العدم لا يتحول إلى وجود دون فاعل، وعدم النظام لا يتحول بنفسه إلى نظام، إن القول بحدوث العالم طفرة بدون أي علة تؤثر فيه باطل، لأنه يستلزم فرضية بدهية البطلان وهي: الرجحان دون مرجح. كما أن القول بتسلسل إلى ما لانهاية باطل بالبداهة أيضًا مثله مثل القول بأن العالم علة نفسه والمؤثر في إيجاده، وذلك يستلزم القول بالدور وهو بالضرورة باطل. فلا يبقى إلا أن العالم لا بد له من موجد مستقل عنه أوجده، وهذا الموجد لا يحتاج بدوره إلى موجد له، وهو ما نسميه بالذات الواجبة الوجود، وهو الله سبحانه وتعالى.

إن جميع مدارك الإنسان إنما هو وليد تصوراته، والتصورات إنما تجتمع في الذهن عن طريق نوافذ الحواس الخمس. وهذا يعني أن الإنسان لا يعقل من المجردات إلا ما كان له مقاييس ونماذج حسية في ذهنه، فما لم يسبق له في ذهنه أي نموذج أو مقياس فإن من المحال بالنسبة إليه أن يتصوره ويدركه.

وعلى هذا القياس فإن من السهل عليك أن تفهم صفة الرحمة في ذات الله تعالى لأنك تحتفظ في ذهنك بتصورات لمعانيها وآثارها، ومن السهل عليك أن تتصور له صفة العدل والجلال والإكرام وأنه شديد العقاب، لأنها كلها تعود إلى معان توجد في ذهنك صور لها، وإن كانت هذه الصفات مختلفة في ذاته تعالى عنها في ذوات المخلوقين.

فإذا قيل لك إنه لا يحده مكان ولا زمان فهذا ما لا تدركه، لأنك لا تحتفظ في ذهنك بأي معنى أو صورة لهذه الصفة بسبب أنها صفة خاصة بذاته تعالى. وكذلك إذا قيل لك إنه سبحانه وتعالى قديم لا أول له، فأنت تذهب لتتخيل صورة عدم الأولية فلا تستطيع أن تتخيل أو تتصور ذلك. إذ إنه معنى طارئ على مخيلتك لم تسبقه رؤية لحقيقته أو ممارسة له بذاته، ولذلك فلا مطمع لأن يهضم خيالك أو تصورك هذا المعنى.

غير أن من السهل عليك جدًا، وقد أدركت هذه الحقيقة وآمنت بها عن طريق البراهين العقلية والخبر الصادق أن تتيقنها وتعتقد بها اعتقادًا جازمًا دون أن تنتظر إمكان تصورك لها، لأن من السهل عليك أن تفهم أن عقلك لم يستوعب جميع حقائق الوجود، وأن فكرك لم يسجل جميع صوره وأشكاله.

وفي ذلك يقول العقلاء: (عدم الوجدان للشيء لا يستلزم عدم وجوده في الواقع). فالعقل إنما يدرك بواسطة نوافذ الحواس الخمس والحواس الخمس تحس بقدر محدود وإلى مسافة محدودة فهل هذا يعني أن ما وراء هذا المحدود هو الاشيء؟!

إن الاستمرار اللانهائي لا يدرك، وليس ذلك إلا لأن الطاقة الفكرية في الإنسان محدودة ومتناهية، ولكن ذلك لا يعني أن العقل يجزم باستحالته، فرب أمر يدرك العقل إمكانه أو وجوده وهو في الوقت نفسه يعجز عن تصوره وإدراك كنهه.

ليس لله شريك ولا ظهير، ولا يتحيز في مكان ولا ينحصر في زمان، ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم ولا يصح عليه شيء من لوازمها كأن يشار إليه بها هنا أو هناك أو تُنسب إليه الحركة والانتقال من مكان إلى آخر، ولا يصح عليه الجهل ولا الكذب ولا النوم أو النسيان أو القسر والإكراه و غير ذلك من النقائص. لا يحتاج إلى شيء وكل الوجود محتاج إليه، فاليقين هو أن تعتقد أن الله جل جلاله لا يشبهه شيء من مخلوقاته وأنه منزه عن جميع صفات النقص.

إن الحيرة أمام هذه الأمور ضرورة ناتجة عن كون العقل محدودًا بالحدود التي أرادها له الخالق جل جلاله، وكيف لا يحار المخلوق لدى محاولة تحليل خالقه وتصوره؟!

من أجل هذا كانت الحيرة -بعد الإيمان به وبصفاته سبحانه وتعالى- أعلى مراتب الإيمان، فحسبك أن تتيقن بوجوده ثم تحار في فهمه وتصوره.

وتلك هي حقيقة -الإيمان بالغيب- الذي أمر الله به عباده، إذ هو أن يؤمنوا بما غاب عن محسوساتهم وعن عقولهم من حيث التحديد والتكييف لهذا الغيب.

ومن هنا يثبت فضل المؤمن على الملحد. أما إن زال الغطاء وكشف الحجاب وأصبح الغيب حاضرًا ومشاهدًا فلا فضل حينئذ للمؤمن على الكافر إذ يسقط بذلك أهم مقوم من مقومات التكليف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد