الرأي العام والحرك والتخطيط الثوري

نواصل في هذه السلسلة مناقشة كيفية تكوين الرأي العام والتخطيط الثوري والحراك الشعبي، لتقوية الضغط من أجل إسقاط الاستبداد.

الرأي العام

يتشكل الرأي العام على مراحل أهمها كما ذكرنا هي التوعية ولكن مع التوعية سواء العامة أو الخاصة، يوجد بعض الأساليب التي تساعد على ترسيخ الثورة والعمل الثوري، والاهتمام بالسياسة في ذهن المواطن العادي، عن طريق بعض الرسائل التي تحثه على هذا.

ونجد أن هذه الطرق لاقت نجاحًا في الفترات التي تلي الثورات، فيكون العمل بها في بعض الأحيان بعد الثورات بسبب وجود حرية في الرأي والتعبير، وللاستفادة من الزخم الثوري الذي حدث.

ولكن قبل حدوث الثورات يكون مطلوبًا تشكيل الوعي والرأي العام، وهنا تستخدم هذه الرسائل أيضًا وبقوة، وقد تقابل برد فعل قوي من النظام المستبد الذي يعلم أن وعي الشعوب سيهدم ملكه، وتجهيلهم يرسخ حكمه.

ومن هذه الرسائل:

1- الصور والفنون المختلفة التي تستطيع أن تعبر عن مشكلة محددة في صورة، وظهر فن الجرافيتي على هذا في بداية القرن العشرين، واستخدم في الثورات، في أثناء الثورة المصرية 2011، والتونسية 2010.

2- الشعارات التي تحمس وتمس القلب والعقل بقوة، في جملة بسيطة وكانت شعارات مثل (عيش، حرية، عدالة اجتماعية) مثالًا قويًّا كشعار للثورة.

3- كلمات التوعية البسيطة التي تجذب المواطن للثورة وتجعله مؤيدًا لها.

4- فضح الأوهام التي يروج لها النظام المستبد، والتي يحاول بها أن يجمل صورته، والتي دائمًا ما تكون غير حقيقية، وغير علمية، وغير منطقية.

5- توضيح الأزمات التي تحدثها قرارات النظام غير المدروسة وتضر الشعب، ويكون بأسلوب لين، وبكلمات سهلة على المواطن.

توازن الحراك الشعبي والثوري

تبين لنا أنه يجب على الثوار التوعية لأنفسهم، ومن ثم للشعب واستخدام أساليب الضغط، والحشد الجماهيري، وتشكيل الرأي العام، ولذا لا بد من العمل بتوازن بين هذا وذاك؛ من أجل الحفاظ على الوحدة الثورية، ومن ثم مكاسب الثورة وكبح جماح الغضب الجماهيري، والحفاظ على سلمية الثورة، ومن أجل الحفاظ على نجاحها من محاولات الإفشال والإجهاض.

ويأتي هذا عن طريق التعامل السوي بين الثوار والشعب حتى لو تخاذل في الانضمام إلى الثورة، وعدم التخوين أو حدوث انقلابات أمنية، أو محاولات البعض في الربح من الفراغ الأمني الذي تحدثه الأنظمة الفاسدة عند سقوطها.

ويكون هذا بناءً على الوعي الذي قامت به الثورة قبل الانفجار الثوري، وتوحيد الشعب على هدف واحد، ونزع الخلافات، والعمل بالتوازي بين خطى الحراك من جهة الثوار، ومن جهة الشعب.

فإفلات هذا الأمر من أيدي الثورة قد يؤدي إلى انهيار تام في الدولة، أو العودة لحكم عسكري مستبد مرة أخرى، ولنا في الصومال وليبيا أمثلة على هذا.

ويجب توحيد قرارات الثورة مع الشعب، ولنا في بيانات الثورة المصرية وحشدها للتظاهر أيام الجمعة من كل أسبوع ضد النظام مثال قوي على هذا التوازن بين القرارات والحراك الثوري والشعبي، وهو دليل على وحدة الشعب في هذا الوقت، وهذا ما حدث في السودان عام 2019 فتوافق الشعب على قرار واحد، وهو عزل الرئيس عمر البشير، وعدم قبول أي حكومة عسكرية، وفي تونس 2010 فرفض الشعب أيًّا من تصريحات من الرئيس زين العابدين بن علي محاولةً منه لتهدئة الأوضاع بالوعد بعدم الترشح، وإقالة الوزارة.

التخطيط الثوري والتحرك العقلاني

يتمثل التخطيط قبل الثورة في الحشد الجماهيري، والوعي، وتنمية الرأي العام، وفضح ممارسات السلطة المستبدة. والعمل يكون خلال الثورة بالتخطيط المنظم للتحرك الثوري بطريقة عقلانية وسلمية، وليس بطريقة غوغائية ودموية؛ وذلك للحفاظ على أهداف الثورة وسلميتها بأساليب الضغط التي تحدثنا عنها.

فما يحرك الموجات الثورية ليست الأعداد أو الغالبية، بل أصحاب القدرة على التخطيط وتحريك الموجة الثورية الشعبية، وتوجيهها إلى الأهداف الثورية، من المحافظة على التحرك العقلاني، والتخطيط السوي؛ حتى لا تكون الخسائر للشعب كبيرة.

فيجب الاهتمام بكيفية إظهار الثورة الشعبية وانتشارها في أرجاء الدولة، وبالمدن الكبيرة، ولا تتركز في عاصمة الدولة فقط، وإنما انتشارها على مستوى الدولة، واشتراك كل فئات الشعب فيها، والتعامل بعقلانية، فلا تنشر أكاذيب عن معتقلين أو قتلى الثورة، إنما تنشر الحقائق مع عدم الانقياد وراء أي أحد من النخبة أو الأحزاب، التي تسعى للسلطة، أو من لهم تاريخ سياسي سيئ.

وعليه توجد الثورة في الأماكن الحيوية، التي تستطيع بها أن تسيطر على أركان الدولة والمباني الحكومية الأساسية، كالمجالس التشريعية، ومقرات السلطة التنفيذية، خصوصًا الرئاسة، ورئاسة الوزراء، والدفاع، والشرطة.

ويكون التحرك على الدوام بسلمية وبحذر من الاشتباكات العنيفة مع قوات النظام المستبد، الذي لن يتهاون في استخدام القوة المفرطة ضد الثورة، ولكن الرد يكون بفكرة الوحدة الثورية والسلمية، والدفاع عن الثورة بأبسط الأدوات، كما حدث في مصر 2011، وتونس 2010، ورومانيا 1989، في مواجهة قوات النظم المستبدة الحاكمة وقتها ومقاومتها بسلمية.

والحذر كل الحذر من تأجيج التفاعلات الثورية؛ حتى لا تصل إلى مستوى الاصطدام الدموي، حتى لا تصل لمرحلة انقسام أو تفتيت للثورة، أو يحدث أي نوع من أنواع الفتن التي من الممكن أن تستغل ضد الثورة، أو يحدث انقسام على الثورة بين الشعب، كما حدث في سوريا فتؤدي إلى الانهيار والحرب الأهلية.

#الله_الوطن_الثورة_الشهداء

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد