إذا آمنت لم تعد بمقدار نفسك، ولكن بمقدار القوة التي أنت بها مؤمن.

الرافعي – وحي القلم

التقديم والأصل 

بما أن امتحانات هذا الفصل الدراسي أوشكت على الحلول، أو أنها بالفعل حلت على بعض الجامعات والمدارس الخاصة، أردت أن أوضح التشويه لفكرة الإلوهية في تلك الفترة الحرجة التي يلجأ الطلاب فيها إلى تلك الذات الإلهية التي ستحل لهم الامتحانات يوم يعجزوا عنها. لست هنا للتحدث كالبعض بابتذال عن التوكل والتواكل، ولو ظننت ذلك وأكلمت قراءة الجملة السابقة التي أعطتك هذا الانطباع؛ فيفضل أن تخرج من هذا الهراء الذي لن يعجبك، فأنا هنا ليس لأنقد التواكل، أنا هنا لأنقد تلك الفكرة اللطيفة عن الذات الإلهية التي تريد التوكل.

منذ ولدت، كانت تلك (الاسطمبة) الثابتة من الأدعية الإسلامية أثناء صلاة الجمعة، وهي نفسها التي أجدها خلف مذكرة المراجعة النهائي للأستاذ المشهور الذي يوفد إليه طلاب الأسكندرية جميعًا، وهي نفسها التي في الورقيات المبتذلة التي كانت توزعها الدعوة السلفية على الطلاب، فهلا عدنا حساباتنا عن تلك الذات التي نعبدها لنراها بشكل أوضح كي ندعو لها؟! سأبدأ معك من بديهيات المنطق .. الإلوهية تمثل رياضيًا بعلامة اللانهاية، وتلكم هي قوة غير محدودة وخارجة عن معنى التعداد، وتحسب ترقيميًا، أي أنها ليست في الرياضة وليس لها وجود مدرك في الحواس، كالإله في أشهر منظوماته، منظومة أفلاطون التي تفرض أن الإله هو القوة الأولى والتي يتوقف عندها المنطق فيصل إلى نهاية طريقه، فلو تعرضنا عن منطق الوجود للوجود، أي المنطق وهو تلك الدائرة التي لا تنتهي، فيمكننا أن نتعمق الآن في مراد الإله الذي أوضحه أفلاطون من خلقنا في هذا الوسط المريب. 

Gerelateerde afbeelding

العبادة والفناء

لست هنا كي أتحدث عن دين بذاته لكن إن اتفقت الأديان على شيء ما، فهو أننا خلقنا على هذه الأرض لنعبد فقط! وما هي العبودية، إلا كما وصفها ابن تيمية في كتابه الذي يحمل اسم التعريف: أن يكون العمل مخلص إلى القوة المعبودة من كل جوانبه. أي أن قراءتك لهذا المقال – بفرض كونك مؤمنا – يجب أن تكون لهذا الإله الذي ينتظر في الأعلى، وأن هذا اللحم الذي أكلته على غداء الليلة كان مخلص لله، وأنك تأكله لما فيه من متعة لذية تجعلك سعيد تقدر على فعل الأشياء للإله، أو لقيمته الغذائية، وهذا يتضح في كل الديانات، فمثلا تجد المسيحيين يترهبنون، والمسلمون يجاهدون باسم الله، والبوذيين يعاقبون أجسادهم على أخطائهم في كون فعلهم أنانيا غير مخلص للقوة التي لا يعرفونها، وغيره، وبالطبع تلك حقيقة مسلم بها.

عندما اختلطت الأفكار الوجودية الحديثة بالإلوهية أحدثت هذا الخلل في فكر الإنسان المتحضر، فأصبح صديقك الناجح يدعو الله كثيرا كي يوفقه في الامتحان حتى يشتري له أبوه الهاتف الجديد، أو تجد هذا الفتى يدعو الله أن تعجب به تلك الفتاة في درس العربي، كأن هذا الإله اللطيف يهتم بمثل تلك التوافه؛ كأن الوعود بالجنة والنعيم كان يعدها لذاك الشخص الذي يريد اختراع الذرة كي يصبح مشهورا وتعجب به الفتيات! يمكن الاستدلال على العمل للذات الإلهية  ببساطة شديدة، من تكفير كل دين للآخر، ووعود كل دين بزج أصحاب الديانات الأخرى في جهنمها، لم؟! فمثلا هناك العلماء الملحدون واللادينيون سيدخلون جهنم في كل ديانة، على الرغم مما قدموه لكل علم، وكل ما قدموه لهذه الأرض ولأجل إعمارها، فيأتي المسلم الوسطي الجميل أو غيره من أصحاب الديانات ليصرخ: أليس هذا الغرض من الدين! ألم يقوموا بما لم يفعله أصحاب ديننا وعمروا أرض الله؟ أليس هذا غرض حياتنا؟ فيصمت الحشد التخيلي خلفه كأن ما قاله من المنطق، فيجيب هذا الشيخ الجاهل أنه لم يعبد، فهو لم يصل وزنى؛ فيصمت الحشد مرة أخرى مشمئزين من عنصرية ذاك الدين وغبائه.

بالطبع الدين ليس بتلك التفاهة وليست قيمته في المقدم على هذه الأرض الفانية للأرض، بل في تلك النية الصامتة داخل كل شخص أنه ابتكر ذلك للإله أو صنعه له أو فعله له، ليعطي الإله حقه، ليدفع ثمن جنته الخلد في دينه مقدمًا، فيحصل عليها. ونهايةً يمكن الاستدلال على نفس الشيء من تحريم الجنس الشرجي وغيره من المتع التي يمكن الاستغناء عنها.

Gerelateerde afbeelding

لكن ما علاقة ذلك بالامتحانات والأدعية؟!

ما معنى الدعاء من الأصل؟ الدعاء هو صلة بين العبد والمعبود يطلب فيها العبد أن يحصل على رفاهية العبادة بشكل أيسر، هيجيب الرب أو يرفض، لكن تحولت الصيغ الدعوية إلى حالة تشبه طلب الموظف من رئيس العمل بإجازة يقضيها مع زوجته في شهر عسلهما، فتجد هذا يدعو أن يوفقه الله في هذا الامتحان الصعب الذي توعدته الإدارة؛ كي يشرف أبوه المدرس الذي سيتفاخر على زميله في العمل بإنجاز فلذة كبده في الامتحان الذي لم يحله أحد، أو لأي غرض آخر بعيد عن العبادة، وقريب لإرضاء الحياة الفانية تلك.

إذًا الدعاء يوجه للأشياء التي تساعد على العبادة؛ فمثلا أن تدعو أن يوفقك الله في امتحانك وأن تخرج بانتصار لك هذه الليلة ليس معترفًا به، إنما دعوة أن تستطيع الاستذكار وملاحقة المنهج هي التي تجب.. أي أنك تدعو إلهك كي يساعدك على مذاكرتك فقط لا أن يغير مصير كل أولئك الطلاب ويخلف في أسئلة الامتحان لأجلك، ففي الواقع هو سوف يقرر حياتك من لُحَيظتها في الاستذكار، فليس داخل تلك اللجنة المغلقة ستتذكر رقم صفحة هذا السؤال المستعصي. باختصار ليس لديك دخل في مصيرك طالما أنت على وشك الامتحان، فقط لك ما في يدك في ليله؛ فلا تطلب من تلك القوة العليا التي تقصدها التوفيق فيما ليس لك دخل؛ لأن التوفيق عندها هي فقط، ولها هي فقط.

أما عن تلك (الاسطمبة) المبتذلة من الأدعية، فيتوجب عليك كمؤمن بإلهك أن تحرق مثل هذا الهراء؛ فحصر الدعاء في معان ضيقة وألفاظ محددة، كأن الله لا يفهم غيرها، هي أشد إهانة لذاته ولذات الدعاء الذي يعلو بقداسته فوق الموجودات والحقائق في عقيدتك. في النهاية أنوه أنه لا يمكنك عبادة نفسك، نعم لا يمكن. أنت تحت طائلة الإسلام أو المسيحية أو اليهودية؛ إذًا أنت تُسخر حياتك لدينك بأحكامه وبإلهه، لا لذاتك، فلا يمكنك أن تؤمن بوجود خالق سام خلق الوجود الذي في أسفل مكانة، في نفس الوقت تقدس تلك الوجود السافل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد