فيلم gone girl لـ ديفيد فِينشر، الفيلم مقتبس من رواية بنفس الاسم لاقت رواجًا كبيرًا للكاتبة (جيليان فلين) التي قامت أيضًا بكتابة سيناريو الفيلم، اختيار فينشر للمثلين كان مميزًا جدًا (بن أفليك) طبقـًا لـ(فِينشر) كان الاختيار الأمثل نتيجة لتجاربه السيئة مع الإعلام أثناء علاقته بـ(جينيفر لوبيز) ودراما انفصاله عنها، و(روزاموند بايك) الفاتنة التي تستحق الأوسكار، إلا أن الاختيار الأفضل لـ فينشر في رأيي اختياره لـ(كاري كوون) التي أدت دور أخت نك التوأم مارجو.

ملخص القصة: في ذكرى زواجه الخامس، يعود نيك دان إلى منزله ليجد أن زوجته إيمي مفقودة، اختفاؤها يُستقبل بتغطية إعلامية كبيرة، حيث كانت إيمي مصدر الإلهام لكتاب الأطفال “إيمي المذهلة” الذي كتبه والداها، قبل حادث الاختفاء زواج نيك وإيمي (الذي يلقي فيه فِينشر الضوء على مشاكل الزواج الحديث؛ حيث الفروق الاجتماعية والثقافية والمادية ودورها في تفكك الرابط الأسري) كان قد تفكك بالفعل، كلاهما فقد وظيفته في الركود الاقتصادي وانتقلا من نيويروك سيتي إلى ميسوري لتكتشف خيانة زوجها فتدبر حادث اختفائها وتترك أدلة تشير إلى تورط زوجها في قتلها، ومن ثمّ تكشف المحققة روندا بوني عن أدلة على مشاكل مالية ونزاعات منزلية، تحولت قضية الاختفاء الغامضة إلى جريمة قتل بفضل مذيعة نسوية لم تعجبها ابتسامة نيك دان بجوار صورة زوجته المختفية ومن ثم تحل الصورة محل الواقع.

ما كان يحاول فِينشر إيضاحه ونقده هنا كان ظاهرة هيمنة الصورة على الواقع وقدرتها على إعادة بناء وتشكيل عالمنا المعاصر من خلال حضورها الفعلي والدلالي والرمزي، وكيف تحولت الصورة إلى واقع أكثر حقيقة وحضورًا من الواقع الفعلي المعاش، بل تحولها إلى معيار لما هو حقيقي وواقعي، وليس العكس، هنا ينشأ مجتمع “الفرجة” كما يصفها الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين أنها لحظة انفصال الصورة عن الواقع وتحولها إلى واقع حقيقي معاش.

الفرجة إذن هي تلك الحركة الدؤوبة التي تطبع المجتمعات المعاصرة التي تستعمل وسائل متنوعة من الدعاية تمكنها من السيطرة على تفاصيل حياتنا المعاصرة، فلم تعد الصورة تتحرى الدقة في محاكاة الواقع، وتغيرت وظيفتها من محاكاة الواقع الخارجي وتمثيله، مثلما كان ينظر إليها سابقـًا، لتصبح وسيلة مهمة للإدراك أصبحت تحيط بالإنسان المعاصر وتهيمن على مفردات حياته وتخلق له عالمه، بل أصبح الواقع هو الذي يسعى ليتوافق مع الصورة لا العكس.

يحاول فِينشر توضيح طغيان الصورة وانتقالها من الهامش إلى المركز واحتلالها مكانة مركزية في معظم الطقوس والشعائر التي تسود أسلوب الحياة المعاصرة؛ فالصورة مستهلكة بشكل جماعي هنا والآن، الحضور الطاغي للصورة في حياتنا المعاصرة، والدور الحاسم الذي تمارسه على إدراكاتنا الحسية والجمالية ووعينا الجمعي بالواقع هو ما كان يحاول فِينشر إيضاحة من خلال أحداث فيلمه من خلال رصد تحرر الصورة من مرجعيتها الواقعية وتحولها إلى علامة مغلقة لا تحيل إلا إلى ذاتها، والأثر السلبي لذلك على وعينا وثقافتنا، والأثر الكبير لتلك الهيمنة على الثقافة الجمعية والإدراك الفردي.

تمكنت الصورة وما رافقها من تناول إعلامى من إنتاج سردياتها الخاصة، والتي نجحت في فرض هيمنتها، (فتحولت قضية الاختفاء الغامض إلى جريمة قتل بفعل التناول الإعلامى) لقد شكلت ثقافة الصورة بمجملها ما يمكن أن يطلق عليه «سرديات مضادة» (فتحول الزوج من مركز للتعاطف لموضع الاتهام) كانت من القوة والتماسك إلى حد أنها استعاضت عن الواقع بكثافتها التأويلية ومنطقها المضاد.

(إن الجريمة والمجرم هنا يغدوان واضحين لكل من لهم علاقة بالقصة فى الواقع (لا عبر الصورة)، حتى للشرطة نفسها، ولكن صورة الشقراء (الفاتنة جدّاً) والمثقفة الضحية لعنف الرجل وغرائزيته، حسب سردية المظلومية النسوية هي التي تنتصر، وعبر إتقان الصورة ولعبة الإعلام وحدها، لقد انتصرت الصورة في النهاية وغدا المجرم الضحية وانتحب العقل (الذي كانت تمثله شقيقة الزوج)* إنها سرديات المحاكاة والتشبيه المتحررة من سلطة الدال والمرجع الواقعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

* تعليق مقتبس من أحمد أبازيد في مقالة تارنتينو البغدادي
عرض التعليقات
تحميل المزيد