أزمة الشارع المصري وحيرته وغضبه المكبوت، والذي لا يرى سبيلًا للتنفيس عنه، إلا بنفث بخار غضبه على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت مقياسًا لنبض الشارع، أو بالتوحش في التعامل البيني والسلوكي والتجاري بين المصريين وبعضهم، أو حتى في تغير السلوك الإجرامي لدى المصري، والذي كان قديمًا لا يتعدى السرقة و«النشل» (تلك الكلمة التي اختفت حتى من القاموس المصري الحديث)، أو جرائم قتل نادرة من أجل السرقة.

ثم تطورت الجريمة إلى الاغتصاب، والخطف، وسرقة الأعضاء، والقتل الوحشي، وتصوير الضحايا عراة، وابتزاز الضحية، تلك الأزمة في التغير السلوكي؛ وانقلاب مقاييس الشخصية المصرية يعود إلى النخبة الموجهة التي ارتبط بها الإنسان المصري البسيط، وكانت قديمًا تتمثل في علماء الدين، ومشايخ الحارات، وعمد القرى.

ثم برز نشوء النخبة المصرية بعد تولي «محمد علي» حكم مصر، وتخلصه من إزعاج المماليك؛ فاستعان بأبناء المماليك، والأتراك، والأعراب من سكان مصر حينذاك، فأرسل البعثات إلى أوروبا من تلك الشرائح، التي تعد نواة النخب المصرية المعاصرة.

وحين احتلَّت بريطانيا مصر سنة 1882 تراجعت مرتبة تلك النخب لصالح نُخب أوروبيَّة الموطن، لحقت بالاحتلال البريطاني باعتبارها توابع للمعسكر -بحسب تعبير د. «جمال حمدان»-.

ودار صراع بين النخب القديمة (أبناء المماليك والأتراك والعرب) وبدأ مفهوم الوطن يتغلغل في وجدانها وبين النخبِ الجديدة المحتلة، فأصبحت النخب القديمة في مواجهة مع النخبة الأوروبية.

واحتدمت المعركة بينهما، واضطرت النخب غير المصرية أصلًا إلى نسيان الخلافات، والتوحد على قلب رجل واحد من أجل تحقيق الاستقلال عن الاحتلال البريطاني؛ ومثلت ثورة 1919 بوضوح ذروة هذا التوحد والتسامي على الخلافات العرقية والدينية والثقافية التي كانت بين النخب.

ثم نشأ دستور 1923 الذي أرسى قيم الحرية ودشن مصطلح الأمة المصرية، الذي عاشت مصر في ظله أزهى عصورها، ونشأت النخبة المصرية من المثقفين والوطنيين من أبناء الشعب في الشوارع والحواري والجامعات.

وتوحدت النخب المصرية في أحزاب وطوائف مهنية وحرفية لمحاربة الاستعمار الإنجليزي كل بحسب أيديولوجيته إلى أن جاء انقلاب يوليو (تموز) 1952 فقضى على النخبة المصرية الحقيقية ذات السمات الوطنية المرتبطة جذريًّا بالشعب وتطلعاته، وتأسست النخبة السلطوية المرتبطة بالحكم ورجاله، والمتطلعة للمصلحة الشخصية، والتي كان جُلّها من الأيديولوجيا اليسارية، التي استحوذت على مفاصل الدولة وامتداداتها في المحافظات والمدن والقرى، والتي رسخت فيما بعد لشكل النخبة، والتي لا بد وأن تكون مرتبطة بالسلطة بدءًا من الوزراء نهاية بعمد القرى، وشيوخ الغفر، ومشايخ الحارات، أو بالوظائف العليا المتنفذة.

ثم زاد على تلك السمات في عهد «السادات» الانفتاح وهو سمت الثراء والغنى، إضافة للسمات السابقة، ثم حدث تطور وانقلاب كبير لسمات النخبة في عهد «مبارك»، وهو سمة الفساد والتأليب واللصوصية.

فأصبح النخبوي لا بد وأن يحوز سمت الارتباط بالسلطة وتوجهاتها إضافة إلى الثراء والفساد (سلطوي ثرى فاسد).

وحتى عهد «عبد الناصر» كانت صفات النخبوي من بقايا العهد الملكي مرتبطة بالفكر والثقافة، بجانب الارتباط الكاثوليكي بالسلطة، وهي التي تميز بها اليسار المصري في ذلك العهد.

ثم تراجعت تلك القناعات بعدما دخل شرط الثراء، ثم انهارت صورة النخبة في عهد «مبارك» بعد تغير الأخلاقيات، وانقلاب معايير الشرف والأمانة، عندما سادت قيم الفساد واللصوصية والنهب.

ولارتباط الشعب المصري بملوكه تاريخيًّا فقد قبل بصورة النخبة هذه، وأصبح يحترم اللصوص والفاسدين، وانقلبت لديه معايير الاحترام والشرف، وأصبح الشريف مزدرى، ولا مكان له وسط النخبة، وبات محتقرًا إذا كان بلا مال، ومهملًا إذا كان بلا واسطة سلطوية.

في بدايات الألفية الثانية، بدأت تبرز بوضوح نخبة الإسلاميين؛ فنشطت جماعة الإخوان المسلمين، وبدأت تظهر بوضوح رغم تواجد الجماعة في مصر منذ القرن الماضي، وكان لها حضور قوي في الثلاثينيات، بلغ ذروته في الأربعينيات، ولكنه كان ذائبًا ومتوحدًا مع القوى الوطنية المصرية الأخرى، في معركة التحرر من الاستعمار والاحتلال الإنجليزي، إلى أن اختفى من المشهد عقب انقلاب «عبد الناصر» على الجماعة ومطاردتها.

وقد سبق ذلك ظهور للجماعة الإسلامية في أعقاب مقتل «السادات» وصدامهم مع الدولة، ثم أعقبهم ظهور السلفية الوهابية المصرية، في بداية الألفية الثانية عقب اندحار الجماعة الإسلامية أمام الدولة، ثم ظهرت النخبة الشبابية أواخر عهد «مبارك»، والتي تمثلت في حركة «6 أبريل» والتي تماهت قبل يناير مع القوى الوطنية المصرية المتواجدة آنذاك الجمعية الوطنية للتغيير، وحركة كفاية، والإخوان المسلمين، وبعض الشخصيات البارزة بشكل فردي في مقاومة مشروع التوريث، وساهمت بدور فعال وقوي في انطلاق ثورة يناير.

ولم يطل ظهور نخبة الإسلاميين كثيرًا حتى تم الانقلاب على ثورة يناير، وأطيح بالنخبة الإسلامية المتمثلة في جماعة الإخوان المسلمين في السجون والمعتقلات والمنفى، وانحازت السلفية الوهابية مع النخبة المصرية بأكملها (يسارية وليبرالية وشبابية) إلى السلطة.

وعقب انقلاب يونيو اختفت النخبة تمامًا من المشهد المصري، فجماعة الإخوان المسلمين والتي صعدت إلى قمة الهرم النخبوي عقب ثورة يناير قاومت قليلًا، ثم آثرت السكوت لأكثر من سبب؛ يقف على رأسها الحفاظ على الكيان، وهيكل الجماعة من التفتت، ثم الصدمة من انقلاب قطاع عريض من الشعب المصري عليها بأثر حملة التشويه التي طالتها، وترك الشعب يحدد مصيره بنفسه دونها، وترك الأحداث والملمات الخانقة للشعب تعيد إلى الجماعة صورتها البهية السابقة لدى الشعب دون تدخل منها.

وكعادة الجماعة الليبرالية يسارية وعلمانية في سمتها الرئيسي بالتصاقها بالسلطة حاولت الحصول على مكاسب وثمن لانحيازها للسلطة، ولكن بعد الإطاحة بآمالها واستبعادها تمامًا من المشهد سواء سلطوية أو مكاسب معنوية آثرت الصمت والاختفاء تمامًا، إيثارًا للسلامة بعد مشهد رؤوس الذئاب الطائرة.

ولعدم خبرة الشباب الثوري سياسيًّا، وعدم تمتعه بعلاقات دولية، اختل توازنه، وفقد حماسته، وفضّل خيار موقف النخبة الليبرالية العلمانية، وإيثار الصمت والاختفاء من المشهد، كل تلك المشاهد جعلت الشعب في حيرة من أمره في إطار بحثه عن نخبة تدير غضبه، وتنفّس عن همه، وترشده إلى الطريق.

وباختفاء النخبة اتجهت البوصلة نحو وسائل التواصل الاجتماعي «فيسبوك، وتويتر» للتنفيس عن غضبها، وإخراج بخار عنائها وزهقها، حتى أصبح للفيسبوك وتويتر شهرة كبيرة، بدأت تلوح منها ظهور نخبة جديدة من المثقفين في جميع المجالات؛ أحدث ظهورهم خلخلة كبيرة بالخروج عن الشكل التقليدي للمثقف السلطوي الثري الفاسد، وأصبحت النخبة الفيسبوكية الجديدة تقدم عصارة فكرها لمتابعيها بشكل ثري، يضرب في كافة دروب الثقافة وأيديولوجياتها المختلفة؛ ما جعل حتى وسائل الإعلام تتابع إنتاج تلك النخبة الجديدة، وتضمه إلى مواقعها الإلكترونية،  وأجبر الشخصيات البارزة والتي كانت تمثل النخبة التقليدية السابقة تتجه نحو فيسبوك وتويتر؛ طمعًا في التواجد في المشهد أشهرهم د. «محمد البرادعي» بعد أن كانت تلك النخبة تتعالى عن الظهور على تلك الوسائل، باعتبارها وسيلة شعبية لا تتناسب ومقامهم.

وما زالت تلك النخبة الفيسبوكية تتشكل وتتبلور، وسيكون لها أثر بارز مستقبلًا في تشكيل نخبة جديدة غير تقليدية، عندما تهدأ أمواج الأحداث المتقلبة الحالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد