عن العزيمة لبلوغ الحلم..

تتوالى انكساراتنا في الطريق إلى بلوغ القمم، نضحي من أجل ما وصفوه بالمستحيل، ونغذي إيماننا بقصائد وأساطير، ونحاول قراءة الواقع، بالرغم من أميتنا.. فقد قال درويش «إن الحلم يرشد الحالمين كما الوحي».

يوحى إلينا في غفلة عن الجميع، بأن حلمنا ليس صعب التحقيق، نسقط وننهض ونتابع المسير، ووحينا لا يرى، نتفرد نحن بالعيش فيه ولا أحد مؤهل لفهمه، سواك.. فأنت نبي حلمك، وليس مطلوب منك أن تجعل الآخرين يؤمنون.. فوحدك الرسول ووحدك أمة الرسول.. وليس عليك سوى الوثوق في حلمك والقتال من أجل تحقيقه وجعل نجاحك جنتك.. أو ليس كل مؤمن يجازى بالجنة؟

أرى دائمًا كيف المجتمع يدمر أحلام الصبا بمجموعة من الأعذار الواهية، فما العيب في أن يتمنى الصغير أن يصبح راقصًا أو أديبًا أو حتى رسامًا؟ أو أن القاعدة هي أن نصبح جميعنا قضاة، ومحامين، وأطباء، ورؤساء، وكل استثناء نشاز.. والدليل أن قائمة من الفنانين، عرب وأجانب، تركوا مهنهم المرموقة حسب أوساطهم، من أجل الفن، فوحيهم دلهم على الطريق الصحيح الذي وجدوا من أجله.. وهو الفن.

ماذا لو تعلم الآباء أن أطفالهم ليسوا نسخًا مكررة عنهم، وليسوا هنا من أجل تحقيق ما لم يستطيعوا فعله، لكل واحد منا فرصة لتحديد كيانه، لتحديد حلمه وانتظار وحيه، ولا يملك أحدًا الحق في سلب هذا الشيء منا، حتى الوالدين.

وددت لو نترجل مرة في حياتنا عن صهوة المجتمع، أن نتصوف بأنفسنا ونزهد في الكل، ندع المقارنات والتفكير في نظرات الآخر جانبًا، ونسمو بأنفسنا، ونذهب في حلمنا إلى أبعد حد، أن نغرق وأنفسنا.. أن نذهب إلى حد ثمالة، أو أبعد مع ذواتنا، لا يستحق الحب والتقدير سواك.. سوى حلمك، سوى هدفك، وما فائدة الإنسان دون هدف يراوغ الحياة لتحقيقه. دعك ممن يقولون عليك أن تكون عقلانيًا حتى في اختيار أحلامك.. ولا تركض وراء شيء مستحيل، ومن جعله مستحيلًا غير التشاؤم والسوداوية في التفكير.. اركض وراء ما يوحى إليك وإن بدا للعالمين ضياع.

إن بداية كل إنجاز عظيم فكرة، أو بالأحرى حلم، ووحدك أنت من في يده جعل الحلم هدفًا للسعي وراءه، وتحظى بتحقيقه.

هذه الكلمات ليست رثاء لأحلام ضاعت، ولأشخاص استسلموا في أول الطريق، بل للتحفيز، وتدفع للمضي قدمًا ونسيان كل ما سلف من مآس، وانتكاسات في طريقهم، والتسليم بأنه لا يوجد شخص ناجح على وجه الدنيا قد أنعم عليه الحظ والأقدار الطيبة بالنجاح، لقد عانى مرارًا، وقرر أن يستقيل مرارًا، لكنه أكمل.. قد يكون عكسك أنت.

فإن رجعتم إلى كتب تصنف العظماء كل حسب اختصاصه، نادرًا ما نجد من ولدوا وفي أفواههم معلقة من ذهب، جميعهم كانوا يملكون حلمًا وإيمانًا قويًا والسلام. وإليكم أكثر القصص التي ألهمتني ولا تزال تلهمني للبلوغ إلى مسعاي.

1. جي كي رولينج

كاتبة وروائية ومنتجة أفلام تنحدر من بريطانيا، معروفة ككاتبة بـ(ج. ك. رولينغ). هي مؤلفة سلسلة الأفلام الشهيرة هاري بوتر التي أصبحت أفضل سلاسل الكتب مبيعًا عبر التاريخ، بعدد نسخ تجاوزت 400 مليون نسخة. وتعتبر رمزًا لما يمكن للمرأة أن تحققه. وعلى الرغم من احتلالها المركز الأول بين الكتاب بوصفها الأكثر ثراءً، إلا أنها لم تلبث في هذا الموقع كثيرًا، فقد تبرعت بقسمٍ كبيرٍ من ثروتها لصالح الأعمال الخيرية. لكنها ظلت أفضل كتّاب المملكة المتحدة على مستوى المبيعات لمؤلفاتها، ومن المعروف أنها عانت حالة فقرٍ نسبي بعد طلاقها من زوجها الأول، وتحولها إلى أم عازبة لاجئة إلى السفارة البريطانية في البرتغال، لكنها أصبحت من أكثر كتّاب العالم شهرةً وثراءً، بالرغم من أن دار النشر في الأول رفضت أن توقع كتبها باسمها نظرًا لكونها امرأة، الشيء الذي قد ينفر القراء من قصصها.

2. والت ديزني

قبل أن أبدأ في السرد بشكل مختصر عن تحول فشله نجاحًا، أريد فقط أن أقول إنه يومًا ما قيل لوالت ديزني إنه يفتقر للإبداع، وذلك عقب طرده تم طرده من إحدى الصحف في ولاية ميسوري.

لم يكمل والت ديزني تعليمه، في محاولة فاشلة منه للانضمام إلى صفوف الجيش، فضلًا عن أن واحدًا من مشاريعه السابقة، المتمثلة في أستوديوهات Laugh-o-Gram، أفلست بسبب عدم قدرته على إدارة أعمال ناجحة.

لكنه بفضل إيمانه بقدرته على الإبداع الشيء الذي لم يره الآخرون، استطاع إنشاء أستوديوهات ديزني التي غذّت أجيالًا بذكريات وأحلام الطفولة: من سنو وايت إلى فروزن، ستواصل ديزني الترفيه عن العالم لأجيال قادمة.

3. ألبرت أينشتاين

يرتبط اسم «آينشتاين» بالذكاء دائمًا، ومرادفة لكلمة «عبقري»، بالرغم من ذلك، فإن من الحقائق الشهيرة عن حياة العالم الألماني رائد نظرية النسبية العامة أنه يتمكن من التحدث بطلاقة حتى سن التاسعة، كما أن طبيعته المتمردة أدت إلى طرده من المدرسة، وتم رفض قبوله إلى مدرسة بوليتكنيك في زيوريخ.

لم تمنعه كل هذه النكسات السابقة من الفوز بجائزة نوبل في الفيزياء عام 1921.

4. عبد الحليم حافظ

قصة عبد الحليم مختلفة قليلًا عما سبق ذكره، فلم يعش فشلًا وشكًا في موهبته عندما سعى إلى الفن، لكنه قضى عمره كاملًا يعاني.

فقد عاش يتيمًا، وتكفل خاله برعايته، وأصيب في سن صغير بالبلهارسيا، فمنذ الصغر كان ينزل الترعة بقرب من منزله كوسيلة للاغتسال، وليس فقط للسباحة، حيث كانت تعيش دودة البلهارسيا وتنشر عدوتها ومع الوقت أصيب بتليف كبدي من المرض، وكان هذا أول طريق المعاناة الحقيقية التي بدأت معه قبل وفاته بـ22 سنة، وقتها كان يصور فيلم «لحن الوفاء»، غادر البلاد للعلاج في لندن خاصة مع تزايد النزيف عليه، ثم عاد ليستكمل مسيرته وكان معه دائمًا أكياس من الدم محفوظة في منزله للتعامل مع حالته عند حدوث أية مشكلة أو نزيف، ولكنه في مرة من المرات انتقل إليه فيروس خلال عملية نقل الدم، وهو ما زاد من وطأة الأمر عليه. فمن رحم المعاناة يولد العظماء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد