نهانا المصطفى ﷺ عن أن ندعو على أنفسنا أو أولادنا، فقال ﷺ: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجاب لكم»- رواه مسلم.

وقال ﷺ: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون»- رواه مسلم.

من خلال هذين الحديثين، إذا قسنا كلماتنا في السودان في مجال الدعاء، نجد أننا ظلمنا أنفسنا بكم هائل من الأدعية ضد أنفسنا وأولادنا وأهلنا وأصحابنا وبقية الخلق من حولنا، فتجد هذا الدعاء الذي يملأ الفم ويكون صاحبه منفوشًا حين نطقه، وهو يقول داعيًا على فلان من الناس: «الله يسقط حجرك»، أو يقول: «الله لا يبارك فيك يا مقطوع الطاري» أو «روح في ستين داهية». موضوع سقوط الحجر لا أدري إن كان مثل سقوط الحجارة من أعلى الجبل، أم أن الداعي يعرف قانون الطفو جيدًا ويعلم أن الحجارة إذا ألقيت في البحر سوف تستقر في قاعه ولن تظهر للوجود أبدًا أو يتغير قانونها وتطفو، إذن هذا المدعو عليه ضاع أمره وانتهى. أما مقطوع الطاري كأن الداعي له من المعلومات التي وصلته من سورة الكوثر حين نال شانئ الرسول ﷺ الذل وانقطاع دابره وقيل في شأنه أنه أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره.

ثم إذا أتيت إلى دعاء «روح في ستين داهية » نقول لا حول ولا قوة إلا بالله، فبدلاً عن داهية واحدة نجده يرجو له ستين داهية، مع أن الداهية الواحدة كافية أن تدمر مثل هذا الشخص.

وتدلف إلى أدعية أخرى سيئة مقيتة منها «العمى يليس عينيك» فنحن أمام دعاء شنيع، وهو أن يصيب الطرف الآخر عمى يجعل العيون قد أغلقت تمامًا، وكأنك بالداعي قد فهم ما جرى لقوم لوط «فطمسنا على أعينهم»، وهو يريد للمدعو عليه أن يفقد العين بكامل صورتها، فلا مجراها يوجد ولا شيء فيها يبقى، فيصبح الوجه بجبهته أعلى منه، وحتى الأنف سطحًا واحدًا.

ودعاء آخر وهو أشد مقتًا، وهو أن يقول الداعي على الطرف الآخر «تدخل عليك بالساحق والماحق والضرر المتلاحق». لا حول ولا قوة الا بالله، ثلاثة أقسام كل واحدة منها كفيلة بأن تدمر الشخص أو إذا عادت للقائل دمرته. الساحق هو أن يسحق ويصبح ترابًا منثورًا، وكأنك بمطلق الدعاء قد وقف عند قول الرحمن على الكفار: «فسحقًا لأصحاب السعير»، ومن معناها أن يلحقك السحق، فتجد أموالك مسحوقة لا تجدي نفعًا ولو كثرت، وتجد أولادك لحقهم السحق، فلا ترى منهم برًا ولا إحسانًا. أما إذا دخلت على الماحق فهو من المحق، وهو انعدام البركة لدى المدعو عليه، وكأن الداعي وضع الطرف الآخر موضع أهل الكفر الذين نزع الله عنهم البركة وقال فيهم «يمحق الله الكافرين»، وللدلالة على ذلك تجد أن أعداد المسلمين في ازدياد، بينما أهل الكفر قد تناقصت أعدادهم، فتجد أن أعداد كبار السن تزداد، بينما أعداد الشباب في تناقص ملحوظ.

أما الضرر المتلاحق، هو الضرر المصبوب على المدعو عليه فهو متواصل لا ينقطع، أعوذ بالله من السوء. وهذا الثلاثي، ساحق وماحق ومتلاحق، هو قضاء على الشخص وتدميره، فلا شيء عنده نافع ولا بركة ولا نماء، نسأل الله العافية.

وطالما أوردنا الكلام عن المحق، نجد دعاء آخر وهو شيء مقيت «الله لا غذا فيك بركة» أي لا جعل الله لك بركة في أي شيء في حياتك، أي غل في نفس الداعي وأي غيبوبة جعلته يتمنى ويرجو لولده أو أخيه انعدام البركة، وأن يرى المحق في حياته، فيظل مدمرًا ممحوقًا غريبًا، ولعل الكثيرين ممن حالفهم عدم التوفيق قد أصابه مثل هذا الدعاء.

ومن الأدعية المطلقة فيما مضى ذلك الكلام العجيب، حيث يردد الداعي بملء فيه ويقول: «قطر عجيب يودي ما يجيب»، إنه هنا يتمنى هلاك الآخر، فيرجو له أن يركب قطارًا أو ما شابهه ويسافر، يأمل هذا الداعي بسوء طويته أن لا يعود من سفره أبدًا، ويهلك وبذلك ترتاح دخيلة الداعي، والتي هي أصلاً غير مرتاحة؛ فإن كانت في راحة ودعة وسلام لكانت في سلام وراحة مع الآخرين.

ومن الأدعية ما فيه أحكام بالإعدام رميًا بالقصف أو الشنق أو غيره، فكان من يقول: «الله يقصف عمرك، الله يقصف رقبتك»، وكأن قدر الله هو المدفع الموجه نحو الآخر، أو هو الصواريخ التي تقصف، فتهلك وتدمر وتنسف عمر هذا المكروه.

وكم نلنا من هذه الأدعية جميعها – بوعي أو بدون وعي من الدعاة- من منا لم تقع عليه أو يسمعها. تحكي لي بعض الأخوات أن ابنًا لجارتها كان قد عمل على كسر شيء ما، فدعت عليه هذه الأم وقالت: «الله يكسر رقبتك» فو الذي لا إله غيره ما هي إلا ساعات وخرج هذا الطفل ليلعب فسقطت فانكسرت رقبته، وكم أصاب الأم من الذهول، كيف استجيبت دعوتها، وعاشت تعض أصابع الندم. لا تقرب الدعاء الضار أبدًا.

وإذا حاولنا أن نستقصي سلسلة الأدعية السيئة في حق الغير وحق أنفسنا فلن نخلص منها، والباب مفتوح أمام من أراد أن يحصرها في كتاب أو ملف واحد كأنها قاموس، ولكن نورد بعض مما لم نورده في مقالنا هذا.

تسمع الأم تنادي على أحد أولادها قطعت مصاريني، الله يقطع مصارينك!

أو تسمع من يقول للآخر: يضربك الضريب شقاق العناقريب**. أو «الله يشقك أي يقطعك نصفين. أو حينما تسمع الدعاء على من لا يجيد القراءة: «أقرا القر الينفخك» لعل القر هنا يقصد به شدة البرد، وينفخك أي يحصل انتفاخ البطن أو أي عضو آخر.

والسلسلة تطول والذاكرة لا تسعف. ولكنك تتألم أن تجد الدعاء ليس حكرًا على بلد دون آخر، ففي مصر ينتشر وبكل سهولة قولهم: الله يخرب بيتك، فكم من بيت خرب بهذه الدعوة السيئة، وأنت ترى حال البلد بأكمله قد تهدم وخرب. والغريب أن الكلمة تقال كأنها كلمة عادية وأنها تحمل معنى الفهلوة، وإبليس يزينها لقائلها: الله يخرب بيتك ويقولونها حال المزاح وكأنها ليست بدعاء سيئ. نسأل الله العافية ونتعوذ به من خراب البيوت.

أما في سوريا فقد انتشر قولهم: تقبرني، أموت وتدفنني. دعاء على النفس بالموت، ورسولنا الكريم ﷺ نهانا عن تمني الموت في قوله: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي».

وكم قبر من أهلنا في سوريا على يد المجرم بشار وحماته من الروس والإيرانيين وحزب الله!

إلا أن الطامة الكبرى فهي فيما استشرى وتسمعه على كل لسان وهو قولهم: الله يلعنك، وكأنها سهلة ولا تبعات عليها، وقد حذر الرسول ﷺ من ركوب دابة في المدينة لأنها تعرضت للعن. واللعن هو فعل أصحاب النار والعياذ بالله ألم تقرأ قوله عز وجل: «كلما دخلت أمة لعنت أختها»، وأصبحت الكلمة مستشرية في البيوت وفي الشوارع وفي أماكن العمل، لا يمر يوم إلا وتسمعها. نسأل الله أن يهدي الجميع فيوقفوا هذا اللعن لبعضهم بعضًا.

ودمتم في سعادة واطمئنان وسهولة من العيش ورغد الحياة، هانئين منشرحي الصدور، بلا نصب أو وصب، ودمتم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد