نواصل في هذه السلسة مناقشة أسباب الثورات ودوافعها؛ لكي يكتمل الموضوع، بعدما ناقشنا في المقالات الماضية مكونات الدول، ونقاط قوتهم وضعفهم.

أسباب الثورات مختلفة على حسب الدوافع التي تحرك كل فرد، على حسب فكره وتوجهاته واهتماماته. فالفرد العادي لا تحركه الأزمات السياسية ولا يستوعب أبعادها، وهذا ليس عيبًا فيه، ولكن هذا لأن اهتماماته ودوافعه ليست سياسية، ولكنها اقتصادية واجتماعية. أما الفرد السياسي تحركه الأزمات السياسية التي يستطيع قراءة نتائجها قبل حدوثها.

ولكن تكون هذه الأسباب مكملة بعضها لبعض، وكلها نتيجة للأسباب السياسية، والتدمير في الحياة السياسية، وديكتاتورية القرار السياسي وفرديته.

1- أسباب سياسية

أزمات تحدث نتيجة تصرفات النظام في أسلوب الحكم وإدارة الدولة، ومنها غياب معارضة حقيقية، ورفض الرأي الآخر، وعدم إعطاء فرصة للآخر ليعبر عن فكره ورأيه، واعتقال كل من يرفض ويعارض النظام، ومنها تمركز السلطة بيد فرد مستبد فترة زمنية، وعدم تداول السلطة، والحكم بديكتاتورية، ومنها غياب العدل والمساواة، ويزيد عليهم معاملة الشعب وكأنه عبيد، ولا يكون له أي حقوق فيؤدي هذا إلى الأزمات السياسية والاجتماعية، وكل المشكلات الأخرى، فهم بناء على الأزمة السياسية. لذا يكون المواطن السياسي سابقًا لفهمها قبل أن تحدث عند بدء الأزمات السياسية.

2- أسباب اقتصادية

وتنتج هذه الأزمات بسبب السياسة الاقتصادية للأنظمة الاستبدادية، التي تتخذ قرارات فردية غير مدروسة، ولا تقبل حرية الرأي ومحاولات تصحيح أخطائها، وتنفيذ سياسيات اقتصادية لمصلحة أفراد النظام وليس لمصلحة الشعب والوطن؛ مما يؤدي إلى البطالة وغياب العدالة في التوزيع بين الشعب، وغياب القرارات الاقتصادية الصائبة؛ فيضيع الإنتاج.

فمن مصلحة المستبد أن يكون الفرد المواطن جائعًا يبحث عن قوته؛ حتى لا يفكر يومًا في البحث عن حقوقه السياسية الضائعة، وحقوقه المادية المنهوبة.

3- أسباب اجتماعية

وتحدث هذا الأزمات نتيجة القرارات الخاطئة أحيانًا والمجحفة أحيانًا أخرى، التي تتخذها الأنظمة الديكتاتورية فتؤدي إلى ظلم اجتماعي، وتفاوت طبقي لغياب التوزيع العادل للموارد، وغياب الاقتصاد القوي نتيجة غياب الإنتاج. فينتشر الفقر، والبطالة، والتفاوت بين الناس، مع وجود طبقة مستفيدة من النظام لا تنظر إلا إلى مصلحتها، ولا ترعى مصالح المجتمع والدولة، ونتيجة لغياب الاهتمام بالتعليم والصحة التي إن دمرت دمر معها الإنسان والفرد، وانتماؤه للوطن.

فمن مصلحة الاستبداد أن يظل الفرد غير متعلم، حتى وإن كان جامعيًّا؛ فهو غير واعٍ بحقوقه وواجباته السياسية وغيرها، حتى يظل الفاسد والظالم في حكمه. ومن مصلحته أن تنحل الروابط الأسرية والاجتماعية ليظل كل فرد بعيدًا عن هذا الترابط، فيضمن عدم التجمع على ثورة ضده، وقد يؤجج الحكام الفتن بين طوائف الشعب؛ من أجل بقائه في السلطة.

فينشأ الضغط والكبت والفجوة الأسرية والمجتمعية، وتضطرب العلاقات السوية بين أفراد الدولة، ومنها قد تنشأ الخلافات الطائفية، أو المذهبية، أو العرقية بسبب انحلال الترابط المجتمعي. وتدمير البعد الفردي ويظهر فساده وملابساته ووحشيته، والبعد العام ينتشر في المجتمع، وتظهر الفوضى وتراجع قيمة الإنسان، وانحدار السلوك والخوف من السلطة.

4- الفساد

انتشار الفساد الذي يكون أساسًا في الدولة المستبدة، ويدعم الحاكم الظالم هذا الفساد بأشكاله من أجل مصلحته وتثبيت أركان حكمه، ومن أشكاله الفساد السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وفساد الحاكم وأعوانه؛ فيكون الفساد القضائي الذي من المفترض أن يحمي الشعب، ولكن النظم الفاسدة تشتري القضاء والقانون من أجل حماية نفسها، واعتقال المعارض دون محاسبة من أحد. وينتشر الفساد التعليمي الذي به يحمي المستبد نفسه بتجهيل الشعوب، والفساد الاقتصادي كما وضحنا بالأسباب الاقتصادية، ويؤدي كل هذا إلى الفساد الأخلاقي والمجتمعي، الذي يفيد الحاكم الظالم بأنه يجعل الشعب غير ملتفت إلى تصرفاته وفساده، وإنما يأكل كل فرد منهم الآخر من أجل قوته.

5- حب الوطن

الدافع الحقيقي لمن يقوم بالثورة ومحاربة الظلم والفساد، والذي من أجله يتظاهر، من أجل الوطن لتحقيق العدل والأمان له ولأولاده، وشعبه، وحميته للقضاء على الفساد والظلم، ومنها يكون التوجه السليم لمصلحة الوطن في رفض المواقف السياسية أوقبولها، والتي تدفع المواطن ليكون مشتركًا في العمل السياسي للحصول على حقوقه الكاملة كفرد ومواطن حر.

6- القمع والدولة البوليسية

من العوامل الأساسية التي تحرك المواطن السياسي، وتدفعه للثورة ورفض النظام الحاكم، هي قمع الحريات، وتكميم الأفواه، وقتل الصحافة، وإعدام الحقوق، وعدم تقبل الرأي الآخر، وتفشي إجرام الدولة، بالاعتقالات السياسية والاختفاءات القسرية، لمنع وجود معارضة للنظام الديكتاتوري، ومنع أي محاولة لمحاربة الفساد. كما حدث في الأرجنتين في العهد الديكتاتوري العسكري بعد الانقلاب العسكري عام 1975، وفي مصر بعد الانقلاب العسكري 2013.

من هنا يتضح أن التحرك الثوري والشعبي يكون ناتجًا ووليدًا لأزمات متتالية، طحنت الشعب جعلته يتحرك لرفض الظلم والفساد، وعدم قبول بدائل، وإنما البحث عن تغيير. فتجعل الأزمات من المواطن العادي مطحونًا؛ فيعمل على التحرك ضد هذه الأنظمة، حتى ولو بأدنى طريقة، وهي بمجرد الحديث؛ فالطبيعي أن الثورة التي تجمع أطياف الشعب لا يشترك فيها كل الشعب. ويقودها المواطن السياسي الذي يتحرك في الأزمات السياسية والقمع، وتفشي الدولة البوليسية.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد