البناء

يعد النجاح الحقيقي للثورة والأساسي هو بعد أن تبدأ الثورة في بناء الدولة، فعندما تقوم الثورات تهدم الأنظمة المستبدة ولا تهدم الدولة، ولكن بعد انهيار النظم الديكتاتورية يبدأ بناء الدولة وتنمية جوانبها السياسية، والاقتصادية، والتعليمية، والصحية، والاجتماعية، والقانونية، من أجل بدء بناء مرحلة تقدمية بالدولة.

ولكن كي يحدث هذا يجب أن توجد بعض الأسس، وتوضع خطوات انتقالية للمرحلة الديمقراطية الجديدة؛ حتى لا تقع الثورة فريسة للاستغلاليين ويقفز على الكرسي ديكتاتور آخر، حتى لو كان مدنيًّا، مثلما حدث في فرنسا مع نابليون بونابرت، الذي حكم فرنسا بعد الثورة منذ عام 1799 حتى 1814 وأدخلها في حروب طويلة دمرت الدولة.

ومن المهم للثوار أن يظلوا محافظين على وحدتهم الثورية، ولا يفتت اتحادهم، وأن يكون تجردهم للثورة خالصًا، ولا يطمعون في المصالح السياسية والمناصب، ولا يبحثون عنها. وبعد الاستقرار النسبي لكل فرد مطلق الحرية والحق في الترشح لأي منصب، حتى لا تحتكر الثورة المناصب منذ بدايتها، ولكن الأمر يكون راجعًا للشعب في اختيار من يمثله، سواء في السلطة التشريعية أو التنفيذية.

وتتم فترات ومراحل التأسيس للدولة بأسلوب متدرج في بعض المواقف، وبأسلوب موازٍ في أحيان أخرى.

1- الفترة الانتقالية:-

يكون فيها دور الثوار وضع فترة انتقالية لا تزيد عن سنة، ولا تقل عن ستة أشهر، يُعين فيها مجلس وزاري يدير الدولة، وإدارتها من التقنيين وأصحاب الكفاءة والخبرة، مهما كانت توجهاتهم أو أفكارهم، ودون النظر إلى دين، أو جنس، أو عرق بألا يكون للثوار من الأمر شيء؛ حتى لا تدب الخلافات والأحقاد بين الثوار، ويحاولون البحث عن المناصب والمكاسب، ولا يكون هذا هدفهم، بل يظل النقاء الثوري موجودًا داخلهم، ويكون دورهم رقابيًّا على المجلس الوزاري الذي يدير الدولة؛ حتى لا يعبث بها، ولا يستقل أحد بالسلطة، وفي الوقت نفسه حتى لا تتفتت الوحدة الثورية بينهم.

ثم تُشكل لجنة تأسيسية للدستور من علماء وفقهاء الدولة في القانون، والدستور، والدين، والاقتصاد، والعلم من كل طوائف المجتمع، الأغلبية منها والأقلية، ومن كل التوجهات السياسية، حتى تتمثل جميع الطوائف والفئات بالعدل والمساواة.

ثم بعد وضع الدستور وتحديد الخطوط العريضة للدولة من شكل، ونظام الحكم، والمرجعية للدولة، وتأسيس قواعد الحريات وإطلاقها، وإطلاق حرية الرأي والتعبير، وحرية تشكيل الأحزاب، وضمان تداول السلطة، وغيرها من أسس الديمقراطية والمدنية، تأتي خطوة الانتخابات للمجالس التشريعية، التي تكون هي الخطوة المهمة في تأسيس الرقابة على السلطة التنفيذية. وتتم بشفافية ومصداقية وحرية، فلكل فرد حقه في الانتخاب والترشح والاعتراض بكامل حرية.

وقد يطرح من البعض أن تكون الانتخابات البرلمانية للمجالس التشريعية قبل الدستور؛ لكي يشكل البرلمان المنتخب من الشعب هذه اللجنة التأسيسية للدستور، ولكن الأفضل هو العكس. وهذا لأن الشعب الذي لم يمارس الديمقراطية في اختياره للمرشحين في المجالس التشريعية سيكون معرضًا للأخطاء، وهذا طبيعي، ولا بد أن يحدث حتى يستطيع الشعب التعلم من أخطائه فيما بعد، وهذه فائدة الديمقراطية والممارسة السياسية الحرة؛ ولأن هذه الاختيارات يمكن تعديلها بعد انتهاء الفترة البرلمانية. أما إن اختار الشعب الهيئة التأسيسية للدستور أو أعضاء المجلس التشريعي، الذي قد لا يكون اختيارًا سليمًا، وبدوره يختار المجلس أعضاء هذه الهيئة التأسيسية للدستور، فقد لا تكون هيئة على أكمل وجه، وقد يخرج للدولة دستور معيب عن هذه الهيئة، التي ربما ليست مؤهلة لوضع دستور للبلاد؛ فيتطلب التعديل، وهذا لا يصح؛ لأن الدستور لا يجب أن يكون عرضة للتعديل في وقت قريب أو حتى بعيد، أو التعديل المتعدد، أو التغيير، وإلا أصبح لعبة بأيدي أي أحد قد يأتي للسلطة، فيحاول التغيير فيه على حسب مصلحته، ومن ثم يستبد بالسلطة.

تأتي بعد هذا مرحلة الانتخابات الرئاسية، إن كان الدستور يحدد شكل الدولة أنها رئاسية. أما إذا كانت برلمانية، فقد جرى تشكيلها بعد الانتخابات التشريعية من الأحزاب التي نالت مقاعد في البرلمان.

ويجب إطلاق الحريات في المناقشات والمناظرات، والحقوق السياسية، سواء في الانتخابات، أو في مناقشات مواد الدستور، من أجل إعطاء الشعب حق الممارسة والتوعية السياسية الكاملة.

2- مرحلة التوعية:-

تتم هذه المرحلة بالتوازي مع مرحلة الفترة الانتقالية، وتزيد فيها حملات التوعية للشعب عن طريق الثوار والأحزاب، باستخدام مرحلة الزخم الثوري التي ولدت بعد الثورة، وأيضًا بإطلاق الحريات السياسية، والتعبير والمناقشات، والمناظرات، ومنابر الإعلام الحر، والممارسة السياسية الفعالة من أجل إغناء وإثقال الشعب بالثقافة السياسية، وتوعيته مهما كان تعليمه، فنجد في مصر وقت الملكية أن نسبة المتعلمين كانت لا تتعدى ربع الشعب، ومع ذلك كان الوعي السياسي للشعب عاليًا جدًّا، وكان يمارس حقوقه السياسية بقوة وبدراية عالية، عندما اشترك الناس في ثورة 1919، بعد اعتقال سعد زغلول، أو بعدها عندما كان ينتخب الشعب حزبًا أو مرشحًا على أساس برنامجه، ورفضه لسياسة الملك والإنجليز المحتلين لمصر وقتها، ونجد الأمر نفسه في سوريا ولبنان وقت الاحتلال العثماني ثم الفرنسي، ورفض الشعب لهم ولسياستهم، رغم قلة تعليمهم، ولكن كان الوعي السياسي الذي نتج عن الممارسة السياسية هو المحرك وليس كبتها.

فتأهيل الشعوب للوعي السياسي يكون بإطلاق يده بالممارسة والعمل السياسي، وليس بالتعليم والتوجيه فقط.

3- مرحلة التطهير:-

تكون هذه المرحلة في بداية البناء، إذ إنه يجب على الثورة والثوار لاستكمال البناء أن يطهروا مؤسسات الدولة من رؤوس الفساد، ومن أذيال النظام القديم المدينة له بالولاء، حتى لا يعرقلوا محاولات التنمية والتوعية. ويتم هذا بالمحاسبة الثورية لرؤوس الدمار في الدولة، ومن ثم لن يجرؤ أحد من ذيولهم على عرقلة عجلة البناء الثوري للوطن.

4-  مرحلةتنمية التعليم:-

هذه المرحلة من الأسس المهمة التي يجب الاهتمام الشديد بها، فهي التي ستبني الجيل القادم الذي يكمل بناء الدولة، بعد وضع حجر الأساس، بعد نجاح الثورة، وبهذه الخطوة ستكون الثورة حققت أهم أهدافها للأجيال التالية، وهي الوعي والتربية والتعليم القوي، الذي يجعل من الدولة متقدمة وصاحبة عقول مثقفة وواعية.

ويكون هذا بزيادة ميزانية التعليم، وتكون صاحبة النصيب الأكبر من الموازنة العامة للدولة، وبناء المدارس، وتحسين نظم التعليم وتحديثها من أجل مواكبة التقدم العالمي، ومنها تحسين وتنمية الأخلاق والتربية الاجتماعية، والسياسية، والفكرية، والثقافية للفرد منذ الطفولة. فتربية الشعب والمجتمع تبدأ من الأسرة بتربية الطفل ليصبح فردًا عاملًا صالحًا واعيًا لحقوقه وواجباته.

مع زيادة ميزانية البحث العلمي الذي يدفع إلى إخراج الأفكار والابتكارات الحديثة التي تنمي الاقتصاد.

5- المرحلة الاقتصادية:-

مرحلة البناء الاقتصادي قد تتأخر قليلًا بعد التطهير، وتحديد دستور وشكل الدولة، وحدوث الاستقرار الحكومي من أجل تحديد التوجه الاقتصادي، وكيفية التنمية الاقتصادية للمشروعات التي ستقوم عليها الدولة.

وتكون التنمية الاقتصادية على ثلاثة محاور تتوجه لإحداها الدولة وهي:-

أ- المشروعات القومية طويلة المدى:-

وتتوجه فيها الدولة بكل مواردها لعمل مشروع قومي ضخم، يقدم للدولة نقلة حضارية كبيرة، ينفذ على المدى الطويل.

وهذا المشروع يكون بالتكاليف الضخمة، وينفذ على مدة طويلة من أجل أن يكون عائده كبيرًا سنويًّا على مدى سنوات وقرون يدر الخير للدولة.

ب- المشروعات الصغيرة قصيرة المدى:-

وهي مشروعات مختلفة قصيرة المدى، تقوم على دعم وتنمية المشروعات التنموية والصناعية الصغيرة، ومدها بقروض طويلة الأمد؛ من أجل بناء حياة اقتصادية بالدولة.

ويكون الدعم لأصحاب المشروعات الخاصة، والمهن والمصانع المختلفة الصغيرة في كل مجالات الاقتصاد، سواء الزراعة، أو الصناعة، أو البحث العلمي.

ج-مشروعات خماسية متوسطة المدى:-

وهي مشروعات تنفذها الدولة على خطط خمسية (خمس أو عشر سنوات) تكون لتنمية عجلة الإنتاج والاقتصاد، سواء في الزراعة أو الصناعة.

6- مرحلة التنمية الصحية والعلاجية:-

هذه المرحلة مهمة للشعوب بعد الثورات لتنمية الشعور بحقهم في أهم الخدمات التي يقدمها لهم وطنهم، إذ إن هذا حقهم فيها، فيجب تنمية الخدمات الصحية وزيادة مخصصات الصحة في الموازنة العامة، وتحسين المستشفيات والرعاية الصحية بها، وتوفير الأدوية اللازمة للناس.

7- مرحلة القانون:-

هي أهم المراحل ومن أوائل الخطوات التي يجري تنفيذها في مرحلة البناء؛ لكي يشعر المواطن بحقه في الوطن، حيث المساواة القانونية والدستورية، وحقه في المساءلة والتعبير عن رأيه، وعدم التعدي عليه أو حبسه إلا بدليل قوي، وحقه في الدفاع عن نفسه، والمساواة والمحاسبة للجميع، مهما علا شأن أحدهم، وأن لا يأمن أحد العقوبة حتى لا يسيء الأدب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد