يمر العالم اليوم بأزمات عديدة ومتلاحقة، وأغلب سكانه يمرون بأوضاع اقتصادية طاحنة، وأصبحت فرص تحسن هذه الأوضاع من وجهة نظرهم بعيدة المنال.

 

 

 

 

 

 

 

 

في حين يعكف السياسيون في العالم على تكذيب هذه الحقيقة ومحاولة إعادة بعث الأمل إعلاميًّا؛ أملا في كسب أصواتهم أمام صناديق الاقتراع وإسكاتها في المظاهرات.

 

 

 

 

 

 

 

لكن ماذا يقول رجال الاقتصاد في العالم وممَّ يحذرون؟ وماذا يقول العلماء والأدباء والمثقفون الذين يبحثون عن خيوط ونقاط تمكنهم من التوقع والفهم؟ بل تمكنهم أيضًا من السعي وراء إعادة العالم إلى الطريق الصحيح أملا في إثناء الأرض عن الكارثة.

 

 

 

 

 

 

واجهت أمريكا كارثة اقتصادية عام 2007، لطالما حاولت إخفاءها قبل ذلك بشهور وقد يكون سنوات، ولعل أسباب هذه الكارثة معروفة ومتوقعة للعديد من رجال الاقتصاد. والسبب الرئيسي يعود إلى الإفراط في الرأسمالية والاعتماد على العملات العالمية “الدولار بالتحديد” بديلا عن الذهب كاحتياطي نقدي.

 

 

 

 

 

 

أيضا نتيجة إدخال أمريكا نفسها في العديد من الحروب خصوصًا بعد انتهاء الحرب الباردة في أفغانستان والعراق، أملا منها في السيطرة على الشرق الأوسط، وإبقاء نفسها على قرب من مصادر الطاقة والاستحواذ عليها، وهو ما اعتقدت أنه يمكنها تحمل كلفته.

 

 

 

 

 

 

 

ثالثا وهو الأهم، انتهاء عصر الثورة الصناعية بمفهومه القديم وبداية عصر التكنولوجيا الحديثة وهو أشد ما يهدد هذا العالم الآن، مما يجعلنا نعود بالتاريخ إلى الوراء قليلا.

 

 

 

 

 

 

 

 

منذ بداية القرن السادس والسابع عشر ومع بداية الثورة الصناعية في أوروبا، بدأ العالم حقبة جديدة لعلها هي الأجدد والأسرع، وبدأت صناعة البارود والبنادق،

 

 

 

 

 

 

 

ومع اكتشاف أوروبا ثروات أفريقيا وآسيا الدفينة بدأت رايات الحروب والاحتلال تدور في الأفق، وقامت دول أوروبا بتقسيم ثروات العالم فيما بينها، وهو ما سبب رخاءها على مدى عقود، وفقر باقي العالم من أجلها، وهنا اتضحت إحدى أهم نظريات النظام العالمي الجديد!

 

 

 

 

 

 

 

ألا وهي من أجل أن تبقى الأرض فعلى بعض سكانها أن يعيشوا في رخاء وأمان، في مقابل أغلبية أخرى تعيش في فقر واحتلال وجوع واستهلاك ما ينتجه الغرب دون مبرر.

 

 

 

 

 

 

 

بدأ الغرب في سرقة المصادر الطبيعية لسكان أفريقيا من ذهب وماس، ثروة حيوانية من آسيا، امتصاص محاجر أمريكا الجنوبية، في مقابل ذلك دأب الغرب على استكمال ثروته وثورته الصناعية وكان أهمها السلاح والدواء والكساء،

 

 

 

 

 

 

 

حتى قامت الحرب العالمية الأولى فيما بينهم، وراح ضحيتها أغلب ما بناه الغرب من مصانع وبنية تحتية بصورة كبيرة، وأهمها ما يقرب من 10 ملايين إنسان دون ذنب سوى تكالب رجال السياسة على ثروات الأرض.

 

 

 

 

 

 

لكن هذا لم يغنهم عن استكمال ما تم هدمه، وكان في مقابل كل شركة تُبنى ومصنع يُنشأ فرص عمل للعديد من العمال الأوروبين، ووضع اقتصادي واجتماعي يعود للازدهار من جديد،

 

 

 

 

 

 

حتى قامت الحرب العالمية الثانية التي دمرت أوروبا نهائيا وخرجت منها العديد من الدول مدمرة ومقسمة كألمانيا، أو منهكة تمامًا كإنجلترا وفرنسا (أبرز دول أوروبا احتلالًا للعالم)، وبزوع نجم الولايات المتحدة الأمريكية في الأفق لأول مرة، وبداية قيادتها للعالم بمشاركة الاتحاد السوفيتي بديلا عن أوروبا.

 

 

 

 

 

 

لتبدأ دائرة جديدة من البناء، ويبدأ معها عصر الصناعة والزراعة في أوج صورها، ولكن هذا في النصف الشمالي فقط من العالم، مع التزام النصف الجنوبي منه بالبقاء في صراع وفقر وجهل وتمزق.

 

 

 

 

 

 

 

 

العالم العربي

 

قبل خمسينيات وستينيات القرن العشرين لم يكن للعالم العربي والإسلامي أي ملامح “خصوصا بعد سقوط الدولة العثمانية الهرمة” إلا في دولة أو اثنتين، أهمهم المملكة المصرية والجمهورية التركية.

 

 

 

 

 

 

 

ولم تظهر دول الخليج على الساحة إلا بعد ظهور النفط “سلاح العالم الجديد”، وهنا كان قد تم الاتفاق على ألا يبقى الوطن العربي غنيًا ومتماسكًا، وكان يجب إفقاره وتقسيمه، خصوصا بعد ظهور اليهود في فلسطين وخطة توطينهم فلسطين لتكون دولة يهودية وسط العالم الإسلامي تشق صفه.

 

 

 

 

 

 

 

كان المخطط هو أن يتم إضعاف الدول التي شاركت في حرب فلسطين 1948. وكانت مصر أولاهم عبر تشجيع مجموعة من الضباط في مصر على تدبير انقلاب عسكري يوليو 1952، وتغيير نظام الحكم فيها من ملكي ديمقراطي إلى جمهوري ديكتاتوري،

 

 

 

 

 

 

لتكون مصر أولى بدايات هذه الصورة والظاهرة الجديدة التي انشرت فيما بعد في العراق وسوريا وليبيا والسودان “جزء من الدولة المصرية قبل 1952”.

 

 

 

 

 

 

 

وتشجيع الغرب بشكل ذكي على ظهور الزعامات الواهية في هذه الدول عن طريق معاداتها كما حدث في العدوان الثلاثي على مصر، وهو ما أدى إلى إبراز عبد الناصر كزعيم مصري وعربي جديد، وتشجيعه على تقمص دور الزعامة في المنطقة لجعل الشعوب تتعلق به، ومحاولة دفعه نحو استنزاف ثروات مصر في حروب مفتعلة ضد إسرائيل وفي اليمن وأفريقيا، لتكون هذه بداية عهد جديد في مصر من الانهيار وضياع الثروة وبداية ظواهر كلامية لا طائل منها إلا نكسة تسبب فيها حكم الفرد.

على الوجه الآخر، بدأت هنا دول الخليج في الظهور وكان أبرزهم المملكة العربية السعودية، خصوصًا بعد اكتشاف وظهور النفط العربي وبداية ثراء هذه الدول بالأخص بعد حرب أكتوبر 1973، وظهور البترول كسلاح أساسي استخدمه الرئيس المصري السادات بالتعاون مع الملك فيصل بذكاء في إدارة كفة الحرب، وهنا زاد يقين العالم من أن وحدة الدول العربية معا قد تسبب دمارًا شديدًا لمصالح الغرب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هنا كان الاتفاق على أن ينقسم العالم العربي إلى جزئين، جزء ثري ألا وهو دول الخليج، ولكنه ثري ثراءً غير حقيقي قائمًا على البترول دون اقتصاد أو صناعة حقيقية، ودون خلفية ثقافية أو حضارية كبيرة؛ مما يجعل هذا الترف مرهونًا بالثروة الطبيعية، وبمجرد سقوطها أو انتهائها أو التلاعب بها اقتصاديًّا؛ تسقط معها هذه الدول.

 

 

 

 

 

 

 

 

على الجانب الآخر، تم إضعاف الدول العربية ذات التاريخ الأكبر والتأثير الجغرافي والثقافي المعروف، وهنا بالطبع نذكر مصر. فعلى مر قرنين، ومنذ عهد محمد علي باشا والخديوي إسماعيل، والملكين فؤاد وفاروق؛ كانت هي من تقود المنطقة دون منازع، وكانت تملك الثروة وصاحبة الأمر والنهي، وتحكمت لفترات في الجزيرة العربية وفلسطين والشام، وكادت تصل إلى الأناضول شمالًا ووسط أفريقيا جنوبًا.

 

 

 

 

 

 

 

 

هنا بدأ العالم العربي والإسلامي رغم غناه وثرائه الطبيعي يكتفي ويرضخ للهيمنة الغربية عليه، وعلى الوجه الآخر قام الغرب بنقل كل أدوات الحروب والصراعات داخل هذه المنطقة من العالم لاستنزاف مواردها، وإشعال الفرقة بينها لتكون هذه المنطقة هي المرشحة الأولى للإرهاب والحروب العالمية القادمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

فبدأ ذلك بحربي الخليج الأولى والثانية وظهور حركة طالبان، وصولا إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ لتحتل بعدها أمريكا أفغانستان والعراق وصولا إلى ثورات الربيع العربي.

 

 

 

 

 

 

 

الحاضر والمستقبل

 

ومع بداية الألفية الجديدة، بدأ العالم في الاكتفاء من الصناعة بشكل كبير؛ فقد قام العالم بصناعة السيارات والطائرات، وغزا الفضاء والبحار، وقام بتصنيع السلاح النووي والبيولوجي والمحركات النفاثة، وهنا توقف عصر الإبداع والاختراع وبدأ عصر التطوير والتحديث لا أكثر.

 

 

 

 

 

 

 

الآن زاد تعداد سكان العالم ليصل إلى أكثر من 7 مليارات إنسان في حاجة إلى طعام وشراب ومسكن، وكل منهم لديه طموح يطمع لتحقيقه، في حين أنه إذا عدنا إلى بداية الحديث فقد ضرب العالم أزمة اقتصادية مريعة، بدأت في أمريكا لتأخد معها أوروبا واليابان،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ويفقد الناس وظائفهم ويزيد عدد ذوي التعليم العالي في العالم، ويقل عدد أصحاب الحرف، وتحل التكنولوجيا مكان الإنسان في العديد من الأعمال والمهن، فزادت نسبة البطالة، وفقدت العديد من العملات الورقية أهميتها وفقدت العديد من دول العالم بريقها، ومكانة سكانها المالية والاجتماعية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وعندما تفقد الدول التي تقود العالم مكانتها وتشعر بأزمة تزداد وطأتها يومًا بعد يوم، يعيدون الكرة مرة أخرى إلى ملعب الأرض المحروقة، وإعادة البناء والإسراف في تصنيع وتصدير السلاح، إيمانًا منهم بأنها هي المنجية من الأخطار الاقتصادية المتلاحقة.

 

 

 

 

 

 

 

لذلك العديد من رجال الفلسفة والتاريخ يؤمنون بأن العالم اليوم يتهيأ لحرب شرسة لم يرَ لها العالم من مثيل، تأخذ معها الأخضر واليابس. هذه الحرب مهما حاول البشر تأخيرها فهي قادمة لا محالة،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ولعل آخر ما يمكن ذكره هو ما قاله أينشتاين: “لا أعرف ما الأسلحة المستخدمة في الحرب العالمية الثالثة، لكني أعرف أن الحرب العالمية الرابعة ستكون بالعصا والحجارة”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد