كان عام 2006، بمثابة محطة تحول كبرى، نسفت قيم المجتمع العراقي، وعملت على تدمير روابطه الرصينة، التي يتمسك بها العراقيون منذ القدم.

لعنة الطائفية ضربت المجتمع العراقي بدعم ميليشياوي وسياسي، وتواطؤ دولي وأممي، كان يراد منه جعل العراق ضعيفًا، وتحويل القيم التي كان يتمتع بها البلد، لخلق قيم ومفاهيم أخرى مبنية على النزعة العنصرية والقومية والعرقية.

جاءت اللعنة الطائفية على العراق، مع الاحتلال الأمريكي عام 2003، حيث بدأ بول بريمر – الحاكم المدني الأمريكي للعراق في حينها – بتفكيك المؤسسات الحكومية الحيوية والمهمة، وتأسيس أخرى مبنية على أساس طائفي وعرقي، من خلال تعدد جهات التشكيلات الأمنية ومسمياتها، فضلًا عن تنصيب القادة الذي كان معظمهم لم يتمتع بخبرات، كما كان يتمتع بها قادة الجيش العراقي السابق.

2006 والحرب الأهلية

اشتعل العنف الطائفي في العراق بعد تفجير قبة العسكريين من قبل جهات مجهولة، أثبتت تحقيقات دولية على تورط جهات مرتبطة بالاستخبارات الإيرانية في حينها.

وتلت جريمة تفجير قبة العسكريين في سامراء، موجة طائفية عنيفة، حيث كان يقتل في كل يوم من شهر يوليو (تموز) 2006، 110 مواطنًا، بعضهم يتم تصفيته خلال جريمة الاختطاف أو بعدها، بلغ اجمالي عدد القتلى في ذلك الشهر 3438 قتيلًا مدنيًا، وهذا الرقم يشكل زيادة نسبتها 9% مقارنة بشهر يونيو (حزيران) وضعف الرقم الذي تم تسجيله في يناير (كانون الثاني) من العام ذاته، ولم تتبين الإحصاءات الدقيقة المتعلقة باستهداف المساجد والتهجير القسري، في حينها، بسبب التكتم الإعلامي الذي كانت تنتهجه السلطات الحكومية، وكل ذلك كان يدار من قبل جهات معروفة للعلن، لم تعاقب على جرائمها المروعة التاريخية، بل أصبحت فيما بعد قوات مرتبطة رسميًا بالمؤسسة الأمنية والعسكرية العراقية.

وكانت تعد الحرب الأهلية عام 2006، محطة تحول في المفاهيم والمبادئ التي كان يتمسك بها المجتمع العراقي، بسبب جرائم القتل والاختطاف والتغييب والتغيير الديمغرافي، والذي زرع على أساس كل ذلك روح الانتقام والعداوة.

مقارنة ما قبل المحطة وما بعدها

فارق كبير شهدته السنين التي لحقت عام 2006، مقارنة بالسنوات التي سبقت تلك السنة اللعينة، حيث القيم والمبادئ ومواقف العراقيين كانت مختلفة، بجانب القرارات الحكومية المحلية التي كانت تبرز مع الأزمات، ويشع منها مفهوم الطائفية.

أحدثكم عن التجربة التي مررت بها، كوني من المناطق العراقية الأكثر اضطهادًا، ففي الحرب التي تعرضت لها مدينة الفلوجة، والتي تعرف بمعركة الفلوجة الأولى عام 2004، شهدنا توافد عشرات السيارات يوميًا إلى أطراف مدينة الفلوجة، قادمة من العاصمة بغداد، ومن ديانات وقوميات مختلفة، جميعهم كانوا يرومون تقديم المساعدات، وينقلون المواد الطبية والغذائية لإيصالها إلى سكان الفلوجة المحاصرين.

ولم تقتصر مواقف سكان بغداد على ذلك، بل كانت هنالك حملات إنسانية كبرى لم تتوقف على مدار الأزمة التي استمرت لقرابة الشهر، فترى أناس على مشارف بغداد الغربية يستقبلون النازحين الهاربين من جرائم الاحتلال الأمريكي، ليقدموا الغذاء والدواء والمال، وآخرون فتحوا منازلهم مجانًا لاستقبال النازحين، فضلًا عن الحملات الإغاثية التي كانت تمتلأ بها المساجد.

أما بعد العنف الطائفي سنة 2006، فقد كانت الأمور غير ذلك، حيث برز المخبر السري الذي جندته القوى الحكومية الطائفية لملاحقة النازحين من الأنبار، وكانت العاصمة بغداد شبه محرمة على سكان الأنبار، وهذا ما لم يكن موجودًا من قبل.

ومع أحداث عام 2014، وما تلاها من أزمات إنسانية، لا سيما في محافظة نينوى، حيث كانت القرارات الحكومية تتمثل بالنزعة الطائفية الصريحة، فقد عممت السلطات الأمنية في حينها إلى جميع مداخل العاصمة، بمنع دخول أي مواطن قادم من نينوى، حتى وإن كانوا نساء أو أطفال، وكذلك من جهة الأنبار، حيث تعرض المئات للاختطاف والتغييب، ومنع الآلاف من العبور، حتى رقد آلاف منهم في العراء، بسيطرة الرزازة، عام 2014 و2015، وأصبحت القرارات الحكومية مبنية على المفهوم الطائفي، بالمخصصات المالية والتوجيهات الامنية، بل حتى المشاريع والخدمات والقرارات السياسية.

إن مفهوم الطائفية والتفرقة التي يعاني منها المجتمع العراقي منذ أعوام، مستمرة، طالما هنالك عملية سياسية متشكلة على أساس المحاصصة الطائفية، وأحزاب يرسمون الحكومات على مفهوم التحاصص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد