في ليلة يملؤها الهدوء الموحش، وفوق فراش متآكل بالوحل والدود، تحت خيمة مهترئة أكل عليها الدهر، تملأ جدرانها تشققات تصدر أصواتا مرعبة، تتسلل من خلالها ريح صَرصر عاتية، تكاد تتخلّل العظام فتصل إلى نخاعها. من تلك الخيمة البائسة تسمع أنينًا، يحمل من فرط الآهات ما تتقطّع له نياط القلوب، لقد مرّ عليه خمسة أعوام وهو يئنّ، فهل من سامع لبكاء ذلك الطفل الذي ألجأه إلى تلك الخيمة شبح يلاحق المدقعين فقرًا في العراق الذي يعاني أغلب فقرائه ويلات النزوح؟

ها هو الشتاء الخامس على التوالي يطرق أبواب النازحين، عفوًا، فالخيام لا أبواب لها، إنّه زئير البرد المميت الذي يقتحم خيامهم من دون استئذان، ذلك الزائر الثقيل، بل المجهول القاتل الذي يفترس الصغار وهم في مخيمات مهملة بمن فيها، حيث تمر عليهم السنون وليس هناك من يلتفت إليهم، في ظل انعدام أبسط مقومات الحياة، من وقود ومدافئ وفراش وألبسة.

تقول منظمة الأمم المتحدة: «إنه لا يزال هنالك نحو مليون و600 ألف نازح عراقي لم يعودوا إلى مناطقهم المنكوبة حتى اليوم، كثير منهم يقبع في تلك المخيمات وكأنها سجون، حيث الحركة مقيدة، والعمل معدوم، واليأس يملأ حياة الشباب وأرباب العائلات».

إن أزمة النازحين العراقيين تعد واحدة من الكوارث الإنسانية التي حلت على العراقيين، في ظل دولة تحكمها ثلة من اللصوص، لا يعني لهم حق الإنسان شيئا، أحزاب متسلطة لم تكتفِ بإهمال تلك العائلات المنكوبة، بل استغلت هذه الكارثة الإنسانية لخدمة مصالحها.

ما هي معاناة النازحين؟

النازح العراقي الذي خرج بروحه يبحث عن مكان يؤويه هربًا من طواغيت الظلم في هذا العصر، يُفاجأ بكارثة أخرى في تلك المخيمات، حيث إن المنظمات المحلية منها والدولية قد دعمت ما بوسعها خلال المرحلة الأولى من أزمة النزوح، إلا أنها صدمت بجدار الفساد، وهو ما دفعها إلى الانسحاب شيئًا فشيئًا، لتخلف وراءها فجوة كبيرة فاقمت تلك الأزمة الإنسانية.

واستغل السياسيون أزمة النزوح لخدمة كثير من مصالحهم، بدءًا من مواسم الانتخابات والصعود على أكتاف هؤلاء المنكوبين، مرورًا بالسرقات والاستيلاء على المخصصات والمساعدات، وحتى المساومة والقتل والاعتقال، بدواعي المساومة المالية أو الانتقام الطائفي.

عملت الأحزاب الحاكمة ومنتسبوها على طرد المنظمات والداعمين الدوليين لهؤلاء النازحين، والذين كانوا يعدّون المتنفس الوحيد الذي يبقيهم على قيد الحياة، وها هم اليوم يقبعون بمخيمات أشبه بمراكز احتجاز كبيرة، تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

ما الذي يمنع النازحين من العودة؟

الصراعات السياسية تعد أبرز الأسباب التي منعت كثيرًا من النازحين من العودة إلى مناطقهم المنكوبة، فضلًا عن استفادة كثير من السياسيين والأحزاب من ملف النازحين.

كما أن الفساد لعب دورًا مهمًا في حرمان النازحين من العودة، حيث إن التعويضات قد نهبت معظمها على أيدي حيتان الفساد ومن جاء تحتهم، فضلًا عن الفساد الذي عرقل عمليات التأهيل وإعادة الإعمار، وطرد المنظمات.

وعن الملف الأمني، فيعد من الملفات الحساسة التي حرمت آلاف العائلات النازحة من العودة إلى مناطقها، حيث تسيطر الفصائل المسلحة ببعض المناطق وتقول: «إن الأوضاع الأمنية غير مؤهلة لعودة النازحين، كما أن الخروقات الأمنية المشبوهة هي الأخرى حرمت النازحين من العودة، بالإضافة إلى المشاكل العشائرية والانتقام القبلي والطائفي الذي يهدد عودة النازحين».

وبما يتعلق بالدمار والخدمات، فقد تعرضت مئات آلاف المنازل والبنى التحتية والبنايات للدمار، نتيجة عمليات اقتحام المدن، وهذا الدمار الشامل الذي طال المنازل، عجز معظم أصحابها عن إعادة تأهيلها، وهو ما دفعهم إلى تفضيل البقاء تحت الخيمة، كما أن الخدمات التي تفتقر إليها المناطق السكنية بصورة كبيرة هي الأخرى حالت دون عودة المنكوبين.

ما هي الحلول؟

الأسباب المتعلقة بهذه الكارثة، عميقة ومعقدة، وهي لا ترتبط بملف النازحين فقط، بل هناك ارتباطات دولية وإقليمية، وسياسية وأمنية، واجتماعية، وحتى دينية واقتصادية، حيث إن هناك جهات دولية تستفيد من بقاء ملف النازحين أداة للنفوذ واستمراره، وآخرون مستفيدون من المناطق التي جردت من سكانها تمامًا، فضلًا عن الخروقات الأمنية المشكوك في أمرها، والتي تدّعي الحكومة أنها تعود جميعها إلى عناصر «داعش»، بالإضافة إلى أن الثارات والفقر والدمار وغياب الدعم والمساعدات والتعويض، وكل ما فاقم ذلك بسبب الفساد، يعد مسألة معقدة لا يمكن حلها بسهولة في الوقت العاجل القريب، وفي حال معالجة بعض الجهات هذه المشكلة، فإنها ستعرّض – بالتأكيد – هؤلاء النازحين للخطر.

وبهذا فنحن أمام كارثة إنسانية قائمة خلف الستار، كتمت أنين ضحاياها الصراعات السياسية وأزمات البلاد المتراكمة، والتضليل الإعلامي الحكومي، وانعدام الإنسانية لدى المسؤولين. وتستمر المعاناة، وها هو الشتاء الجديد يقتحم الخيام مجددًا، ويفترس الأرواح التي ليس ثمّة من يكترث لها، ولا يزال الطفل المنكوب في الخيمة يبكي ويئنّ، ويتجرّع كأس الموت الذي يحاصر خيمته، (الوطن) الذي لا يعلم ذنبًا جعله يكابد فيه الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد