إن مصطلح دراسات التابع عند ذكره في غير سياق مسبوق سيبدو ككلمة غامضة أو غريبة. لكن الواقع أن هذا المصطلح بات مجالًا للدراسة والبحث من قبل الدارسين والباحثين، لكن البداية كانت عل هيئة سلسلة من النقاشات بين فرقة صغيرة من المؤرخين الهنود والإنجليز حول الإشكالية كتابة التاريخ الهندي الحديث من منظور غربي، وكان ملهمها هو راناجيت جوها المتخصص في تاريخ الهند وجراء هاته المناقشات تم إجماع على إنشاء مجلة التي بدورها أصدرت ثلاث مجلدات من المقالات حول هدا الموضوع تحت عنوان دراسات التابع: كتابات في التاريخ والمجتمع الهنديين في سنة 1982.

لكن مصطلح التابع يحمل دلالة معنوية فحسب قاموس أكسفورد الإنجليزي(1993) فكلمة لهل تاريخ طويل، ففي الأواخر العصور الوسطي كانت تعني الخادم والتابع، في سنة 1700 كانت تشير إلى رتبة عسكرية دنيئة وللانطلاق من كلمة تابع تمحورت دراسات التابع التي تشكلت عبرة نظرة نقدية للتاريخ الهندي المكتوب من منظور غربي من طرف النخب التي صورت الاستعمار البريطاني للهند أنه الإيجابي المفيد الناقل للحداثة، وهكذا أصبح لدينا تاريخ من منظورين مختلفين، تاريخ يؤرخ إلى شعب الثقافة الأصلية، الطبقات المهمشة، وآخر يؤرخ تاريخًا رسميًا مليئًا بالنخبوية والأحزاب السياسية.

دراسات التابع ركزت على الطبقات المهمشة الغير المسموعة في المجتمع الهندي بالتحديد، في الحقبة الاستعمارية للهند مصوبة جلة تركيزها على الثوار الفلاحين العاديين ضد الاستعمار محاولة وضع حد للتاريخ الذي كتب من طرف النخب السياسية الموالية للاستعمار البريطاني، لكن سرعان ما أصبحت دراسات التابع نظام الأكاديمي يدرس جميع الحالات كتابة التاريخ مرفقًا بدراسات ما بعد كولونيالية التي تبحت في آثار الاستعمار على المجتمعات، والمفارقات التي شكلت الوعي عند الموطن الهندي.

فتصور الوثائق البريطانية على أن الاستعمار كان ذا منفعة للشبه القارة الهندية جالبتا معها الوحدة السياسية المؤسسات التعليمية الصناعات المتطورة، لكن بعض مؤرخي الهند المحدثين تحدو هذا الطرح الاستعماري بأن للكولونيالية آثار ضارة على التطور الاقتصادي والثقافي، ورأوا أيضًا أنَّ الحداثة والرغبة القومية في الوحدة السياسية لم تكن أعطيات بريطانية للهند بقدر ما كانت ثمرة نضال الهنود أنفسهم.

وأنَّ القومية والكولونيالية برزتا بوصفهما نطاقي البحث والجدال الرئيسيين اللذين حدّدا حقل التاريخ الهندي الحديث في ستينات القرن العشرين وسبعيناته، وصور المؤرخ أنيل سيل في كتابه نشأة القومية الهندية الصادر في عام 1968، على انها عمل نخبة صغيرة ترعرعت في المؤسسات التعليمية التي أقامها البريطانيون في الهند. ورأى أنَّ هذه النخبة تنافست مع البريطانيين وتعاونت معهم في بحثها عن السلطة والامتياز.

في الطرف الأخر يقف مؤرخو الهند، منهم المؤرخ بيبان شاندرا، الذي عنون أن التاريخ الهندي في الفترة الكولونيالية معركة ملحمية بين القوى القومية والقوى الكولونيالية. واعتبر شاندرا، استنادًا إلى أعمال ماركس وأعمال منظريّ مدرسة التبعيّة والتخلف الأمريكية اللاتينية، أنَّ الكولونيالية قوة رجعية شوّهت تطور المجتمع الهندي كله والدولة الهندية، وأن اقتصاد الكولونيالية السياسي لما في الهند بعد الاستقلال من عللٍ اجتماعية وسياسية واقتصادية، بما فيها علل الفقر الشامل والصراع الديني والطائفي.

ونظر شاندرا إلى القومية نظرةً مختلفة مناقضة. ورأى فيها قوة تجديد، ونقيض الكولونيالية، والشيء الذي وحّد الشعب الهندي وأوجده بتعبئته للنضال ضد البريطانيين. هذا هو الوضع الذي تدخّلت فيه دراسات التابع. لقد بدأتْ، فكريًا، في المجال ذاته الذي كان عليها أن تغالبه: التأريخ الذي يضرب بجذوره في نظام التعليم الكولونيالي. بدأتْ بوصفها نقدًا لمدرستين في التاريخ متنازعتين: مدرسة كامبردج ومدرسة المؤرّخين القوميين. ذلك أنَّ هاتين المقاربتين نخبويتان كلتاهما، كما أعلن جوها في بيانٍ افتتح سلسلة دراسات التابع. وكانتا قد كتبتا تاريخ القومية بوصفه قصة مؤثرة اجترحتها طبقات النخبة، سواء كانت هندية أم بريطانية. وعلى الرغم من مزاياهما كلّها، لم تقويا على تفسير المساهمات التي قدّمها الشعب من تلقاء نفسه، أي باستقلال عن النخبة في قيام هذه القومية وتطورها من جهة.

هكذا أصبحت دراسات التابع في مفترق طرق كسلسلة أو مشروع أو نقد وثناء، بين مدرستين تاريخيتين مختلفتين، وكان طبيعيًا أن تؤدي هذه الخطوة إلى سلسلة من الكتابات التي كتبها باحثو دراسات التابع وضعوا فيها التاريخ تحت استقصاء نقدي بوصفه شكلً أوروبيًا من أشكال المعرفة. يمكن القول إن دراسات التابع تجاوزت الأجندة التأريخية الأصلية التي وضعتها لنفسها في أوائل ثمانينات القرن العشرين التوسّع خارج مجالات التاريخ الهندي، نجمل أن دراسات التابع كانت خطوة ثقافية هندية لإعادة النظر في التاريخ الهندي المكتوب من منظور استعماري نخبوي، وتفكيك خطابه الكولونيالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد