نواصل في سلسة أبعاد نجاح الثورة مناقشة العوامل المساعدة على نجاح الثورة وتعضدها.

لإنجاح الثورات لا بد أن تتوفر عوامل تساعدها على حماية نفسها من الانقلاب عليها، وليس نجاحها فقط، وبدون هذه العوامل يكون إفشالها والالتفاف عليها سهلًا جدًّا، بل سيكون مقدمًا للذي يريد إسقاطها على طبق من ذهب؛ لأنه سيستخدم عوامل نجاحها، إن لم تتوافر، في إفشالها.

1- الوعي

وجود الوعي عامل أساسي ومهم من أجل عدم اللعب من أذيال الأنظمة المستبدة على هذا الوتر، فإن الشعب بهذا سيكون مضغة سهلة لهم، ويتلاعبون به، بل سيجعلونه منقادًا وراءهم وينفذ ما يطلبونه دون وعي أو حساب للمقدرات، ونجد بعض الثورات قد أجهضت بسبب شعبها وعدم وعيهم، وعدم سعي الثوار لتنمية هذا الوعي وزيادة الترابط بينهم، وسد هذه الفجوة التي يتسلل إليها أعداء الثورة.

والجزء الثاني من الوعي هم للثوار أنفسهم، فتقوم الثورة على أكتاف شباب رغم ثقافتهم إلا أنهم ليسوا أصحاب خبرة وثقافة كافية، تجعلهم على وعي كامل من محاولات التفاف أعداء الثورة عليها وإجهاضهم الثورات، وحماية أنفسهم والوطن.

ولهذا على الجانب الثوري والنخبوي العمل على الجانبين بتثقيف أنفسهم، والاستفادة من تجارب الآخرين، وتثقيف الشعب وتوعيته، وسد الفجوة بين الثوار والشعوب.

فلو كان ثوار مصر فطنوا لأسباب فشل ثورة رومانيا وتشيلي لوجدوا تشابهًا بين الاثنين لدرجة استخدام الأسلوب نفسه في خطاب الشعب، وطريقة الالتفاف على الثورة وإجهاضها.

2- الوحدة

الوحدة الثورية من أهم أسباب النجاح، بل تكمن قوة نجاح الثورة السلمية في وحدتها على قلب رجل واحد، وهدف واحد، وعدم التفرق إلى أطياف، وطوائف، وأحزاب، بل من المهم أن يكون الجميع تاركًا أي انتماء سياسي على جانب، وينظر وقت الثورة إلى انتمائه للوطن فقط، وليس لفكر آخر، أو التعصب لأيديولوجية معينة، ويجب التلاحم بين الثوار والشعب؛ فهم يكوِّنون الظهير الشعبي للثورة ومن دونهم لن تنجح ولن تصل إلى أهدافها، بل ستكون نهايتها.

والوحدة تشمل عدم تكَون أي نزعة طائفية، أو عرقية، أو فكرية، بل التوحد الشعبي الوطني للدولة للوقوف بقوة ضد النظام الفاسد المستبد، وعدم إعطائه أي فرصة للتدخل وتفتيت الصفوف. فأي شق للصف الثوري يجعل للنظام المستبد فرصة في محاولة استمالة البعض، وتشكيك الثوار بعضهم في بعض، وإجهاض الثورة.

ومن المهم الحفاظ على الوحدة الثورية والحالة الثورية، وعدم الابتعاد عنها، والدخول إلى حالة سياسية تساعد على الانشقاق والخلاف بين الثوار والشعب، فينقسم الجميع وقتها إلى مؤيد ومعارض ومقاطع، فتكون الفرصة سانحة للفسدة للانقلاب على الثورة وإجهاضها؛ لحماية نفسه من السجن والمحاسبة. فلا يحدث الخروج من الزخم والحالة الثورية إلا بعد الانتهاء من النظام الديكتاتوري وأذياله تمامًا، وبعد أن تحكم الثورة وتمسك بمفاصل الدولة، أما ما قبل ذلك سيؤدي بسهولة إلى الانقلاب عليها.

3-عدم الطائفية أو العرقية

من المهم مراعاة أنه يوجد بكل شعب في أي مكان بالعالم طوائف ومذاهب وأعراق مختلفة، قد تكون سببًا في تفكك الوحدة الثورية، وانتهاء الحالة الثورية بسبب المطالب الفئوية، أو التمسك بهذه الاختلافات، ولكن من الوعي السليم ورغم وجود هذه الاختلافات والأفكار والعقائد المتنوعة، أن يبقى الهدف لدى جميع الفئات هو الوحدة الوطنية في الدولة، وأكثر من ذلك أن تكون دافعًا لبناء الوطن لا يقع فيه أي تمييز أو عنصرية ضد أي أحد، ويتمتع فيه الجميع بالحقوق نفسها والواجبات والمساواة بين الجميع دون تفرقة على أي أساس.

أما التمسك بهذه الاختلافات والسير وراءها تجعل من الثورة عرضة للإجهاض بسهولة ويسر، وتسهل على أذيال الأنظمة الفاسدة الالتفاف على الثورة وشق صفوف الوحدة بين الشعب ونشر الضغائن والأحقاد، ومنها إلى الوقيعة بين الأخوة وضياع مجهود وتضحيات الثورة والثوار والشعب. وقد يزيد الموضوع إلى حروب أهلية لا يتمناها أحد لوطنه أبدًا.

مثلما حدث في لبنان إبان الحرب الأهلية من 1975: 1990 فقد كانت الطائفية بل المذهبية أيضًا (سنة، شيعية، مسيحيين) سببًا في تدمير دولة آمنة، وتداخل عناصر وأطراف مختلفة في الحرب، وعناصر مرتزقة، ودخول إسرائيل في الحرب إلى الأراضي اللبنانية، ومقتل ما يقرب من 120 ألف شخص، وتشرد الألوف حتى بعد أن هدأت الأوضاع ومرت السنون، وتألف أفراد الشعب وطوائفه ومذاهبه، وحدثت مظاهرات في عام 2019 ضد الفساد وزعماء الطوائف، وتجمع الشعب ضدهم، إلا أن الطائفية كانت تجعل أغلب أفراد المتظاهرين ضد زعماء باقي الطوائف إلا زعيم طائفتهم؛ فانتهى بهم المطاف إلى انتهاء الثورة والانتفاضة، ولم يحصل المتظاهرون على شيء.

وعليه يجب التعاون على إدراك هذه المسألة، والعمل على إلغائها وتزكية الروح الوطنية داخل الفرد المواطن، وتوعيته عليها وتوعيته ألا تستغل ضده في الوقت نفسه؛ فينصهر أفراد الشعب في بوتقة الوطن دون أي عرقية، أو مذهبية، أو طائفية وبدون أي تمييز.

فالمواطنة والتوعية بها هي الحل الأمثل للتخلص من الأفكار العرقية والطائفية، وكيفية العمل على مصلحة الوطن والشعب بدون تعصب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد