عقب ثورات الربيع العربي، خرج الآلاف من الشعب مطالبين النخب السياسية بتطبيق الشريعة الإسلامية؛ كونها شريعة تدعو إلى تطبيق العدالة الاجتماعية بين فئات الشعب المختلفة. وقد رفعت عديد الشعارات لتكريس المطلب الشعبي من أهمها «الشعب مسلم ولا يستسلم»، و«الشعب يريد تطبيق شرع الله»، وغيرها من الشعارات الرمزية ذات الطابع الوجداني المتأصل في عمق الوعي العربي.

ولعل أهم ما يتبادر إلى الذهن، ما تم تداوله في الأوساط الإعلامية بأن الشعب مسلم، ولكننا قمنا بالثورة لا من أجل أن نعود إلى عصر الجهالة والتأخر، ولكننا قمنا بهذه الثورة من أجل أن ندخل على شعوبنا قيم الحداثة والتمدن، وأن نكون ضمن الركب الحضاري في القرن المعاصر. والغريب أن النخبة العلمية والثقافية لم تدل برأي موضوعي، وإنما انحازت إلى الطرف العلماني؛ فأخذت على عاتقها الدفاع عن قيم مأخوذة من الوعي الغربي.

في خضم المشاحنات بين النخب السياسية والتيارات الفكرية، وطغيان النخب العلمانية الداعية للتغريب ونفي كل رواسب الحضارة العربية الشرقية داخل الذات العربية، على الساحة الإعلامية، والشتات الحاصل بين العلماء –على قلتهم- سواء كانوا رجال دين أو مفكرين، اتضح -بحضور كل هذه العوامل المجتمعة- أنه لا يمكن للواقع العربي أن يستأنف دوره الحضاري بدون برنامج واضح مشترك بين النخب الفكرية والسياسية.

لذلك ندرك أن الوظيفة الأساسية للمثقف العربي في العصر الحالي هي الإجابة عن سؤال وحيد: «كيف للعرب أن يستأنفوا دورهم الحضاري بما يسمح لهم بأن تتأصل هويتهم العربية الإسلامية داخل برامجهم ونظمهم وأن ينفتحوا على العالم وعلى الآخر بما يجعلهم فاعلين في التاريخ الكوني؟» والإجابة عن هذا السؤال تحتاج من المثقف اليساري والمثقف الإسلامي والمثقف الديمقراطي أن ينزعوا غطاء القدسية على أفكارهم وأيديولوجياتهم وأن يجمعهم الحوار البناء لإضفاء التنوع والاختلاف الفكري.

إن الخصوصية الإسلامية التي أحدثت حضارة امتد تاريخها على مدى 14 قرنًا من الزمن، لم يكن لها أن تنجح في تكوين الحضارة الإسلامية إلا بالتفاعل إيجابًا والكونية الإنسانية مع مختلف القيم الإنسانية المشتركة كالعدالة والحقوق الإنسانية والمدنية وغيرها. ومن المستحيل للعرب، اليوم، أن يكون لهم دور في التاريخ الكوني دون فهم هذه المعضلة الأساسية لاستئناف الدور الحضاري للأمة العربية الإسلامية.

لن تكون الخصوصية الإسلامية في قطع مع التيارات الفكرية المختلفة كالقومية واليسارية وغيرها؛ بل إن كل التيارات تعمل على تحقيق المصلحة العليا للأمة، ولذلك من بين الحقوق الإسلامية نجد الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري سواء كان بين التيارات الإسلامية أو علاقتها بالتيارات الفكرية الأخرى.

ما يجعل الإسلام صالحًا لكل زمان ومكان هو قابليته التأقلم والتطور مع كل زمان وفي كل الأماكن التي من شأنها أن تكون تحت لواء الإسلام. والمثقف الكيس من يسعى لتجديد المفاهيم الدينية بما يتلاءم والمفاهيم المعاصرة القابلة للفهم لدى عامة الشعب؛ ولذلك يبعث الله على رأس كل 100 عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها (1)، كما أن وظيفة رجل الدين لن تكون مقتصرة على الفتوى وتقديم الأحكام الفقهية المتعلّقة بالطهارة والوضوء؛ بل تتجاوزها لتصبح وظيفته الرئيسية تأصيل المفاهيم الحديثة كالحقوق المدنية والسياسية للإنسان في إطار شرعي يتلاءم والتطور المجتمعي.

وهذا ما فهمه الغزالي حين أجاب عن سؤال اللحظة في كتابه «إحياء علوم الدين» الذي جمع فيه بين العقيدة، والتصوف، والأخلاق جاعلًا منه مرجعًا للفكر الإسلامي المعاصر حتى يتمكن عامة الشعب من إحياء الدين في قلوبهم من جديد، مؤكدًا أن أسباب تأليف الكتاب: انشغال الناس في الحقبة التي عاشها بوظائف الدولة والتركيز على الماديات، كشف العلوم عند أئمة المسلمين بما هو إعادة تجديد المفاهيم الدينية بما يتماشى والمفاهيم المعاصرة، وإيضاح العلوم النافعة التي تنفع الإنسان في الدين والدنيا.

أما اليوم فبالرغم من نقص الاجتهادات، إلا أن المفكرين المعاصرين اهتموا بهذه القضية الرئيسية فعكفوا على تدبر المعاني ودلالات المفاهيم وحتى الأركان الدينية، فالشهادتان مثلًا وإن كانتا اعترافًا صريحًا بجانب العقيدة إلا أنهما تمثلان كذلك مفتاح الجنسية التي يتمتع بها كل من نطق بهما؛ فالمعلوم أن النطق بالشهادتين لا بد أن يؤدى أمام الشهود؛ لأن الشخص الذي يعتنق الإسلام -رجلًا كان أو امرأة- ينضم إلى جماعة لها جوانبها الاجتماعية والاقتصادية، وهو الأمر الذي تترتب عليه التزامات قانونية.

أما الصلاة وهي تأكيد لا محالة على الجانب التعبّدي للإسلام، وقد أكد الفقهاء أهميتها الروحية مستندين في ذلك إلى العديد من الأحاديث النبوية، إلا أنها تشمل أيضًا العناصر المادية (الطبيعية). ومن هذه الناحية تنتمي الصلاة إلى عالمنا الذي يحدده الزمان والمكان. هذا الجانب من الصلاة -سمِّه إن شئت الجانب الدنيوي، أو العلمي، أو الطبيعي- يزكي بقوة صفة أخرى، هي الصفة الاجتماعية. فالصلاة ليست مجرد اجتماع الناس لأداء الصلاة في جماعة، ولكنها أيضًا مناسبة لتنمية العلاقات الشخصية المباشرة، وبهذا الاعتبار، تكون الصلاة ضد الفردية والسلبية والانعزال. فإذا كانت الحياة تفرق الناس، فإن المسجد يجمعهم ويربط بينهم.

أما الزكاة فتمثل بالمعنى العصري الضريبة التي يقدمها المسلم لخزينة الدولة (بيت مال المسلمين)، وهي تعبر عن مفهوم المواطنة داخل إطار الدولة، وقد حددها الشرع بمقادير معينة لا تزيد ولا تنقص بمفعول الوقت، هذه الضريبة توزّع لمن يحتاجها بالعدل، فهي بالضرورة تطبق مفهوم العدالة الاجتماعية.

نأتي لفريضة الصوم، فقد اعتبر المسلمون الصوم خلال شهر رمضان مظهرًا لروح الجماعة. ولذلك فإنهم حساسون لأي انتهاك علني لهذا الواجب. فالصيام ليس مجرد مسألة إيمان، ليس مجرد مسألة شخصية تخص الفرد وحده، وإنما هو التزام اجتماعي. إن الصيام الإسلامي وحدة تجمع بين التنسك والسعادة، إنه أكثر الوسائل التعليمية طبيعية وقوة. فالصوم يُمارس في قصور الملوك وفي أكواخ الفلاحين على السواء في بيت العالم كما في بيت الأمي، وفي قصر الغني كما في كوخ أو بيت الفقير.

وأخيرًا نأتي إلى الحج الذي يمثل ليس فقط شعيرة دينية وتجربة روحية، ولكنه أيضًا تجمع سياسي، ومعرض تجاري، ومؤتمر عام للأمة يتجمعون فيه ويتبادلون فيه الأفكار والتجارب التي تطور بلدانهم. (2)

إن الواقع يقتضي من النخب أن تساهم في الاختلاف الفكري، وتجديد الأفكار التقليدية، وتعصير الأفكار الحديثة لإرساء نظام سياسي يكرس برنامجًا تربويًّا، يؤصل فيه الجذور الشرقية في الجيل الثوري، ينفتح على الحضارة الغربية حتى يتمكن العرب من استئناف دورهم الحضاري في التاريخ المعاصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) الإسلام بين الشرق والغرب علي عزت بيجوفيتش
(2) الإسلام بين الشرق والغرب علي عزت بيجوفيتش
عرض التعليقات
تحميل المزيد