تندفع الجماهير المغيبة دومًا؛ عندما تُرفع راية الإعلام المضلل، وتعلو أصوات أبواق الإعلاميين المضللين، حتى ولو كانت تلك الراية أغنية يتغنون بها، تدغدغ عواطفهم في عالم الأوهام الذي يكذبه الواقع، فهم لم يجمعهم حب الوطن، ولا يوحد صفهم وطنية، فما هم إلا ببغاوات يرددون كلامًا سمعوه، دون التفكير في مدى خطئه أو صوابه، بعيدًا عما لاكته الشعارات، ورددته الأغنيات، من حديث حول أهمية شبه جزيرة «سيناء»، تلك البقعة المنسية الموضوعة على هامش الوطن، منذ نشأة «الجمهورية»، فالكثير ممن طالبوا الأمس بتنميتها وتمكين أهلها من أراضيها حالمين بتحويلها من شجرة يابسة تطايرت أوراقها مع زعابيب الخريف لزهرة متفتحة تجمع أجمل الألوان كزهور الربيع، نعم هؤلاء هُم أنفسهم من يطالبون اليوم بدك سيناء، نعم هُم من يطالبون بتهجير أهلها تهجيرًا قسريًا، نعم هُم من يرددون نغمة «السيئة تعم»، هم أنفسهم من يؤكدون على نظرية «العقاب الجماعي لسيناء وأهلها» على ذنب لم تقترفه أيديهم.

فإذا تكلم أهل سيناء على ضرورة استفحال الأزمة، وضرورة القيام على حل المشكلة، وإخبار المجتمع بمحاورها. تندفع هذه الجماهير أيضًا، ولكن في الاتجاه المعاكس «كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة»!

لماذ يقبلون بأن تكون سيناء هي حقل تجارب لكيفية القضاء على «الخارجين عن القانون»، رغم وجود حوادث مماثلة حدثت في العاصمة القاهرة ومدن الدلتا، دون أن نرى تحريض مصاصي الدماء على أهل تلك المناطق.

لم يعان شعب سيناء طوال تاريخه، حتى أيام الاحتلال الإسرائيلي، كما يعاني هذه الأيام.

أصبحت سيناء وشعبها معزولين عن مصر تمامًا. سيناء اليوم تفتقر إلى أدنى مستويات الرحمه و الرفق، فلا وجدت من رفق بها، وشعبها، ولا وجدت من سمع لها صوتًا.

فصارت محاصرة من جميع الجوانب، يراها أهلها مكسورة باكية شاكية، حتى المتنفس الوحيد الذي يربطها بباقي محافظات مصر، أغلقه الجيش؛ ليُحكم قبضته، ولتعد سيناء أنفاسها تنازليًا، حتى الموت ربما.

شعب سيناء بعد الثالث من يوليو يعاني أشد المعاناة، فعلى منافذ الدخول والخروج، من وإلى سيناء، نرى التكدس والازدحام، ونرى الاصطفاف لساعات طويلة، ونرى القلوب قد بلغت الحناجر من طيلة الانتظار، ومن سوء معاملة جنود وضباط الجيش والشرطة، الذين يسومون كل من يشكون أنه من أهل سيناء ألوان الخسف، وتظل تهمته أنه من أبناء سيناء، ينعتون بالكفرة الإرهابيين، ولم يأبه الناعتون بعدم رضاء هؤلاء المواطنين بما يحدث وتشهده أرض الفيروز، لم يأبه هؤلاء بشجب أهل سيناء لتلك الأحداث التي تشهدها شبه الجزيرة سيناء.

لماذا لا نفكر على مدى أبعد؟ لنرى ذلك المخطط «الصهيوـ أمريكي» الذي يهدف إلى تهجير أهل سيناء، وإحكام السيطرة على مناطق بسيناء؛ تنفيذًا لأحلامهم، التي باتت قريبة من أن تصبح واقعًا، على أن تكون دولتهم من الفرات إلى النيل.

يعامل أبناء سيناء بطريقه أحادية لا مثيل لها، لا يستطيعون الانفكاك أو الإنسلاخ عنها، وهي «أنتم يهود وخائنون، ولا أمان ولا عهد لكم، ولا وطنية عندكم»، يا إلهي! من أين جئتم بهذه الأفكار؟ من الذي أدخلها في عقولكم عنوةً أو بالرضا؟

حسنًا! لا بأس! على سيناء أن تتحمل، ولكن إلى متى؟ فهي بين مطرقة أعمال إجرامية بالداخل، وتهجير قسري، وبين سندان كمائن الجيش، والشرطة، ومعاملاتهم القميئة بالخارج.

فلا أدري هل لأهل سيناء أن يستجدوا حقهم؟ ولا أدري ما الهدف من إغلاق معابر الدخول إلى سيناء؟ وما الهدف من محاصرة سيناء؟ وما الهدف من تهجير أهلها؟

لمصلحة من معاملة أبناء سيناء بهذه الهمجية، وبهذه النظرة العنصرية البحتة؟ أهذه هي خطوات تنفيذ وعود تنمية سيناء؟ لقد أصبح حلم كل سيناوي أن يُعامل كمواطن من الدرجه الثالثة على أقل تقدير!

لن أحدثكم على كم التحريض الذي يقوم به هؤلاء الذين يظهرون على شاشات الفضائيات يتقاضون الملايين، ويعيشون بمنازل تتعدى أثمانها ملايين الجنيهات، بخلاف السيارات الفارهة، و«ماركات» ملابسهم باهظة الثمن، يحرضون على تهجير أهل سيناء، ودكهم بالصواريخ، وتدمير مأواهم، ضاربين تلك الوعود الوهمية عُرض الحائط.

هكذا يرى أبناء سيناء بلدهم، التي لطالما شكروا القدر على أن جعلها الله لهم وطنًا، «أحرامٌ على بلابلِه الدَوحُّ .. حلالٌ للطيرِ من كل جنسِ!» فأفضل ما توصف به سيناء اليوم هي تلك الكلمات! «سيناء يا نبع من الألم»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سيناء
عرض التعليقات
تحميل المزيد