يخال للمرء كثيرًا أنه يضبط نفسه ضمن منهجية معينة كي لا يقع في خطأ محدد كما يعتقد، ولكنه يجد نفسه واقعًا في ذلك الذي يعتبره خطأ، في بعض الظروف والأحيان بوعي أو بدون وعي، خارجًا قليلًا أو حتى كثيرًا عن منهجيته تلك ومتّبعًا بعض القيم والأحكام، والتي قد تكون مخالفة لمنهجيته التي يضبط نفسه بها وفقًا لما تمليه طبيعة الظروف المتغيرة، ووفقًا لما تأتي له بالمنفعة. أظن أن جميعنا قد يقع في ذلك مهما كان متيقظا، لكن السيئ في هذا أن يكون هذا الأمر منهجية بحد ذاتها للنظام الفردي أو الجماعي. هذا ما يعرف بازدواجية المعايير والأحكام وهو القول بالشيء، أو عمله، ثم مخالفته بالإتيان بنقيضه أو عكسه في ظل قوانين وقيم رُسمت مسبقًا لخط حدود المنهج المعين الذي يكون جزءًا من سلوك الأفراد ونظامهم الاجتماعي.

من الجدير بالذكر عن فئات من المجتمع ممثلة بالأفراد أو التنظيمات الكبرى، يتعاملون مع المعطيات بشكل مزدوج. منهم تلك الفئة التي تتبع أيديولوجيا منغلقة لا تقبل التعدد إلا بشكل محدود، وبالتالي فهم لا يقبلون التعددية من ناحية حين لا تتحقق مصالحهم ويقبلونها من ناحية أخرى حين تتحقق. وهذا يتفق مع ما ذكره نيتشه في كتابه «ما وراء الخير والشر» في الصفحة 119: «فوق كل القوانين: ما نفعله عن حب، يجري دائما ما وراء الخير والشر». على الرغم من أن المعطيات التي يتعاملون معها تتضمن نفس الخصائص والقيم ونفس القوانين إلا أن لديهم ازدواجية واضحة تتسم بالانحياز وعدم الثبات على مذهب أو منهج محدد. ويكون هذا التغير والتلوّن في المعايير والمواقف والأحكام مرتبطًا بالمصالح، أو أسباب أخرى كسوء التنشئة والتعليم وغير ذلك مما يؤدي إاى التناقض أو الخداع وعدم المصداقية في التعامل مع المعطيات التي تحوي نفس الخصائص والقيم أو شبيهة بها.

على سبيل المثال الفئة التي تدعي أن الأرض مسطحة ويرفضون الدلائل العلمية التي تفيد بكروية الأرض، ثم يقبلون الجاذبية كقانون فيزيائي مع أن كلا المعطيين يحتويان الخصائص نفسها من القوانين الفيزيائية، وفي هذا ازدواجية صارخة وتناقض واضح. وكالذين يقبلون بعض الأبحاث العلمية ويرفضون أخرى؛ لأنها تتعارض مع توجهاتهم ومنافعهم، أو يرفضون بعض الأنماط والأحكام المستحدثة والمستجدة لأنها تخالف قواعدهم المنهجية، مع أن منهجيتهم قد تحتوي بالمقابل ما يشابهها من القواعد المخالفة من وجه آخر إلى حد المطابقة أحيانًا. أو كالذي يُقصي طرفًا من الناس، ويرفع آخرين لأنهم من ذويه أو تتأتى رغبته وفائدته النفسية والمادية معهم وحتى على مستوى المحاباة للبعض والمعاداة لآخرين من دون سبب منطقي ومعتبر. أو كالفئة التي لا يمكن تحديد مسارها الأيديولوجي أهو يمين أم يسار، أو على سبيل التقريب أكثر، هل هم ليبراليون أم محافظون؟

ليس شرطًا أن تكون الأيديولوجيا منغلقة دائمًا، بل قد تتسم بالتعددية، ولكن لا أظن أن ذلك يكون غالبًا، لأنه حين تكون متسمة بالتعددية فهي واضحة المعالم، أي متبنو هذه الأيديولوجيا على وعي وعلم أكبر بها بخلاف الأخرى التي تكون غير محددة المعالم. فمثلًا، فيما يتعلق بالأيديولوجيا ذات الطابع المتعدد، السياسة الأمريكية تتسم بالازدواجية والانحياز إزاء القضية الفلسطينية على الرغم من أنها سياسة ليبرالية تعددية تعترف بحقوق الإنسان دوليًا. وهذا تناقض قبيح وازدواجية مخزية بالتأكيد. أو كبعض النظم الدكتاتورية التي تتّبع هذه السياسة المزدوجة تحقيقا لمآربها في السلطة عبر الإشهار، والدعاية بالعدالة، والحرية والإصلاح الاجتماعي، ونحو ذلك، ثم ما يخالفه ويناقضه على أرض الواقع من سياسة القمع والتلفيق والتضييق. وعمومًا في كلا الصنفين نجد ذلك، فليس من الرشيد أن نجعله حكما مطلقا ودائما. فنجد أن الكثير أيضًا من رافعي لواء التسامح والتعددية ومناصرة الحقوق الإنسانية العامة بدعوى الليبرالية كمذهب اجتماعي، يناقضون أنفسهم بممارسة الازدواجية في التعامل مع الآخرين بإقصائهم وإبعادهم، مما يدل عن عنصرية وتعصب أعمى بناءً على قضايا شخصية وحزبية ونحو ذلك ليس إلا.

وبالعودة للفئة الأولى، الذين يرفضون التعددية من ناحية حين لا تتحقق مصالحهم، حتى لو كان النظام الاجتماعي الذي يقبعون تحته هو نظام متعدد (ويكون غير متعدد بالتأكيد، ولكن إظهار وجه التناقض والازدواجية يكون في الأول أكثر)، وقد يكونون كارهين لتعددية نظامهم من غير وعي وعلم، ولولا تعددية نظامهم ربما لم يكن لهم هوية في الأصل، أو عوائد اجتماعية يستحقها أي فرد كإنسان بغض النظر عن الإختلافات الثقافية والعرقية والمذهبية. ومن ناحية يقبلون التعددية حين تتوافق مصالحهم مع أي نظام أو نموذج يتسم بالتعددية. وإن كان هذا لا يخلو منه أي نظام، أي تقبُّل التعددية بشكل مطلق، فأي نظام مهما كان يتسم بها لا بد عنه أن يقيد تحركات أفراده بشكل مقنن أو يضع حدودًا لمنع الخطر ودفعه وقوانين لجلب المنفعة الخاصة به.

على سبيل المثال وبشكل مقتضب، نلاحظ كيف أن الكثير يريد الليبرالية كمنهج في السياسة وحتى في الحياة الاجتماعية وذلك حاصل بالطبع، وإن لم يكن بشكل كلي، وكيف لا يريدها كمنهج للفكر والفلسفة. وذلك حاصل لأن القيم الليبرالية تتخلل جميع المجتمعات المدنية بتأثير العولمة وآثارها من الحداثة والتقدم وخلافه، فنرى أنهم يريدونها بالفعل ويدعون إلى الليبرالية، وإن لم يكن ذلك بشكل صريح ومباشر أو حتى معلوم لديهم، أي أنهم يدعون إلى القيم الليبرالية، وهم لا يعلمون أنهم يفعلون ذلك بدعوى أنه يجب تبني قيم حقوق الإنسان والتيارات النسوية ومناهج العلم والتربية الحديثة وتطبيقاتهما وما شابه ذلك، بينما نرى أنهم على الجانب الآخر ما يزالون متمسكين بالقيم المحافِظة في الفكر والفلسفة، ونرى أحيانًا أنهم يخلطون بين القيم الليبرالية والمحافِظة من غير علم في الحياة الاجتماعية بالذات، مما ينتج ازدواجية يتخللها عدم مصداقية ووضوح باتباع منهج للفكر والاجتماع. وذلك لأن جزءًا كبيرًا من النظام الاجتماعي والسياسي وما ينضوي تحته من سلوك للأفراد وتفكيرهم يتبع المنهج الفكري والفلسفي في النهاية، وهنا يكمن وجه التناقض والازدواجية.

والسؤال الذي يراود بعضنا هو ما الذي يجعل هؤلاء، وأقصد هنا كلا الصنفين من اليمينيين واليساريين، يتعاملون مع المعايير أو مع الحالات والظروف الاجتماعية بشكل مزدوج؟ أي لا يمكن تحديد منهجيتهم ضمن فلسفة معينة وواضحة، على الرغم من أن الأيديولوجيا التي يتبعونها لا تقبل التعدد بالنسبة لليمينيين، أو التي تكون متسمة بالتعددية حتى بالنسبة لليساريين، ولكن نجدهم أيضًا يتعاملون بنفس الازدواجية مما يخلق تناقضًا وعدم منهجية محددة (بغض النظر هنا عن تعددية نظامهم الاجتماعي أو عدم تعدديته لأن كلتا الفئتين تتواجد في هذين النظامين على حد سواء)، أعتقد أن الجواب يرتكز على عدة نقاط، أولها هو أيديولوجيتهم نفسها، لأنها إما أن تكون غير محددة المعالم وغير واضحة، أي هي قائمة على فلسفة مشوشة ومضطربة، فهم في هذه الحالة غير مدركين لمعالمها بسبب اضطرابها فتكون طريقة تفكيرهم، وما يتبعها من سلوك متناقض ناتج عن هذا الاضطراب وضبابية المنهج، والنقطة الأخرى أن تكون محددة المعالم وفق فلسفة معينة، ولكنهم جهلاء بها لدرجة تدفعهم إلى التعامل مع المعايير والأحكام بشكل مزدوج.

والصحيح هو أن الرأيين يشتركان في جزء من الصواب، لأنه لا أظن أن تكون محددة ومضبوطة على فلسفة واضحة، وفي حين أنهم تربوا تحت كنفها وتشربوا من تعاليمها وكانوا على وعي جيد بآثارها الإيجابية والسلبية على حد سواء، ويكون ذلك أحيانًا، أي على علم بسلبياتها أيضًا، ثم يقومون باتباع الازدواجية تلك والتي تخالفها من جانب وتوافقها من جانب آخر. وغالبًا ما يكون ذلك بسبب الجهل، وبسبب إقصاء وإغفال المعايير المنطقية والخُلقية والعلمية عن طريق الحكم والتعلم. أما النقطة الثالثة أن يكون ذلك ناتجًا من ناحية أخرى عن عمد وقصد بشكل ممنهج ومخطط كالسياسة الأمريكية إزاء القضية الفلسطينية والنظم الدكتاتورية نظرًا لما يخدم قضايا ومصالح خاصة كما سبق.

خاتمة، نرى في النهاية أن الجهل هو الحلقة التي تربط هذه المساوئ بين بعضها من الإزدواجية التي تخلق التناقض وعدم المصداقية في التعامل مع المعطيات والمعايير ويكون له صلة بها. أو إما أن يكون ذلك منهجية متبعة ومقصودة عن عمد وتخطيط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد