عادة في الوجود ما نرى ثنائيات وهي ما تتحكم بشكل كبير في حياتنا ومفاضلتنا بين الأشياء، إما ثنائية الخير والشر فلسفيًا أو الحلال والحرام وهي ثنائية دينية أو المكسب والخسارة (العجز والفائض) كما في الشئون المالية، واليمين واليسار أو محافظ وليبرالي ثنائية كما هو سياسيًا.

الفيصل في قضية الفرق بين التيار المحافظ والتيار الليبرالي هو تأثير التاريخ والماضي في تشكيل وعي هذه التيارات.

الليبرالي هو يهتم بشكل أكبر بقيمة الحرية والحداثة أما التيار المحافظ في رؤيته فيريد أن يحافظ على التراث والهوية ويكون هذا التراث يأخذ طابعًا دينيًا غالبًا حيث إن أغلب الشعوب تعود جذور تنشئتها إذا تتبعنا خط زمنها ترى فيه جانبًا دينيًا.

هذا أمر يعتبر مشتركًا لكافة الثقافات على اختلاف تعاليم الدين.

فقط فسر الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت التاريخ الفكر بأنه بدأ بمرحلة التفكير اللاهوتي ثم الميتافيزيقي ثم الوضعي، أمثال التيار المحافظ الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا أو الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية أو حزب المحافظين في بريطانيا.

نظرًا لطبيعة المحافظين فهم غالبًا مشروعهم غير قابل للتدويل هذا ما يتعلق بالجانب القيمي بالتأكيد أو الثقافي على طول الخط، بمعنى أنه قد يروق للبعض في أمريكا حديث ترامب لأنه يريد أن يحافظ على الهوية الأمريكية، هذا الخطاب يعني فقط الأمريكان ولا يعنى من قريب أو من بعيد أي جنسية أخرى، لذلك هذا الخطاب غير قابل للتدويل. المحافظون في كل أنحاء العالم مقبولون من قبل القطاع المحلي فقط فهي الشريحة المستهدفة ويكون بينهم وبين الآخر حاجز نفسي نظرًا إلى طبيعتهم المحافظة لا ترى المجتمعات الأخرى تتقبلهم.

مثلًا نحن العرب لا نحمل الكراهية للحزب الديمقراطي (الليبرالي) في أمريكا بقدر ما نحمله لأغلب رؤساء الحزب الجمهوري (المحافظ) أمثال بوش (الأب والابن) وغيرهم، كذلك كثير من أعضاء حزب المحافظين البريطاني غير محبوبين في الأوساط الأوروبية نظرًا لأنهم دعموا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وأيضًا قضية العولمة إما أن يدعموها من الجانب الاقتصادي فقط وهذا أقصى تفاعل يتفاعلونه مع العولمة، أما العولمة الثقافية فهم يعارضونها لأنهم يريدون الحفاظ على هويتهم هم ولا يحبذون تشكيل ثقافة عالمية ستمحي كل الثقافات الأخرى، يفضلون أن يحتفظوا بهويتهم بل من تعريف أنفسهم على أنه مواطن عالمي مثلًا بل أنا (بريطاني مسيحي بروتستانتي) أو أنا (فرنسي كاثوليكي أوروبي) أو (أنا مسلم)، لا يعنيني كوني مواطنًا عالميًا قدر ما يعنيني أني مسلم أو يهودي أو غير ذلك.

ما الفرق بين أن أتحدث عن تيار الإسلام السياسي والديمقراطية المسيحية؟ نحن لا نستخدم كثيرًا مصطلح محافظ ولكن الانعكاس لهذا التيار في منطقة الشرق الأوسط هو ما يعرف بتيار (الإسلام السياسي) الذي لا يوجد في القواميس أو المصطلحات السياسية المتعارف عليها في أغلب دول العالم، لكن يوجد فحواه أو ما يوازيه في الثقافات الأخرى.

مثلًا (الديمقراطيون المسيحيون) وهو تيار محافظ في أوروبا أيضًا الأحزاب اليهودية في إسرائيل مثل (الليكود وكاديما) أيضًا المتطرفون منهم مثل البيت الإسرائيلي وإسرائيل بيتنا، أو حزب بهاراتيا جاناتا (الشعب الهندي) بزعامة ناريندا مودي الذي يمثل تيارًا محافظًا في الهند معني بالحفاظ على التعاليم والثقافة الهندوسية وهو الحزب الحاكم الآن بالهند.

أريد أن أعكس هذه التجارب والحالات على واقعنا في الشرق الأوسط، كثير من الثقافات لم نر أن التيار المحافظ يشكل عقبة في العملية الديمقراطية.

ما أود قوله هو أن التيارات المحافظة في الشرق الأوسط وهي ما توازي في قاموسنا السياسي (تيارات الإسلام السياسي) لم تأت من عالم ما وراء الطبيعة أو من خارج التيارات السياسية التقليدية المتعارف عليها في العالم.

لذلك شن حرب وجودية مع هذه التيارات لا يجدي نفعًا بل يفتت المجتمع ويضعف من أركانه كذلك باقي التيارات الأخرى.

ألا يعتبر الخوف من الإسلاميين في الشرق الأوسط غير مبرر؟ وأنه هوس وهلع لا توجد له أسباب منطقية، أم أن الإسلاميين شيء آخر ليس كباقي التيارات المحافظة في العالم؟

هل العقبة في أن نصبح دولًا ديمقراطية هي إزاحة الإسلاميين من المشهد السياسي أو من الوجود عامة أم إنه لن تقوم ديمقراطيات حقيقية بدون وجود تيار محافظ؟

وهل تغلبت تلك الدول التي أزاحت الإسلاميين على التحديات التي تواجهها؟

ما أود ذكره في هذا الموضع وبشدة هو أن التيارات المحافظة السالف ذكرها على اختلاف ثقافاتها في جميع أنحاء العالم لم تكن عائقًا أمام الديمقراطية، لم تشكل تحديًا للمجتمع، لم يتم نعتهم في بلادهم بالإرهابيين، على الجانب الآخر لم يتم أيضًا نعتهم بأنهم بمثابة المسيح المخلص أو أنهم هم من يحتكرون قيمًا مثل قيم الحق أو الخير أو الفضيلة وغير ذلك. لم يشن أحد عليهم حربًا وجودية تهدف إلى إزاحتهم من الوجود سواء على صعيد سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي.

دعنا نكن أكثر جرأة؛ هؤلاء لهم حق وحق أصيل لكن ليس في الفوز بالانتخابات أو الوصول للسلطة بالطبع، لأن هذا يخضع لمعايير المنافسة بين القوى السياسية، بل حق أصيل في أن يوجدوا وأن تكفل لهم الحرية للتعبير عن أفكارهم. من الصعب أن تجد ديمقراطية في العالم مستقرة دون أن يكفل فيها الحق للتيار المحافظ للتعبير عن نفسه، لا أخص المحافظين فقط بل باقي التيارات من اشتراكيين وليبراليين وقوميين ورأسماليين (نيوليبرالية) وغيرها.

وأخيرًا، هل المشكلة تكمن في الإسلاميين؟ أم في تعامل كافة القوى السياسية والاجتماعية مع الآليات الديمقراطية التي تجعل من كل ظاهرة طبيعية قضية ثم تتحول إلى صراع وصدام إلى أن تصبح لعنة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات