في الحلقة الأولى من سلسلة المقالات تحدثنا عن نشأة المعتزلة، وعن التوحيد، وهو أهم ‏‏الأصول في أي عقيدة، ثم تطرقنا إلى ما يرتبط بأصل التوحيد في مسألة «خلق القرآن».‏

وفي الحلقة الثانية عرضنا ثلاثة من الأصول العقائدية للمعتزلة (العدل- المنزلة بين ‏‏المنزلتين- الوعد والوعيد)‏.‏

وفي الحلقة الثالثة تناولنا الأصل الخامس والأخير من أصول المعتزلة، وهو الأمر بالمعروف ‏والنهي عن المنكر، وما يرتبط به من اعتقاد في الإمامة.‏

نتناول اليوم بالشرح بعض العقائد الفرعية المتعلقة بالأصول الأساسية، وأهمها نفي رؤية المؤمنين الله تعالى في الآخرة.

نفي الرؤية البصرية لله تعالى في الآخرة

إضافة للأصول العقائدية الخمسة التي عرضناها توجد للمعتزلة بعض العقائد الفرعية المتعلقة بالأصول الأساسية، كنفيهم رؤية المؤمنين الله عز وجل بالأبصار في الآخرة، ‏فخالفوا بذلك عموم أهل السُنة من الأشاعرة والماتريدية والسلفية.

قالت المعتزلة: لأن في إثبات الرؤية إثبات الجهة لله وهو منزّه عن الجهة ‏والمكان، وفسروا كلمة ‏‏‏﴿‏‏‏نَاظِرَةٌ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ في الآية الكريمة ‏‏‏﴿‏‏‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏‏‏‏‏ [القيامة:22-23]، بأنها من ‏الانتظار وليس النظر، أي أنها لا تعني بالضرورة الرؤية المادية بالأعين بل قد تعني استشراف وانتظار المتوقع ‏كقولنا (إن غدًا لناظره قريب)، وهو تفسير قاله مجاهد بن جبر.

يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي في «الأصول الخمسة» –المنسوب إليه- (ص74): «الله تعالى قد قال: ‏‏‏﴿‏‏‏لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ [الأنعام:103]. وإدراك الأبصار هو رؤية البصر، فيجب أن لا يُرى به، ولأن البصر لا يُرى به إلا ما كان في جهة دون جهة، وتعالى الله عن ذلك، لأن ذلك علامة الحدوث. فيجب أن لا يُرى بالأبصار، وإنما يُرى بالقلوب والمعرفة والعلم. وقوله عزّ وجلّ ‏‏‏﴿‏‏‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ [القيامة:22-23]، تأويلها أن تنتظر ثواب الله وتنتظر نعمه، على ما رُوي عن المفسرين حتى يكون موافقًا لدليل العقل والكتاب»أهـ.

بينما اعتمد أهل السُنة الأشاعرة والماتريدية في إثبات الرؤية على جملة من الأحاديث التي تثبتها، وكذا على أساس ما عُرف في لسان العرب عن مادة «نظر». أما السلفية فأثبتوا الرؤية بالأساس استنادًا إلى الأخبار الواردة في ذلك.

ذكر الإمام القرطبي الأشعري في تفسير الآية (ج21، ص427-428) «‏‏‏﴿‏‏‏نَاظِرَةٌ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ أي: تنظر إلى ربها، على هذا جمهور العلماء. وفي الباب حديث صُهيب خرّجه مسلم، وكان ابن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غُدْوة وعَشية، وروى يزيد النحوي عن عكرمة قال: تنظر إلى ربها نظرًا. وكان الحسن يقول: نضرت وجوههم ونظروا إلى ربهم. وقيل: إن النظر هنا انتظار ما لهم عند الله من الثواب. ورُوي عن ابن عمر ومجاهد. وقال عكرمة: تنتظر أمر ربها. حكاه الماوردي عن ابن عمر وعكرمة أيضًا، وليس معروفًا إلا عن مجاهد وحده. واحتجوا بقوله تعالى: ‏‏‏﴿‏‏‏لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏. وهذا القول ضعيف جدًا، خارج عن مقتضى ظاهر الآية والأخبار –يعني الأحاديث التي أكدت الرؤية البصرية-». ثم روى جُملة من هذه الأخبار.

ثم يفنِّد القرطبي لغويًا سبب ضعف قول مجاهد الذي أخذت به المعتزلة، ينقل عن الثعلبي النحوي المشهور قوله (ص430): «وقول مجاهد إنها بمعنى: تنتظر الثواب من ربها ولا يراه شيء من خلقه، فتأويل مدخول؛ لأن العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار، قالوا: نَظْرتُه، كما قال تعالى: ‏‏‏﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾‏‏‏‏ [الزخرف: 66]، و ‏‏‏﴿‏‏هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾‏‏‏‏ [الأعراف:53]، و ‏‏‏﴿‏‏‏مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ [يس: 49]، وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا: نظرتُ فيه. فأما إذا كان النظر مقرونًا بذكر إلى، وذكر الوجه، فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان»أهـ. ثم ينقل القرطبي عن الأزهري قوله: «إن قول مجاهد: تنتظر ثواب ربها خطأ؛ لأنه لا يُقال: نظر إلى كذا، بمعنى الانتظار، وإنّ قول القائل: نظرت إلى فلان، ليس إلا رؤية عين، كذلك تقوله العرب؛ لأنهم يقولون: نظرت إليه: إذا أرادوا نظر العين، فإذا أرادوا الانتظار، قالوا: نَظَرْتُه، قال:

فإنكما إن تَنْظُراني ساعة **** من الدهر تنفعني لدى أم جُندُبِ

لمّا أراد الانتظار قال: تنظراني، ولم يقل تنظران إليَّ، وإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت إليه، قال:

نظرتُ إليها والنجوم كأنها **** مصابيح رُهبان تشب لِقُفَّال

وقال آخر:

نظرتُ إليها بالمحصَّب من مِنى **** ولي نظرٌ لولا التحرجُ عارمُ

وقال آخر:

إني إليكِ لِمّا وعدتِ لناظرٌ **** نظر الفقير إلى الغني الموسر

أي: إني أنظر إليكِ بذل، لأن نظر الذل والخضوع أرق لقلب المسؤول………..»أهـ.

كما أثبت الأشاعرة الرؤية كلاميًا؛ فعلى خلاف المعتزلة الذين أنكروا أن الله تعالى يُرى يوم القيامة أثبتها الأشعري، وعِلَّة الرؤية عنده هي الوجود، والباري تعالى موجود، فيصح أن يُرى. كما يذكر الشهرستاني في «المِلل والنِحل» (ج1، ص87). «قال الأشعري: ولا يجوز أن يتعلق به الرؤية على جهة ومكان وصورة ومقابلة واتصال شعاع، أو على سبيل انطباع، فإن ذلك مستحيل».

بالرجوع إلى تفسير الطبري نجد أن الإمام أبا جعفر شيخ المفسرين يؤول النظر في الآية الكريمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 77] فيقول: ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾، يقول: ولا يعطف عليهم بخير، مقتًا من الله لهم، كقول القائل لآخر: «انظُر إليّ نَظر الله إليك»، بمعنى: تعطّف عليّ تعطّف الله عليك بخير ورحمة، وكما يقال للرجل: «لا سمع الله لك دعاءَك»، يُراد: لا استجاب الله لك، والله لا يخفى عليه خافية»أهـ. فلم يفسر الطبري عدم نظر الله إلى من هذا حالهم بحجبه ذاته الشريفة عنهم، فلا يرونه الرؤية المادية، بل أوَّلها بمنع تعطفه ورحمته لهم.

ولكن الإمام الطبري يعود في تفسيره لسورة القيامة، في تفسير قوله تعالى: ‏‏‏﴿‏‏‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ [القيامة:22-23]، بأن يُرجِّح الرؤية البصرية للمؤمنين ربهم، ويدرأ تعارضها مع آية ‏‏‏﴿‏‏‏لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ [الأنعام:103]. يقول الطبري: «اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: أنها تنظر إلى ربها. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن منصور الطوسي، وإبراهيم بن سعيد الجوهري قالا: ثنا عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحويّ، عن عكرِمة قال: (تنظر إلى ربها نظرًا). حدثنا محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي يقول: أخبرني الحسين بن واقد في قوله: ‏‏‏﴿‏‏‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ من النعيم ‏‏‏﴿‏‏‏إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ قال: أخبرني يزيد النحوي، عن عكرِمة وإسماعيل بن أبي خالد، وأشياخ من أهل الكوفة، قال: تنظر إلى ربها نظرا. حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: ثنا آدم قال: ثنا المبارك عن الحسن، في قوله: ‏‏‏﴿‏‏‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ قال: حسنة، ‏‏‏﴿‏‏‏إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏. قال: تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق. حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي، في قوله: ‏‏‏﴿‏‏‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ قال: هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله: ‏‏‏﴿‏‏‏لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنها تنتظر الثواب من ربها»أهـ. ثم ذكر الطبري أسانيد مختلفة للقول الثاني بأن المعنى هو انتظار الثواب وليس النظر، تعود كلها إلى مجاهد بن جبر. ثم أردف الطبري قائلًا: «وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرِمة، من أن معنى ذلك تنظر إلى خالقها، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»أهـ.

وألاحظ هنا أن العلة التي جعلت الطبري يُزكي القول ‏الأول المثبت للرؤية هو تضافره مع الأحاديث التي وردت في شأن الرؤية البصرية، فلم يطعن في صحة تفسير مجاهد بن جبر لغويًا، على العكس من مسلك القرطبي؛ إذ اعتمد الأخير إضافة إلى الأخبار على ‏الطعن اللغوي في صحة هذا التأويل وأنه مما يُخالف المعروف في لسان العرب. ومسلك الطبري هذا هو مسلك السلفية في الاعتماد على الأخبار وحدها في إثبات الرؤية.

وأقول، وبالله التوفيق إن التوقف في أمر الرؤية في الجنة أفضل، فكلا الفريقين الأشاعرة والمعتزلة أخطأ في شيء مما استدل به:

  • أخطأ الأشاعرة في عِلّة الرؤية، فالعِلّة عندهم هي الوجود، فادّعوا أن كل موجود يُرى، وعلتهم غير صحيحة، فهناك موجودات لا تُرى.
  • أخطأ الأشاعرة –ومنهم القرطبي، ونقل عن نحويين كما عرضنا- في التأكيد على أن العرب إن ذكرت «نظرت إلى» فإنما تريد الرؤية البصرية فقط، فهذا غير صحيح، وفي القرآن الكريم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 77]، وقد فسّر الإمام الطبري ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ بمعنى «لا يعطف عليهم بخير». ويقول حسان بن ثابت في يوم بدر: وجوهٌ يوم بدر ناظرات إلى الرحمن…، فهل نظر المسلمون إلى الرحمن هنا بمعنى الرؤية البصرية؟!، وبالتالي فالآية ﴿‏‏‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ [القيامة:22-23] غير قطعية الدلالة، وهي أهم آية في الاستدلال على صحة الرؤية.
  • ‏‏‏السياق في الآية الكريمة ﴿‏‏‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ [القيامة:22-23] يصف حال المؤمنين يوم القيامة، وليس في الجنة، فليست دليلًا على رؤية المؤمنين ربهم في الجنة. وباقي الآيات التي أثبت الأشاعرة بها الرؤية كلها ظنية الدلالة.
  • أما عن الأحاديث التي أثبت بها الأشاعرة –وكذا السلفية- الرؤية، فبها الكثير من العلل، والإمام الترمذي في سننه، يذكر في (حديث 3278- 5/394) نقاش ابن عباس وكعب الأحبار في الحج، والذي ذكر فيه كعب الأحبار أنه «رأى محمد ربه مرتين، وكلّم موسى ربه مرتين»، فالاعتقاد في إمكانية رؤية الله تعالى حسيًا قد تكون من الإسرائيليات.
  • أخطأ المعتزلة في الاستدلال على نفي الرؤية يوم القيامة بآية نفي إدراكه تعالى بالأبصار ‏‏‏﴿‏‏‏لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ [الأنعام:103]، بينما كان شرح الأشاعرة للآية أقرب لما توصل له العلم الحديث بشأن معنى الإدراك. وقد أفاض الإمام القرطبي الأشعري في شرح الآية في الجزء الثامن من تفسيره، ووضّح أقوال أهل العلم في عدم تعارضها مع آية القيامة التي يثبت بها أهل السُنة الرؤية يوم القيامة. فسّر الإدراك بمعنى «الإحاطة والتحديد» وأنه تعالى «لا يبلغ كُنْه حقيقته». وقال البيجوري في شرحه على جوهرة التوحيد (ص193) «الحاصل أنه تعالى يُرى من غير تكيف بكيفية من الكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام، ومن غير إحاطة، بل يحار العبد في العظمة والجلال حتى لا يعرف اسمه، ولا يشعر بمن حوله من الخلائق، فإن العقل يعجز هنالك عن الفهم، ويتلاشى الكل في جنب عظمته تعالى»أهـ. وأزيد فأقول: الآية لا تصح علميًا في موضع الاستدلال؛ ذلك أن الرؤية من الإحساس، والإحساس عملية منفصلة تسبق عملية الإدراك، ونفي الإدراك لا يستلزم بالضرورة نفي الإحساس؛ فليس كل ما يُحس يُدرك. يُعرف الإدراك على أنه: عملية تنظيم المدخلات الحسية في الخبرات، بحيث يصبح لها معنى. والمفترض أننا عندما نستقبل معلومات حسية جديدة، تتغير مدركاتنا وفقًا لها. كما أنه يمكن ألا ينتج أي مدرك من بعض المحسوسات لنقص خبرة الشخص، وماذا تراها خبرة البشر عن الله سبحانه وتعالى حتى يدركوه إن صحّ أنهم يرونه يوم القيامة؟!

وأكرر فأقول: التوقف في أمر الرؤية في الجنة أوفق لعدم قطعية أدلة كلا الطرفين.

ومن عقائد المعتزلة نفيهم عقيدة الإقعاد وتنزيههم الله تعالى عن الجلوس على العرش، فوافقوا بذلك ‏الأشاعرة وعموم المسلمين وخالفوا السلفية، في رفض معنى القعود والمماسة الذي يلزم منه التجسيم. ويؤولون الاستواء على معنى الاستيلاء.

كما يعتقد جمهور المعتزلة أن الله تعالى بكل مكان، بمعنى أنه مدبر لكل مكان، وأن تدبيره في كل مكان.

والمعتزلة ينفون كرامات الأولياء ويعتبرونها خرافات؛ فعقيدة المعتزلة في خلق العالم؛ أنهم يثبتون لله الخلق الأول فقط، ثم أنه تعالى أودع القوانين في الكون وتركه يعمل مع استمرار لطفه به، ومن هنا جاء إنكارهم للكرامات كونها خرق للقوانين والنواميس الحاكمة للكون، فهي تتعارض مع ديمومة الأسباب.

ومسألة خلق العالم وتركه يعمل وحده هي فكرة قديمة تتنافى مع كثير من الثوابت الدينية كالإيمان بأسماء الله الخلّاق، والقيوم، وإثبات الله تعالى لنفسه في آيات القرآن أن ليس فقط خلق السموات والأرض تم بيديه، أي بشكل مباشر منه، بل والأنعام والبشر أيضًا خُلقت الخلق الأول بيديه، وليس بقوانين أودعها في الطبيعة. وتلك الفكرة هي صلب ما يُسمى في عالمنا المعاصر بنظرية التطور الموجه، والتي يروج لها بعض المنتسبين للإسلام، علمًا بأن بعضهم من أشد المؤمنين بالكرامات، وهذا عدم اتساق في المنهج والفكر.

أما موقف المعتزلة من الصحابة، فمختلف فيه، فرغم عدم طعنهم في استخلاف الخلفاء الراشدين الثلاثة الأُول، فقد تكلموا في فريقيّ يوم الجمل، وتفسيقهم. وبين أئمة المعتزلة اختلاف كبير في الحكم على الصحابة بوجه عام. ولا معنى عندهم لمصطلح عدالة الصحابة.

يُتبع

********************

ملحوظة: قائمة المراجع ستُضمَّن في الجزء الأخير من هذه السلسلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد