في أول أعوامي تربيت على أنه لابد أن يكون لي حلم واضح، أسير إليه بخطى واثبة، وأعرف مستقره ومستودعه، ولا يلفتني عنه تلك الترهات التي تقابلني.

كنت أختار رفقتي بعناية شديدة، أولئك الذين أستطيع السير معهم على الطريق، دون أن يلفتوني عنه، كنت أشعر أننا جميعًا في بوتقة واحدة، ما أريده يريدونه، وما أكرهه أراهم يبتعدون عنه، كونت مبادئي الأولى .. وترعرعت عليها .. وصرت أتبناها .. وأتمسك بها بشدة .. وأمرح؛ لكوني أرى العديد منهن مثلي.
تعديت مرحلة الثانوية – وقبل دخولي الجامعة – تفاجئت؛ بكونهن قد بدأن يتنصلن مما تعاهدن عليه .. فصرت أستنكر ذلك بشدة، حتى دخلت الجامعة .. فتفاجأت بحلمي يتبخر كالمياه في الهواء .. كأنني كنت أعيش في فقاعة تفجرت بخروجي إلى ذلك المجتمع.

كأن ما تعلمته كان سرابًا، لايرقى أن يخالط الواقع، أو أنه أمر غير قابل للتطبيق، المبادئ غير موجودة .. الناس تتغير .. والقابض على الجمر لا يستطيع الإمساك به من أوج حرارته .. كل شيء آل إلى التغيير، المجتمع ذاته الذي كانوا يتحدثون عنه كان غير ما توقعته، يكاد يكون لا شيء مما حسبته كائنًا .. الناس غير هؤلاء الذين اعتدت الاختلاط بهم .. حتى أولئك الذين اختلطت بهم فيما مضى .. تغيروا وصاروا كباقي المجتمع.

حتى ذلك الحلم الثابت .. والحديث كثيرًا عن القدس .. والحفاظ على النهج للوصول إليه .. بدأ يقل تدريجيًا إلى أن انعدم تمامًا .. كل الأمور أصبحت كالصورة .. تكتفي بأن تنظر إليها وقتما أحببت .. لكنها ماضٍ وانتهى .. انهمك أولئك الذين كانوا ينادون بالقضية في خاصتهم .. أو ربما انهمكوا في شدة الألم .. حيث صاروا يواجهون آلامًا متتابعة .. لم يكونوا على توقيت مسبق معها، فأخذت تنهال عليهم كزخات المطر حتى أوقعتهم فوقعوا ولم يستطيعوا إفاقة، أو ربما أنهم رأوا الأمر صعبًا ويحتاج الكثير من الجهاد .. الأمر الذي صار صعبًا.

نزلت المبادئ عودًا عودًا من قلوبهم؛ حتى صارت فارغة.

المشكلة يا عزيزي أن الذي يقدم التنازل الأول .. لا يبرح حتى يتنازل عن الجميع .. الواحد تلو الآخر .. والغريب أن أول ما تم التنازل عنه هو القبض على الجمر .. وهو لم يزل دافئًا .. ربما تشفق على من احترقت يداه عن آخرها .. لكن لماذا تخلوا عنه مبكرًا .. كانت الأزمة في أنهم لم يدركوا .. وهم في مرحلة البوتقة أن المجتمع في الخارج مُتعب عن آخره .. وأن الاختلاط به ربما يكون معديًا .. وأن عليهم أن يتحصنوا بشدة؛ حتى لا يقعوا في مرض المجتمع، ولكن تلك الأنوار المبهرجة أعمت الأعين .. فصاروا يتتبعونها بأعينهم أولًا .. ثم بأجسادهم وقلوبهم في ذلك منكرة حتى في النهاية أسلمت لها قلوبهم .. فصاروا يألفونها ولا تنكرها أنفسهم .. وصاروا ينكرون من يقبض على دينه .. واصفين إياه بشدة التزمت .. فانهار الحلم عن آخره، إلا من عدد قليل صار يتمسك بالجمر .. واحترقت يدها عن آخرها .. وكاد الجمر يلتهم جسدها .. إلا تلك البقعة البيضاء في داخل قلوبهم ما زالت تنير لهم الطريق، وتهون عليهم عثراته ومشقاته، الذين يتشبثون بالحلم بقوة، ولايعبأون بكل الكلام الملقى حولهم، والمتساقطون على الطريق .. ويحاولون أن يلقوا بحبالهم لكي يلتقطها المتعثرون لعلهم يجدوا بها ملجأ يهربون به مما وقعوا به في زخم الفتن وأوج المعارك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد