نستكمل سلسلة أبعاد نجاح الثورة بالحديث عن باقي أطرافها. المثقفون والنخبة(3)

تتحمل النخبة السياسية والاجتماعية المثقفة العبء الأكبر في توجيه الشعب والثورة في الاتجاه الصحيح. وإذا لم تؤدِ دورها بشكل سليم وتتحمل مسؤولياتها كاملة، قد يؤدي ذلك إلى تدمير الثورة والدولة وإعادتها إلى أحضان الاستبداد السياسي مرة أخرى.

لأن وعيهم وثقافتهم تؤهلهم لتوجيه دفة شباب الثورة والشعب غير الواعي إلى مقدرات الثورة وأهدافها، أما إذا خانوا ضمائرهم والحق والعدل، فتكون نهاية الثورة وعودة الدولة إلى أنظمة استبدادية أكثر عنفًا مما قامت عليه الثورة.

وتتكون هذه النخبة من المثقفين ورجال الدين، والجهتان مكملتان بعضهما لبعض، ويحتاجهما المستبد ليستمر في حكمه، وتحتاجهم الثورة لكي تحقق الرخاء والعدل، وترسي قواعد الدولة الديمقراطية السوية. الفارق أن المستبد يسعى لاستغلالهم ويعمل على جذبهم بعوامل إغراء كثيرة، منها الرشوة والمناصب، أما الثورة التي لا تملك من أمرها غير الهتاف ضد الاستبداد من أجل الحرية، لا تستطيع أن تعطي شيئًا للنخبة، ولكن تطلب منهم العون في التوعية والتثقيف من أجل إرساء مبادئ الدولة الديمقراطية المدنية، فيكون الوازع للتحرك من داخل النخبة ومن ضمائرهم.

ويكون الضمير إما مساعدًا لهم على التوعية والوقوف في وجه الظلم، دون خوف ودون الميل للإغراءات، وإما يكون ضميرهم ميتًا فيتوجهون للاستفادة من المعارضة للنظام شكليًّا من أجل جذب أعين النظام إليهم، ومن ثم الحصول على مكاسب مادية أو معنوية، كمناصب وغيره دون النظر إلى مصلحة الشعب والوطن.

وقد تكون هذه النخبة عبارة عن مشجعين ومبررين للضعف والفساد والاستبداد منذ البداية، ومنهم المتلون صاحب العبارات الفضفاضة الذي يأكل على كل الموائد على حسب الموجة الأعلى، وعلى حسب المصلحة التي ستعود عليه بفائدة.

ويوجد أنواع لهذه المجموعة يكون كل على حسب فكره وتوجهه:

1- المثقفون

أصحاب الفكر الدنيوي، وعلماء السياسة، والتاريخ، والفلسفة ومن يستطيع الاستفادة منهم في التاريخ والأحداث السياسية والفلسفة وفهم الأحداث أو يستطيع أن يستفيد منهم المستبد في تقنين وضعه الديكتاتوري، وإقناع الشعب بعدم فائدة الثورة، ومن الممكن محاربته بهم بسبب تصديق الشعب غير الواعي لهم ولخيانتهم للثورة والعدل وضمائرهم.

2- رجال الدين

علماء الدين والوعظ والأخلاق، وقد يكون منهم الذي تربى على الفكر الديكتاتوري، وانتهى به المطاف إلى الفساد الديني واستخدام علمه لتحليل ما يملى عليه من المستبد، وتجريم من يخرج على الحاكم ويثور عليه، ويطالب بتحقيق العدل والمساواة والديمقراطية، ومنهم من يكون صاحب فكر ووعي، ولديه القدرة على قول الحق ولا يخشى لومة لائم، فيكون نفعه للشعب بتوعيته وتقويته وإعانته على مواجهة الظلم والظالم. فمن يكون هكذا قليل عددهم، خصوصًا في عهد يستخدم رجال الدين من أجل اكتساب شرعية لنظامه واستبداده وتكميم أفواه الشعب باسم الدين وإلغاء عقولهم. فهؤلاء تجار للدين يستخدمونه من أجل الحصول على أمان النظام ومكاسب مادية منه، والمحافظة على مناصبهم.

3- الأحزاب

وهي المكونة من أشخاص سياسيين يتعاملون مع المجتمع المدني والمجتمع السياسي، وعليهم العمل لمصلحة الشعب والوطن، وليس لمصلحة الحاكم وأعوانه. وكل حزب ليس بالسلطة هو معارض يعمل من أجل الوصول إلى السلطة وجذب الجماهير إليه بالعمل السياسي المعارض، وقد تكون هذه الأحزاب في الأنظمة الديكتاتورية أحزابًا رخوية ذات طابع غير سوي، لا تفعل فعل المعارضة الحقيقية فتكون للأسف مساعدة للمستبد أن يجور في ظلمه واستبداده. فعليهم فهم دورهم الحزبي والسياسي كجزء من المجتمع السياسي بالدولة.

– نقاط القوة

الثقافة والوعي اللذان تتمتع بهما النخبة هو قوتهم الأساسية التي عليها يعول طرفا الصراع (الثورة والنظام المستبد)، وبسبب هذا يتمتع بجانب من المصداقية أمام الشعب، ويكون عاملًا مساعدًا لهم في التوعية والتثقيف، إن كان على صدق. فتكون ثقافته فائدة للشعب وللثورة في توعية الثوار وإعطائهم خبرات قراءاتهم للتاريخ والأحداث السابقة، وكيفية الاستفادة من ضعف النظام واستغلال قوة الوحدة الثورية، وأساليب التوعية للشعب، واكتساب ثقتهم من أجل إنجاح الثورة.

– نقاط الضعف

تكمن نقاط الضعف في النفوس حيث ما يستغل من أجل المصلحة الشخصية، والحصول على مكاسب، وليس النظر إلى المصلحة العامة. فمن المثقفين والنخبة من يستغل علمه ومعرفته للحصول على مكاسب مادية، والاستفادة من النظام وفساده. فيكون الحاكم من السهل عليه استمالتهم بالرشوة والمناصب والفساد، ويحدث هنا عدم قدرتهم على المعارضة بل يكونون معاونين للظلم وترسيخه.

لذا هنا يتوجب على المجتمع المثقف والنخبة المثقفة أن تعي أن دورها في الدولة تاريخيًّا، إما إصلاح وإما إفساد؛ فمعاونتهم للثورة والشعب يساعد على القضاء على الظلم والفساد، أما معاونتهم للظالم يساعده في فجره وجوره، بل بهم يكسب الشرعية ويستطيع التخلص من المعارضين والثوريين.

فدورهم التوعوي والثقافي هو موجه للجماهير لاحتضان الثورة والوقوف خلفها كظهير شعبي يحمي ظهرها من الانقلاب عليها، ومساعدة الثورة للتخلص من الفسدة والظلمة ومن قلبوا النظام السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والقانوني، لمصلحتهم الشخصية، ومن ثم مساعدة الثورة في بناء النظام الديمقراطي المدني الذي يؤسس لحياة سليمة تطبق العدل والمساواة والحرية، ويكون لكل فرد حقه. فهم جزء من معركة الوعي بجانب الثوار لتوعية الشعب.

ويكون ميزانهم هو الضمير السياسي لديهم، الذي يجعلهم مخلصين للوطن والثورة، ويحثهم على مواجهة الاستبداد والفساد وعدم الانصياع له والدخول في دهاليزه بالموالاة له.

ومن ضمن النخبة يكون الإعلاميون والصحفيون الذين إما يكونون أداة في يد الطاغية، يزين به صورته ويهللون له ويشهون صورة من يعارض المستبد، أو يكونون عين الشعب لكشف الفساد وفضحه وتعريته أمام الجميع، ويكون دوره نشر الوعي والتوعية السياسية وحقوق المواطن.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد