كم مرّة دخلتَ في صراع فكري حول مصطلح إشكاليّ، واكتشفت في نهاية الصراع أن الطرف الآخر لم يكن يقصد ما فهمته منه!
كم مرّة ارتبكتَ عند ذكر مصطلح العلمانية، الليبرالية، الاشتراكية، المدنية، الإسلامية… إلخ!

كثيرًا ما نتناول المصطلحات تناولًا سطحيًّا يدلّ على جهلنا الشديد بها وبتحولّاتها عبر الزمان، وكثيرًا ما دخلت التيارات السياسية والفكرية في صراعات استهلكتها حول مصطلحات لم يحدد كل طرفٍ من أطراف النزاع حولها فهمه لها ومقصده منها.

عند النظر لفكرٍ أو مصطلح معيّن، عليك أن تتحلّى بالشجاعة الكافية والأمانة لكي تنظر إليه بمعزل عن تصوّراتك السابقة عنه. المشكلة الأساسية أننا لا ندرك أصل المصطلحات والمفاهيم ولا كيف نشأت وامتدت، ولا أماكن تشابكها مع غيرها من المصطلحات، ولا حتى سياقاتها التاريخية والظرفية، بل ننظر إلى الممارسات السلبية فنرفضها رفضًا قاطعًا ونهاجمها أو ننظر إلى الممارسات الإيجابية فنتبناها ونناصرها، نحن لا ندركُ كيفيّة تفكيك المصطلحات والمفاهيم ولا كيفية تتبع خط سيرها عبر الزمن.

يُعَدُّ الأستاذ المسيري رحمه الله من أبرز المفكرين الذين قاموا بتفكيك المصطلحات عند دراستها ورسم لها خرائط زمانية موضوعية، بحيث يمكن للدارسين فهمها بشكل جيد. حين درس الأستاذ المسيري مصطلح العلمانية أشار إلى التحوّل الحاصل على المصطلح منذ ظهوره الأوّل وحتى يومنا هذا، إذ يذكر رحمه الله أن مصطلح العلمانية في أواخر القرن التاسع عشر كان يعني (فصل الدين عن الدولة)، وفقًا لمفهوم الدولة آنذاك، لكن ومع تطور مفهوم الدولة وتغول الإعلام في حياة الإنسان وذوبان مساحة الخاص في حياة الإنسان، أصبح مفهوم العلمانية أكثر شمولًا، وأصبحت دراسة العلمانية على أنها فصل للدين عن الدولة دراسة قاصرة لا تقدّم المعنى الحقيقي لمفهوم العلمانية .

إذ يرى الأستاذ رحمه الله أن لأي فكرة في الواقع الإنساني بنيتين، بنية ظاهرة وأخرى كامنة، وأنه يمثّل الأولى بدائرة صغيرة (جزئية) تحيط بها الثانية (الشاملة)، بحيث أن الأولى هي مجموعة إجراءات تطبيقية جزئية من الفكرة الشاملة، وبالتالي فقد أحال الأستاذ من أراد دراسة العلمانية وفهمها إلى دراسة الفكرة الشاملة وليس مجموعة الإجراءات التطبيقية (الجزئية) المتمثلة بعلمنة الدولة من النواحي السياسية والاقتصادية، لأن هذا في النهاية تسطيح للفكرة، إذ مفهوم العلمانية الشاملة أكثر اتساعًا، ولسنا الآن بصدد الحديث عنه أو حتى عن العلمانية الجزئية كما ذكرها المسيري رحمه الله، وإنما يهمنا إدراك كيفية تفكيك الأستاذ رحمه الله لبنية الفكرة عبر الزمن، وكيفية تحوّل معاني المصطلحات مع البعد التاريخي.

كلام الأستاذ المسيري حول ضرورة دراسة العلمانية بعد التحول الذي طرأ على مفهوم الدولة، بمعنى آخر: تفكيك الأستاذ المسيري لبنية المصطلح عبر الزمن ومتابعة تطوّر أو انحسار المصطلحات المتعلّقة به، يتقاطع مع ما ذكرته الدكتورة هبة رؤوف عزت في إحدى محاضراتها عن كيفية دراسة أي فكرة وتتبعها زمانيًّا وموضوعيًّا بغية تفكيكها وفهم بنيتها، إذ أكدت –من بين النقاط التي ذكرتها- على ضرورة فهم مقاصد المصطلحات الواردة في الفكر حسب زمانها، فمصطلح الدولة مثلًا اختلف اختلافًا جذريًّا عبر القرون، ومعه اختلف مفهوم العلمانية .

إذًا.. إن علينا حين نطالب من ينظر إلى الممارسات الخاطئة للأفكار دون تفكيكها، بالعودة إلى أصل الفكرة ومقصدها، علينا أن نخبره بأن أصل الفكرة ليس ثابتًا منذ لحظة نشوئها وحتى يومنا هذا، فالفكرة تمرّ بأطوار ومراحل تاريخية تتغيّر خلالها بنيتها ويتحوّل فيها ما كان بنية مرجعية إلى بنية جزئية والعكس.

وبالتالي علينا دراسة تحوّل أصل الفكرة وتطوره مع خط الزمن وصولًا إلى شكله الحالي كبنية مرجعية ينبغي دراستها.
خلاصة القول: إنّ دراسة المفاهيم والمصطلحات دراسةً سطحيةً تجرِّدها من البعد التاريخي ومن سياقها الزماني والموضوعي خطأٌ نكرره دومًا.

علينا أن نتعلّم تفكيك المصطلحات والمفاهيم، عندها سنمتلك القدرة على استكشاف مساحات التقاطع ومساحات التصادم بيننا وبين الآخر، فنقي أنفسنا شر الجدال العقيم، ونوقف دوراننا في ذات الحلقة المفرغة منذ أزمنة طويلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد