يعتقد المتدينون في مجتمعاتنا أن صلاح أمورنا يكمن في أن يؤدي الناس عباداتهم بشكل منتظم وبإخلاص، بينما يعتقد الليبراليون والعلمانيون أن الحل هو أن يتخفف الناس من سلطة الدين وفصله عن الحياة العامة، وأما الملحدون فيعتقدون أن مشاكل المجتمعات تكمن في غفلتهم بالديانات، والعبادات، والإيمان بخالق يسير أمورهم؛ ولذلك يجب عليهم الاستيقاظ من هذا الأفيون، وكل واحد منهم يعتقد أنه على صواب. وبعيدًا عمن يكون على حق منهم؛ فإن ثمة أمورًا يجب معرفتها قبل تحليل أي وضع، والوعي بالظروف من حولنا لكي نفهم العالم فهمًا أوسع، فلا شيء فيه يكون مجردًا؛ إذ إن كل شيء مركب من عدة عوامل تتضافر لتخلق شيئًا معينًا، وهذ الفهم لا يتأتى إلا بطرائق وآليات يجب معرفتها.

أولًا: معرفة الخلفية التاريخية

كل مكان في العالم له خلفية تاريخية وسجل أحداث، وتؤثر كمية هذه الخلفية وحجمها سلبًا وإيجابًا في الواقع المعاصر، ولتحليل أي وضع أو إصلاحه يجب معرفة هذه الخلفية التاريخية، ومدى علاقتها بما يحدث الآن، وما سيحدث غدًا أو بعد غد، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل لا يكفي قراءة أي تاريخ لأي أمة من زاوية واحدة؛ لأن المنتصرين هم من يكتبون التاريخ في الغالب؛ ولذلك يجب على طالب المعرفة التعمق ووضع كل مسارات التاريخ على مسافة واحدة قبل الغرف منها.

ثانيًا: فهم جيوبوليتك العالم

الجيوبوليتيك مصطلح يشير إلى الروابط والعلاقات السببية بين السلطة السياسية والحيز الجغرافي؛ وفهم هذا المصطلح يحتل مكانًا مهمًّا في فهم العالم؛ فهو يؤثر في جذب أو إهمال القوى الاستعمارية لمنطقة ما في العالم، فمثلًا منطقة الشرق الأوسط ليست كغيرها؛ والمناطق التي تقع على مضائق حيوية واستراتيجية ليست كجزيرة نائية، وتؤثر كل من المساحة والطبيعة، والحيز الجغرافي في أهمية المناطق.

ثالثًا: الخلفية الدينية

تنتشر ديانات ومذاهب كثيرة في العالم، بعضها ذات طابع انتشاري توسعي، وبعضها ذات طابع منغلق، وبعضها سماوية، وبعضها بشرية، وبعضها متسامحة، وبعضها عدوانية، ولا تمثل كل هذه الأديان ثقلًا في خريطة العالم، لا من حيث العدد ولا من حيث العقيدة التي تنشرها؛ ومن يملك القوة في العالم هو من يسير الأمور وفق رؤاه ومصالحه، وبغض النظر عمن يكون على صواب؛ فإن الانتشار يكون للأقوى، ولمن يتبع السنن الكونية التي ينضوي تحتها كل البشر، فعهد النبوة والمعجزات انتهى.

إن من يملك القوة في العالم يعمل على إضعاف وخلخلة الأديان التي تهدد وجود ديانته واستقرارها، إما بالدعوة إلى دينه، وإما بإضعاف خصمه، وإما بإفساد أتباع خصمه.

رابعًا: مواطن الطاقة في العالم

الكرة الأرضية تحتوي على مئات من الثروات الطبيعية التي وهبها الله للإنسان، وتختلف قيمة هذه الثروات من حيث كونها نفسية أو زهيدة، والعالم اليوم قائم على الطاقة ومشتقاتها، ويلهث وراءها باستمرار؛ لكن الثروات النفيسة بأيدي البعض وليس بأيدي الكل، ومن هنا أصبحت المناطق التي تختزن في داخلها الثروات الثمينة محط أطماع القوى الدولية والقوى الصناعية.

خامسًا: الإمكانات الحربية

حتى تبني دولة قوية عليك أن تمتلك أدوات الحرب العصرية من أدوات دفاعية وهجومية في حال لو أردت أن تخوض أي حرب ضد أي عدو، أو أردت أن ترهب أي عدو من محاولة الاعتداء عليك، إذ لا يعقل أن تكون مجردًا من الأسلحة وتنازل من يمحيك بسلاح واحد.

هذه الإمكانات الحربية ليست فقط في كمية الطائرات الحربية أو الصواريخ، بل ما تمتلكه من كفاية غذاء ومال؛ لأن من يتاجر في سوق عدوه ثم يدخل معه في نزال حتمًا سيخسر النزال.

عليك إذن أن تمتلك ثلاثة أشياء أساسية: السلاح، والغذاء، والأرض، وعليك أن تتحرر من التبعية الاقتصادية والثقافية والسياسية وراء الدول العظمى وتمتلك القوة وأوراق اللعب الكافية قبل أن تفكر في مجابهة أي قوة أخرى.

هذه خمسة أمور أعتقد أنه من دون فهمها وإدراكها لا يمكن لأحد فهم مجريات الحياة السياسية ورغبات الدول، وكل ما يمكن أن يؤثر في إصلاح الأوضاع التي تعيشها دول العالم الثالث والثاني لتحلق بركب دول العالم الأول في الإنتاج، والصناعة، والتأثير، والقوة يأتي لاحقًا بعد هذه الأمور الخمسة والتمكن منها، ولا يكفي أن تملك شيئًا واحدًا منها لتحقق المقصود، فكثير من دول العالم تملك الطاقة، لكنها لا تملك القوة الكافية، وإن كان من المفترض أن يكون من يملك الطاقة هو الأقوى، لكن سياقات التاريخ جاءت عكس ذلك، وأصبح العالم طرفين، جزء يملك الطاقة ولا يحسن استثمارها ولا يملك القوة، وجزء يملك التطور البشري والقوة لكنه بحاجة إلى الطاقة، ومن هنا أصبحت المناطق التي تحتوي على ثروات مثل هذه خاضعة لقوى من يملك التطور البشري والقوة الحربية.

وكان كثيرًا ما يطرح سؤال مهم: لماذا لا تستقل الدول بنفسها وتتصدى لهيمنة الدول العظمى؟

إن العالم اليوم أصبح قرية صغيرة، وإذا كنت تعيش على مناطق استراتيجية دولية مهمة ولا تملك القوة الكافية فحتمًا لا يمكنك العيش في سلام بمفردك، سيتدخل الكبار لفرض وصايتهم عليك، وسيلعبون بمكوناتك الداخلية لتكون أليفًا مسالمًا وفق صناعتهم أطول فترة ممكنة.

مشكلتنا في العالم العربي والإسلامي أننا نمنا طويلًا، ثم استيقظنا متأخرين، ثم أدركنا بعدها بفترة طويلة أننا تأخرنا، لكن الهوة بيننا وبين الآخرين حينها قد اتسعت، ووقتها كان قد تشكلت القوى الاستعمارية، فدخلوا ضمن بوتقات الآخرين الأقوياء، وكلما أتى فصيل حاول حل المشكلة وشعر أنه خرج بحل، لكنه يكتشف بطريقة أو بأخرى أنه ما زال يدور في البوتقة ذاتها، ثم يأتي فصيل آخر، وهكذا أحرقت مراحل من أعمار هذه الدول والكل يجرب، والمشكلة هي المشكلة ذاتها لم تتغير ولم تتبدل، وقد تبدل الكل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات