نواصل في هذه السلسلة مناقشة مشاكل بالمجتمع يجب تفاديها من أجل إنجاح الثورة وفي البداية نوضح انتماء الماوطن للدولة وأسبابه.

الانتماء وأسبابه

يأتي الانتماء للمواطن من داخله ومن نبع التفاعل الذي يحدثه له بالوطن ويعطيه له من حقوق ويشعر بها المواطن فيعطي بالتالي المواطن لوطنه واجباته عن طيب خاطر ونفس، بل يسعى لزيادتها لأنه يعي أن الدولة ستعطيه أكثر.

فالمواطن الذي يجد له حقوقًا كاملة في وطنه من كرامة، ومعاملة إنسانية، وحقوق تعليمية، وصحية وحرية شخصية وحقوق سياسية كاملة يشعر بانتمائه لوطنه وواجبه تجاهه أكثر من المواطن في الدول الديكتاتورية والعسكرية الذي يكون مسلوبًا فيها بعض حقوقه، ولا ينال منها شيء إلا القليل، بل عليه أن يعطي للوطن من واجبات وأموال للضرائب دون أي نفع يعود عليه، بل تذهب في جيوب اللصوص الحاكمة، ولا يستطيع أن يعترض على سرقته، وقد يحصل المواطن على الحد الأدنى من حقوقه المادية، ولكنه يكون مسلوبًا حقوقه السياسية والشخصية، وحرية التعبير والمشاركة في إدارة وطنة، فلا يشعر بانتماء لوطنه، كالكتلة الشرقية في عهد الاتحاد السوفيتي المنهار التي كانت توفر الدولة للمواطن الحد الأدنى من السكن والعلاج والحقوق المادية، إلا أن المواطن في النهاية كان محرومًا من حقوقه السياسية كاملة.

فتجد أن المواطن في الدول التي تعطيه إعانات للحياة، سواء للأطفال، أو الدراسة، أو البطالة، وتعطيه خدمات كاملة على مستوى عال يكون مستعدًا لدفع المزيد من الضرائب؛ لأنه يعي أنها ستعود إليه مرة أخرى بخدمات أفضل، ويشارك في إدارة الدولة وتوجيه هذه الأموال لخدمات الدولة بحقوقه السياسية، بعكس المواطن بدولة منهوبة يحاول دائمًا التهرب من هذه الضرائب؛ لأنه يعي أنها ستذهب للحاكم وأعوانه، وليس له كمواطن حق مساءلتها عن مصارفها، أو المشاركة السياسية.

فيموت الانتماء هكذا داخل المواطن، ولن يشعر به، وسيصاب باللامبالاة لأي شيء يحدث بالدولة، ولن يتحرك في مصلحتها بسهولة إلا بعد حدوث ما يدفعه لهذا، كالثورات التي تشعره بأن حقه المسلوب سيعود له مرة أخرى إن حاول أن يثور ضد الظلم والطغيان؛ فيسعى الفرد للتغيير مع الثوار الذين ينمو بداخلهم الانتماء بسبب قوة التغيير الثوري وإصلاح الوطن.

فالثورة تنمي وتذكي داخل المواطن الشعور بالانتماء والمواطنة والرغبة في استعادة حقوقه المسلوبة ووطنه المنهوب والقضاء على الظلم، والفساد، وإقامة تنمية اقتصادية، وتعليمية، وفكرية، وثقافية، وعدالة اجتماعية، ومن ثم تنمية الدولة لإقامة دولة متقدمة ومتحضرة.

انفصام الشخصية

يحدث نتيجة الفساد المستشري بالدولة انفصام في شخصية الفرد والمجتمع وتجد الفرد يقبل أشياء وأفعال فيها مصلحة تعود عليه، ولا يقبلها إن لم تعد عليه بنفع وتجد المجتمع يتقبل ما لا يصح أن يتقبله إنسان سوي.

ويعود هذا بسبب النقص التعليمي والنقص الاجتماعي والفساد في الحياة العامة والمشاكل المادية التي تحيك بالفرد وتدفعه للبحث عن مصالحه الشخصية وتحكم الشهوات به. فيتجه المجتمع إلى أفعال وتصرفات جديدة عليه ينتهجها وتصبح جزء من حياته ويتقبل الفساد وكأنه أصبح جزءًا من حياته لا غنى عنه.

فتجد التحول المجتمعي والشخصي للفرد وقبوله للتحرش مثلًا واندماجه في الأفعال الشائنة. وتتحكم في الفرد الشهوات، سواء المال، أو الجنس، أو السلطة، ويسعى دائمًا للحصول على إحدى هذه الشهوات، سواء بطريق مباشر بأن يكون مالكًا لها أو بطريق غير مباشر بأن يكون قريبًا من أحد يملكها لكي ينال الأمان ويحصل على جزء من هذه الشهوات.

وتجد المجتمع متقبلًا للفساد في الدولة وكأنه شيء طبيعي، ولا تسير الحياة بدونه، وأصبح مبررًا له، رغم أنه يشتكي منه ويضر بسببه وتسمع عبارات أن كل الدول هكذا. ولكن لا يعي أن الفساد قد يكون بالفعل في كل الدول، ولكن الفارق في أنه يكون مستشري في جسد الدولة أو بنسبة بسيطة، وهل يتم محاربته أم يتم تعزيزه لمصلحة الظلم.

فاقتناع الفرد بالظلم والفساد وعدم الرغبة فيه في نفس الوقت هو أساس انفصام شخصيته النابعة من عدم التوعية وعدم وجود بعد سياسي وعدم وجود تعليم سليم، وبالتالي فساد الحياة الاجتماعية والقانونية في الدولة ودمار المجتمع.

ويكون الحل بالتوعية العامة والخاصة ومحاولة إقناع الشعوب بالتخلص من هذا الانفصام بالتخلص من أسبابه ومن النظام الحكومي الفاسد المسبب له وتحل هذه القضية مع نتائج الثورة ومظاهر حضاريتها.

التدين الظاهري

نتيجة لانفصام الشخصية يظهر في المجتمع مشكلة التدين الظاهري والمظهر الشكلي للدين في الفرد فكل الأديان تنادي بمبادئ إنسانية وأخلاقية مشتركة، ولكن تطبيقها يتأثر بالمجتمع وتوجهاته وأزماته السياسية، والمادية، والاقتصادية.

فكلما زاد الفساد زاد دمار المجتمع ومنها أخلاقياته التي تفسد ومع ازدياد الفساد يزداد فساد رجال الدين الذين يسيرون بخطى الحاكم الفاسد والظالم فيبررون سلطته وظلمه وجوره، فتكون النتيجة أن الدين لم يصبح سوى واجهة لتجميل الظلم والفساد.

ومن هنا يكون التدين الظاهري للأفراد مع انفصام شخصية الفرد المواطن الذي يتخذه ساترًا له ويبرر به أفعاله وتجد منهم من يتطرف إلى أقصى اليسار فيكون فساده أشد خطورة وإرهاب للناس والشعوب.

ويكون الحل في هذا هو التوعية المستمرة واستغلال التدين في إعلاء أخلاق المجتمع والفرد وإظهار الآثار العكسية لهذه الأفعال غير الدينية وغير الإنسانية، وتوعية الشعب والمجتمع ضد مستغلي الدين من أجل أهدافهم الشخصية، سواء السياسية، أو المادية بالنصب، والإتجار بالدين من أجل مصالحهم الشخصية.

عدم الخلاف وقبول الرأي

من المهم عند قيام الثورات أن تتوحد المعارضة كلها في خندق واحد. فيجب في وقت الثورة وبعدها أن يكون الجميع متقبل للآراء المختلفة حتى ممن لم يشترك بالثورة ولم يكن ضد النظام الظالم فبالرغم من هذا لم يكن فاسدًا.

فتقبل الآراء المختلفة هو أساس الحياة الديمقراطية والمدنية التي تسعى لها الثورات الحقيقية وتبني لمجتمع ودولة جديدة على أساس الشورى والتواصل وقبول الآخر من أجل الحياة السليمة التي تبنى للأجيال القادمة.

ومن هنا يكون على الثوار عدم تنحية وتجنيب أحد لمجرد الخلاف السياسي، أو الأيديولوجي، أو الفكري، فكل هذه الآراء هي نتاج تجارب وتفاعلات مختلفة، وكلها تصب في بوتقة واحدة هي مصلحة الوطن، ولا يتثنى لأحد أن يقوم بهذه الفعلة، فهي تدمير لأساس الثورة ونهجها وأهدافها، ومن ثم التجمع على رأي واحد، والتناقش من أجل مصلحة الوطن، والوصول إلى القرار الأصوب لبناء دولة متقدمة ومتحضرة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد