ الإنسان ببساطة شديدة لا يعترف بالفراغ، بل بالأحرى سيتم استبداله بشيء آخر.

من ناحية أخرى نعلم أن القيم تشير إلى تلك الأشياء التي نريد تحقيقها. هي المحرك الفعلي لسلوكياتنا، والمحفز على التوجيه نحو وجهة معيَّنة. وهي كذلك هرميَّة بشدة، بحيث تكون القيمة المفضلة هي القيمة التي تحددها، لكنها تختلف عن بعضها البعض في مختلف مراحل الحياة، وكذلك في نفس المراحل الحيوية التي قد تكون مغايرة لبيئات مختلفة، ويمكن أيضًا أن تتأثر ببعض الأشياء والظروف، كالحالة الذهنية والوضع الاقتصادي وما شابه ذلك.

تتكون القيم على ثلاث فترات: أولًا فترة البصمة: وتبدأ من وقت ولادتنا حتى سن ست أو سبع سنوات تقريبًا؛ والتي أحب تسميتها بمرحلة الممانعة العقلية؛

ففي هذه المرحلة ندمج دون وعي قيمنا العائلية.

ثانيًا فترة نسخ النماذج: وهي المرحلة التي تمر من ثماني سنوات إلى 13 سنة. ندمج فيها قيم المجموعة التي نتفاعل معها خارج المنزل.

ثالثا فترة التنشئة الاجتماعية: تحدث بين سن الرابعة عشر والواحد والعشرين، حيث ندمج القيم التي لها أكبر تأثير على علاقاتنا الداخلية والخارجية. لأن المعتقدات والقيم لها علاقة بدرجة الإيمان الراسخة في عقولنا وقلوبنا، وكذلك الأسئلة التي قد نطرحها بين الفينة والأخرى على أنفسنا وعلى الآخرين.

أما الآن وقد وصل بنا الحديث إلى المستوى الخامس وهو الهوية: إذ يبني جل أركانه على مفهوم الذات، أي المفهوم الموجود في أعماقنا عن أنفسنا، والذي على الرغم من إمكانية تطويره مع مرور الوقت، إلا أنه دائمًا ما يحافظ على شفرته السرية؛ المتمثلة في الشعور بالوحدة والتفرد. أمَّا الفعل الذي سيوجهنا عند هذا المستوى هو «كان ويكون»، والكلمات المعبِّرة ستسمح لنا لا محالة بالوصول إليه، كما أنها ستكون مهمة ومتماسكة.

أخيرًا سنقوم بالتطرق إلى مستوى الروحانية: يربطنا هذا المستوى بالتعالي والسمو، ويجعلنا جزءًا من الانتماء إلى أشياء تتعدى وتتجاوز فرديتنا، كما يشير إلى الشعور بالانتماء إلى ما هو أعلى وأرقى وأكثر أهمية منَّا. يمكن أن يمثل لبعضنا الجوهر، أو الجزء الأعمق من النفس، وبالنسبة للآخرين قد يحوي ذلك الأشياء المتعالية؛ أي حقيقة الانتماء إلى الأنواع البشرية، أو الطبيعة، أو الكون، أو ذلك الشعور بالارتباط بمجموعة معينة. يعبِّر عنه بيتسون بأنه النمط الذي يربط كل الأشياء معًا، كنوع العقل الأكبر، الذي يعتبر الأفراد نظامًا فرعيًا فيه. إذ يمكننا تحديد معالم هذا المستوى أيضًا كهدف يمثل ويلهم الرؤية واللونيَّة الإيجابية في المستقبل، وكذلك بالمعنى العميق لوجودنا كذلك.

نعمل جميعًا على مستويات مختلفة، لكن اعتمادًا على الظروف المحيطة بنا من كل حدب وصوب، إلا أنّ بعض المستويات ستأخد أولوية قصوى بالمقارنة مع غيرها. فإذا كنت تَقُود سيارة على سبيل المثال، في شارع مزدحم، فمن المهم الإنتباه إلى جيع مستويات البيئة والسلوك، كأين أنا وماذا أفعل، ولكن إذا تساألت عن الأمور التي تريد تكريس حياتك لأجلها، لربما ستضطر حينها اللجوء إلى مستويات القدرات والمعتقدات والقيم وحتى الهوية. بمعنى أدق ما هي القدرات التي أمتلك لدراسة هذه المهنة؟ وما الذي أعتقد أنه مهم بالنسبة لي؟ أنا؟ وما الأشياء التي أقدرها وأعتبرها كأولوية؟ وما هي مهمتي في هذه الحياة الفانيَّة؟.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد