كنّا نراها دائما صبيحة كل يوم، حيث تطلع من المشرق فتفرش نورها ببطء على الحي فتُحيل الظلمة نور، فيسري الدفء في الأوصال وتبعث الأمان في ربوع المكان. كانت القوة وعداها الضعف والخور.

كانت الشمس موجودة، اعتدنا وجودها لدرجة أننا كثيرًا ما تغافلنا عنها واعتبرنا وجودها بيننا أمرًا مستقرًا وحقًا مكتسبًا، ولم يدر بخلدنا يومًا ما أن تختفي أو تتوارى بالحجاب أو أن يجور عليها كائن ما كان فيُخفي نورها عمدًا.

كنّا دائما نستقبل الشمس في أزهى صورها ساطعة بقوة ودافئة شتاءً، ومنذرة بغضب لاهب صيفًا. فكنّا نغفر لها لهيبها وقسوتها صيفًا كرامة لدفء تبعثه في الشتاء وضياء يبدد خوفنا نهارًا. وذات يوم خرجنا من بيوتنا كعادتنا صباح كل يوم للذهاب لأعمالنا.

إلاّ أنها في ذلك اليوم كانت مختفية وراء ركام من السحب السوداء الثقيلة وهو أمر غير مألوف ولم نره من قبل في بلدتنا الصغيرة، ونحسب أن حرارة وقيظ الصيف في شهر يوليو لا يسمحان بتراكم السحب في السماء!

وقد تجادلنا يومها كثيرًا وبعضنا ممن قرأ بعض الكتب ويتمتع بسعة اطلاع قالوا: إن ذلك يرجع إلى حدوث تغيّر مؤقت في المناخ وسرعان ما يزول، ومؤكد ستعود الشمس إلى كبد السماء تصب لهيبها الحار فوق رؤوسنا كعادتها في فصل الصيف.

والحق أننا لم نكن نملك رأيًا مخالفًا، فوثقنا فيما قيل وصّدقناه فدائمًا نثق في أرباب الرأي وحكماء المكان وذهبنا لأعمالنا، على أمل أن تعود الشمس.

في صبيحة اليوم التالي تكرر نفس المشهد فقد خرجنا من بيوتنا ووجدنا الشمس تتوارى خلف ركام ثقيل أسود، وبدا كأنها تجاهد للفرار مما أحاط بها، وخُيّل لنا كأنها تستنجد بنا وتستغيث.

وقد وقفنا حيارى نحملق في السماء وقد سيطر علينا خوف عظيم، فقد مضى عمرنا جميعه والشمس موجودة في السماء، مصدرًا للدفء والنور، ولم نتصور يومًا أن تستغيث بنا. ولم ندر ماذا نفعل لها أو معها ؟ أو كيف نرفع عنها ما يحيق بها في السماء؟ وقد زعم البعض همسًا أن ما يحدث ربما حيلة من الشمس كي تعرف قدرها بيننا أو ربما تتمرّد على قدرها اليومي المحتوم، وكلها أراجيف لا ندري سببًا لترويجها في وقت عصيب فقدنا فيه كل شيء من أمن وضياء ودفء والظلمة بجبروتها تزحف بمعطف ثقيل تطوي المكان بكامله طيًّا.

ومن فورنا أجهضنا ما يقال سرًا للطعن في سمعة الشمس، وأخرسنا تلك الألسنة بمنطق رأيناه قويًا، ثم عزمنا أمرنا لطلب المشورة والتماس الحكمة ممن يفوقنا عقلًا ودراية فأسرعنا لكبيرنا في مكمنه بنهاية الحي قُرب الطريق الدائري، حيث يفضل دائما أن يخلو بنفسه متأملًا الحياة وساعيا لفك طلاسمها.

ذهبنا إليه جماعة من الناس راجيين أن نجد إجابة لمعاناة الشمس ولمأساتنا معها، رغبنا أن نلتمس عنده الحكمة ونسأله المشورة، طرقنا بابه زمنًا طويلًا حتى خشينا أن يكون قد قُبض فتضاعف خوفنا طبقات بعضه فوق بعض، حتى قرر أحدنا أن يحطّم الباب عنوّة فوجدنا الدار خالية لا أثر لحياة فيها، بحثنا عن الحكيم فلم نجده ولم نجد أثر ًا لمتاعه فأيقنّا أنه بدوره قد حمل حقائبه ورحل في صمت.

فكان فراره مع غياب الشمس حكمة تستعصي على أفهامنا وأسقط في أيدينا فوقفنا في المنطقة الفاصلة بينا حييّنا والطريق الدائري يلفّنا ظلام بطيء بينما يعصف بنا مقام الحيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد