تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام في العراق حتى بات يتصدر المرتبة الرابعة دوليا بهذا الشأن، وهو ما دفع بمنظمات حقوقية كالعفو الدولية لوصف المشانق في العراق بمسالخ البقر، فيما أكدت هيومن رايتس ووتش تلك الإجراءات بأنها انتقامية، وأن القضاء في العراق معطل؛ حيث لا يتم فيه التحقق من الإفادات المنتزعة من المتهمين تحت التعذيب ليصدر حكم الإعدام خلال جلسة لا تتجاوز 10 دقائق، أما جامعة الأمم المتحدة للبحوث الأكاديمية فقد أكدت خلال دراسة حديثة لها أن جهاز القضاء فاشل.

هذه الإجراءات فضلًا عن توقيتها الذي يصادف أحداث عايشتها قبل نحو سبعة أعوام حين كنت معتقلًا، وهي إعدام 15 شخصًا اتهموا بما أطلق عليه آنذاك بجريمة عرس الدجيل، ألهمت ذاكرتي للإفصاح عن مشاهداتي وما وثقته من حقائق عبر حوارات وجلسات مع عدد من المتهمين بتلك القضية داخل سجن مطار المثنى نهاية عام 2011، وتحديدًا مع فراس الجبوري.

في السابع عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2011  سيق بي وعدد من زملائي الصحافيين بتهمة العمل على إثارة الطائفية والتحريض على العنف في تناول الأخبار وكتابة المقالات، فكانت المحطة الأولى لنا هو سجن مطار المثنى وسط العاصمة بغداد والمرتبط بشكل مباشر بمكتب رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، والذي كان مركزًا للتحقيق، حيث شاهدت فيه ما يمكن أن يقال عنه يشيب له رأس الولدان، شيوخ وأطفال، معوقون ومرضى، بل حتى رأيت شابًا أعمى اعتقل بتهمة إطلاق نار على قوات أمريكية في مدينة حديثة بمحافظة الأنبار.

قضيت 45 يوما في القاعة رقم واحد داخل السجن، والتي كانت تكتظ بنحو 250 معتقلًا في مساحة لا تتجاوز الـ100 متر مربع، حيث كنا ننام متراصين على جنوبنا، نضع قطع من كارتون الصناديق لتفصل بيننا خجلًا وحياءً، وحين يجن الليل كنت أسمع صوت أشخاص احتجزوا في سجون انفرادية لا تفصل عنا سوى خطوات، ولكن بعد نحو 10 أيام من دخولي سجن المطار تم نقل المحتجزين من تلك المحاجر إلى داخل قاعتنا، وهو ما أتاح لي التعرف عليهم عن قرب، والذي تبين بأنهم كانوا معتقلي (جريمة عرس الدجيل) كما أطلق عليها.

خمسة عشر شخصًا هو عدد المتهمين بارتكابهم هذه المجزرة التي قيل إن أحداثها وقعت عام 2006 بمنطقة التاجي بضواحي بغداد الشمالية بحسب ادعاء الحكومة التي لم تستطع أن تقدم أدلة وإثباتات سوى اعترافات متلفزة بثتها قنوات تابعة لحزب الدعوة الحاكم لعدد من المتهمين، والتي كانت أقوالهم بحد ذاتها تعد إدانة تثبت تلفيق قضية لا أصل لها، بل بعض أقوال المتهمين كانت بمثابة براءة لهم لعدم تطابق اعترافاتهم مع فقرات كشف الدلالة التي أفصح عنها الناطق الأمني حينها اللواء قاسم عطا الذي قدم عبر التلفزيون نداءً إلى ذوي ضحايا عرس الدجيل للاتصال بالأجهزة الأمنية وتقديم شكواهم؛ وهو ما يعني أنه حتى تلك اللحظة، ورغم ما قيل عن اكتمال التحقيقات وبث الاعترافات، فلم تحدد هوية عائلات ذوي الضحايا، ولم يتم التعرف عليهم، أو حتى الاتصال بهم.

إذاعة هولندا العالمية حاولت جاهدة حينها عبر فريق صحافي استقصائي العثور على أي خيط يوصل إلى أي من أهالي الضحايا دون جدوى، بل ما حصلت عليه هو تأكيد عدد من سكان الدجيل نفيهم القاطع وقوع هكذا جريمة، فيما استدلت الإذاعة من بين ما استدلت به على أن القضية كانت مفبركة هو عرض التلفزيون الرسمي في بغداد لمشاهد فيديو قدمها أثناء استجواب المتهم الرئيس في القضية فراس الجبوري على إنها لقطات للجريمة ذاتها، إلا أن المقاطع المصورة كانت تخالف جذريًا الرواية الحكومية وفقًا للإذاعة نفسها.

في الأول من يوليو (تموز) وبعد مرور أكثر من شهر على الإعلان عن الجريمة، توجه وفد برلماني يضم النائبين: فائزة العبيدي، وحيدر الملا، إلى قضاء الدجيل للاستفهام عن الحادثة، فإذا بأحد شيوخ العشائر الحاضرين، قال إن جريمة العرس لم تحصل أصلًا، وهنا تدخل سياسيون تابعون لحزب الدعوة وافتعلوا شجارًا تطور لاشتباك بالأيدي واعتداء على الوفد بالضرب بالكراسي، وشتمهم بألفاظ نابية بحسب النائب الملا، ليعود الوفد إلى بغداد دون التمكن من اعتماد شهادات توثق نفي وقوع الجريمة.

طوال شهر وأنا اسمع ليلًا أنين فراس الجبوي فيما يحاول جاهدا كتم صوت بكائه وآهاته عن الجميع رغم يقيني بحاجته الماسة لأحد يبوح له عن آلامه لعله يخفف عن كاهله كتلة الهم والغم التي كان يعيشها، وبرهان ذلك هو ما حدث حين علم باني صحفي وكيف شدني من يدي واستحلفني أن أكون مؤتمنًا على إيصال ما لحق به من ظلم للناس والرأي العام حال شاء الله أن يُطلق سراحي، قص لي بعض ما جرى، وحكا كيف تم تعذيبه والمتهمين الآخرين معه ليوقعوا على اعترافات لم يقروا بها بشأن ارتكابهم مجزرة ضد مدنيين، وصف لي كيف كانت تربط أقدامهم بحبال، ثم يتم سحبهم بمركبات عسكرية على طريق أسفلتي داخل السجن، ولا يتم تركهم إلا بعد أن يغمى عليهم من شدة الألم، صعقت مناطق حساسة في أجسامهم بالكهرباء، علقت أجسادهم ورفعت من أيديهم لساعات حتى خلعت عن أكتافهم، كان الحرس يأخذهم أول الليل ويربطهم من معصم أيديهم على السياج الخارجي حتى ينهاروا من شدة التعب، أما أسوأ وأبشع طرق التعذيب التي تحدث عنها هي ما يطلق عليها بالحجلة، حيث يمدد المعتقل على ظهره وهو معصوب العينين وموثوق اليدين على سرير معدني مرتفع وتمرر قدميه حتى ركبتاه بين قضبان السرير، بعدها يتم رفعه وطي جسده على بطنه؛ ليتولد ثقل هائل على مفاصل رجليه وعموده الفقري فيكون الصراخ بأعلى صوت هو المتنفس الوحيد من شدة الأذى.

في أحد الأيام، وبينما كان فراس الجبوري يقص علينا بعض ما جرى له ورفاقه، كان هناك معتقل جديد يراقب حديثنا بصمت، وقد جيء به قبل بضعة أيام وهو قيادي في جيش المهدي التابع لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، حيث ألقت قوات الجيش العراقي القبض عليه بعد أن عثرت بحوزته على قذائف كان ينقلها بسيارته إلى البصرة لقصف معسكر أمريكي هناك حسب تأكيده، دقائق وإذا بهذا القيادي المعتقل يكسر سردية حديث فراس الجبوري الذي كنا ننصت له بهدوء، فصرخ قائلًا: يا فراس هل تعلم أن حتى العجوز بائعة الخضار على الرصيف في مدينتنا ترفع يداها كل يوم وهي تدعو الله أن تراك معلقًا من رقبتك بسبب ما سمعناه عنك في الإعلام، وكيف أظهرك وكأنك وحش دموي، ثم أكمل قائلًا: والله إننا مغفلون، وأقسم بأني حال خروجي سأقول للناس بأن فراس الجبوري وجماعته أبرياء أبرياء بعد ما سمعته منك خلال هذه الأيام، عم الصمت في القاعة رغم امتلائها بمئات المعتقلين، نظرت إلى فراس الجبوري، وإذ عيناه قد اغرورقت بالدمع، وهو يقول الحمد لله على كل حال.

أكثر ما آثار حنقي وزرع الرعب في قلبي وأنا على علم بأني على موعد في أي لحظة لأقف أمام المحكمة، هو ما قاله الجبوري وكيف أن القاضي الذي تلا عليهم حكم الإعدام كان يضع الهاتف على أذنه وكأن شخصًا في مكان ما كان يلقنه قراءة الحكم، وأكد أنه لم يُسمح لهم أن يتكلموا ويدافعوا عن أنفسهم، بل قال: إننا الخمسة عشر المتهمون، وبينما نحن مصطفون في المحكمة كنا نتبادل النظرات باستغراب، فلا أحد منا يعرف الآخر، ولا صلة تربطنا من قبل ببعض، سوى تلك اللحظة التي جمعتنا خلالها تهمة مجزرة عرس الدجيل.

تم نقلنا إلى سجن أبو غريب غربي بغداد بعد شهر تقريبًا، ليصلنا خبر تنفيذ الإعدام بتاريخ 24 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، بكل من فراس الجبوري وكامل المجموعة التي تضم بينهم: إبراهيم نجم عبود، وفاضل إبراهيم، ونجله حكمت فاضل إبراهيم، وحيدر متعب عبد القادر، وسيد حمادي أحمد، وسفيان جاسم محمد، حيث نال الحكم الدرجة القطعية وفقًا لتهمتين: الأولى قتل مجموعة من بائعي قناني الغاز قادمين من مدينة الصدر ومتوجهين إلى معمل الغاز في بلدة التاجي. والثانية هي جريمة عرس الدجيل. وأكثر ما آلمنا هو نبأ وفاة حيدر متعب بالسكتة القلبية قبل وصول سيارة المحكومين لمحل تنفيذ حكم الإعدام؛ حيث لم يتحمل الصدمة على ما يبدو، فيما سارعت منظمة العفو الدولية آنذاك بإصدار بيان أدانت فيه تنفيذ الحكم بعد أن أبدت شكوكها حول تطبيق شروط المحاكمة العادلة في العراق.

كتب الكثير من المقالات والتحقيقات بشأن ملابسات قضية جريمة عرس الدجيل، ولا حاجة للخوض بتفاصيلها وما ساقه البعض من أدلة للتشكيك بها، ولكن ما يجب أن يسلط عليه الضوء هو لما أخذت هذه الحادثة كل هذا الحجم الإعلامي حينها، وما سبب كون المتهم الرئيس فيها هو فراس الجبوري، ومن الواضح أن الأمر أخذ طابع التوظيف السياسي، فالعاصمة بغداد ومدن عراقية أخرى كانت تشهد آنذاك تظاهرات شعبية تطالب بإصلاح النظام السياسي وتحسين الخدمات العامة ومحاربة الفساد، ووفقًا لبيان صادر عن منظمة هيومان رايتس ووتش فقد تعاملت حكومة نوري المالكي مع تلك الاحتجاجات بقوة وعنف، فيما لم يترك قياديو حزب الدعوة الحاكم وسيلة لصرف الأنظار والتصدي لاتساع رقعة الاعتصامات الشعبية إلا ولجأوا إليها، فوقع الاختيار خلف الكواليس على فراس الجبوري الذي كان أحد أبرز الناشطين في تلك التظاهرات، فضلًا عن كونه شغل منصب مدير قسم المعتقلات في منظمة معنية بحقوق الإنسان تابعة لحركة الوفاق التي يتزعمها إياد علاوي، والذي يعد أكثر الخصوم السياسيين للمالكي.

قضية عرس الدجيل لم تكن سوى واحدة من آلاف القضايا التي كان من الواضح فيها أن الصراع السياسي بين الأحزاب هو المحرك الرئيس الذي ولد قاموس من المظلوميات التي دفع الأبرياء فيها حياتهم ثمنًا لها وما زالوا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد