المشهد الاقتصادي والسياسي للغزو الروسي لأوكرانيا

دخل الغزو الروسي لأوكرانيا شهره الثالث، ومن الواضح أن بوتين لن يوقف الحرب حتى تحقيق هدفه الرئيسي: السيطرة على المدن الكبرى والإطاحة بالحكومة الأوكرانية. لكن هدف بوتين أبعد من ذلك. في مقالة نشرها (12/7/2021) يلوم بوتين الاتحاد السوفيتي على منح الشعب الأوكراني حق الاستقلال، وعده خطأ تاريخي يجب أن يصحح. يطلق بوتين على أوكرانيا مصطلح كراي أي الأرض! ويصفها بالدولة المصطنعة.

لكن المقاومة الشجاعة للجيش الأوكراني عرقلت تحقيق تلك الاهداف حتى الآن. ولم تصل المفاوضات بين الطرفين بعد إلى حل أو اتفاق. تواصل القوات المسلحة الروسية تضييق الخناق حول المدن مع زيادة عدد القتلى والجرحى. من الواضح أن هناك ما هو أسوأ في حال استمرت الحرب على الوتيرة نفسها. ردت الولايات المتحدة وأوروبا بسلسلة من العقوبات الاقتصادية التي استهدفت التجارة الروسية والمؤسسات المالية والمسؤولين الحكوميين. حيث جرى طرد البنوك الروسية من نظام المعاملات الدولية، وتجميد الأصول الدولارية للبنك المركزي الروسي.

لنكن واضحين من البداية، الغزو الروسي لأوكرانيا غير قانوني. إنه انتهاك لميثاق الأمم المتحدة ويصل إلى حد العدوان بموجب القانون الدولي. كما أنه يتعارض مع الضمانات التي أعطتها روسيا لأوكرانيا بموجب مذكرة بودابست لعام 1994، عندما التزمت روسيا باحترام سيادة البلاد وحدودها مقابل تسليم كييف أسلحتها النووية.

الوضع الاقتصادي في أوكرانيا

لم تتعافَ أوكرانيا اقتصاديًّا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1990 وما بعده، ثم الأزمة الاقتصادية العميقة في أوكرانيا في 2013-2014، والتي أدت في النهاية إلى إطاحة الحكومة المنتخبة والموالية لروسيا من خلال ما يسمى بثورة الميدان (سميت على اسم الساحة الواقعة في وسط العاصمة الأوكرانية كييف). ردت روسيا على سقوط تلك الحكومة بضم شبه جزيرة القرم ودعمت الانتفاضات في المقاطعات ذات الأغلبية الناطقة بالروسية في شرق أوكرانيا (17% من 44 مليون أوكراني يتحدثون الروسية). تلا ذلك أزمة اقتصادية. بعد ذلك، تحسن الوضع إلى حد ما، لكن النمو الاقتصادي لأوكرانيا ظل منخفضًا نسبيًّا؛ لم يرتفع متوسط الأجور الحقيقية خلال 12 عامًا وانخفض بشكل كبير خلال أزمة 2014.

لم يكن الأداء الاقتصادي لأوكرانيا بين عامي 1990 و2017 أسوأ من أداء جيرانها الأوروبيين فحسب، بل كان أيضًا خامس أسوأ أداء في العالم. بين عامي 1990 و2017، كان هناك 18 دولة فقط ذات نمو تراكمي سلبي، وحتى في ضمن المجموعة الاخيرة، هبطت أوكرانيا في المرتبة الثالثة، إلى جانب جمهورية الكونغو الديمقراطية وبوروندي واليمن.(تقرير البنك الدولي للتنمية 2021).

ثلاثة عوامل أنقذت أوكرانيا من الانهيار التام خلال أزمة الديون والعملة لعام 2014. أولًا، تخلفت عن سداد الدين العام المستحق لروسيا. ثانيًا، لجأت حكومات ما بعد الميدان إلى أوروبا للحصول على الدعم وشرعت في سلسلة من عمليات الإنقاذ حسب توصيات صندوق النقد الدولي.

وثالثًا، فرضت الحكومة برنامجًا تقشفيًّا في الخدمات العامة ودعم الرعاية الاجتماعية. أوكرانيا مدينة لروسيا بثلاثة مليارات دولار، وهو ما يمثل أكثر من 10% من احتياطياتها من النقد الأجنبي. وسداد هذا الدين من شأنه أن يزيد عجز التمويل الخارجي لأوكرانيا بأكثر من الضعف. يتم سد هذه الفجوة حاليًا بموارد صندوق النقد الدولي، في حين أن أوكرانيا «تتفاوض» مع روسيا بشأن «إعادة هيكلة الديون» بوساطة ألمانية ومع قطعها العلاقات مع روسيا منذ عام 2014 اعتمدت الحكومة الأوكرانية على الغرب أو اضطرت إلى الاعتماد عليه من خلال الاقتراض من صندوق النقد الدولي لدعم العملة المحلية على أمل في تحقيق بعض التحسن الاقتصادي.

وفقًا لمؤشر جيني (الذي يقيس عدم المساواة في الدخل) هو الأدنى في أوروبا. هذا جزئيًّا لأن أوكرانيا فقيرة جدًّا: طبقة وسطى غير موجودة تقريبًا. في غضون ذلك ، يخفي الأثرياء دخلهم وثروتهم ولا يدفعون ضرائب قليلة أو لا يدفعون أي ضرائب. حيث «اقتصاد الظل» ضخم جدًّا، مما يجعل ثروة ودخل 10% أكبر 40 ضعفًا من ثروة الأوكرانيين الأشد فقرًا. في تقرير السعادة العالمي الحالي، تحتل أوكرانيا المرتبة 110 من إجمالي 149 دولة، وهي أقل من العديد من دول أفريقيا جنوب الصحراء.

كلف الصراع مع روسيا أوكرانيا خسائر فادحة، حتى قبل اندلاع الحرب الحالية. وفقًا لمركز البحوث الاقتصادية والتجارية، ستكون خسارة الناتج المحلي الإجمالي 280 مليار دولار على مدى ست سنوات (2014 إلى 2020)، أو 40 مليار دولار سنويًّا.

أدى ضم روسيا لشبه جزيرة القرم إلى خسارة سنوية قدرها 8.3 مليارات دولار بينما أدى الصراع المستمر في دونباس إلى حرمان الاقتصاد من 14.6 مليار دولار سنويًّا. نتج من كلا الصراعين وحدهما منذ عام 2014 102مليار دولار.

كان للصراع تأثير كبير في الاقتصاد الأوكراني، بما في ذلك تقويض ثقة المستثمرين. وهذا بدوره أدى إلى خسارة 72 مليار دولار، أو 10.3 مليارات دولار في السنة. وبسبب التراجع المطرد في الصادرات، ارتفعت الخسارة الإجمالية إلى 162 مليار دولار بين عامي 2014 و2020. يبلغ إجمالي الخسائر في الأصول الثابتة في شبه جزيرة القرم ودونباس بسبب تدمير أو تلف الأصول 117 مليار دولار.

بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبعد حصول أوكرانيا على الاستقلال الرسمي في عام 1991، استغل الأوليجارشيون أصول البلاد ومواردها مع تأرجح الحكومات الفاسدة ذهابًا وإيابًا بين روسيا بوتين والاتحاد الأوروبي. لكن منذ انتفاضة ميدان ضد الحكومة الموالية لروسيا، سيطر القوميون المتطرفون (وبعضهم من الفاشيين الصريحين). على سبيل المثال، حظرت الحكومة تدريس اللغة الروسية في المدارس. كما أنها تريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وخاصة حلف شمال الأطلسي من أجل استعادة الأراضي التي ضمتها روسيا أدرج هذا المطلب في الدستور.

أوكرانيا موضوعًا جديدًا للتدخل الامريكي في أوروبا

وفق المنطق الأمريكي يعد الغزو الروسي لأوكرانيا خاضعًا لمبدأ الواقعية السياسية، ذاتها التي أدت الى ازمة الصواريخ الكوبية عام 1962. منذ إدارة كلينتون عمدت الولايات المتحدة إلى توسع الناتو شرقًا، حيث ضمت عام 1999 بولندا والتشيك والمجر إلى حلف الناتو، وفي عام 2004 جرى قبول ثلاث جمهوريات سوفيتية سابقة في حلف الناتو لاتفيا وأستونيا وليتوانيا. في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 وقعت الولايات المتحده وأوكرانيا ميثاق شراكة إستراتيجية.

لم تكن إستراتيجية الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا تهدف أبدًا إلى جعلها أكثر أمانًا لكن ضمان استمرار دورها المركزي في الشؤون الأمنية الأوروبية. لن نجد أكثر تعبيرًا عن دور الناتو في أوروبا من وصف أو أمين عام لحلف الناتو اللورد إسماي «إبقاء الاتحاد السوفيتي خارجًا، والأمريكيين في الداخل، والألمان تحت السيطرة».

طالبت الولايات المتحدة الأمريكية في التحقيق في جرائم الحرب الروسية في أوكرانيا من قبل المحكمة الجنائية الدولية، لن يجدي نفعًا، وخاصة بعد قرار المدعي العام الأخير كريم خان بإلغاء الأولوية، أي إسقاط تحقيقه في جرائم الحرب الأمريكية في أفغانستان. بعد حملة من الهجمات على موظفي المحكمة من قبل إدارة ترامب، حيث وضعت المدعية العامة السابقه واحدًا من مساعديها على قائمة العقوبات الأمريكية، ألغت إدارة بايدن هذه الإجراءات  في أبريل 2021. (وفق مركز الحقوق الدستورية).

في حين أن هناك مبادئ مهمة للغاية على المحك – سيادة أوكرانيا، وقانون الحرب، بما في ذلك القانون الإنساني الدولي، والالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان، وحقوق الأقليات في الدول متعددة الأعراق أو متعددة الأديان – لا تلتزم روسيا والولايات المتحدة بعالمية هذه المبادئ.

تتحدث كل من روسيا والولايات المتحدة عن الصراع في أوكرانيا بعبارات عامة. يتحدث الرئيس فلاديمير بوتين عن «محاربة النازية» و«نزع السلاح»، بينما تقول الولايات المتحدة إن موقفها ينبع من إيمانها بعدم انتهاك السيادة الوطنية وأهمية الحفاظ على النظام العالمي القائم على القواعد. ومع ذلك، فإن هذه المبادئ لا تنطبق أبدًا على حالات الاحتلال والعدوان الأجنبي الأخرى حيث تحدث انتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.

على سبيل المثال، عندما تحدث وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين ضد الإجراءات الروسية في أوكرانيا المحتلة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يوم الثلاثاء، انتقد بلينكين مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لإخضاع الإجراءات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة للنوع نفسه من التحقيق التي طالبت به الولايات المتحدة أن ينطبق على روسيا! متهمًا المجلس بـ«التحيز ضد إسرائيل».

واشنطن التي دفعت إلى الحرب في أوكرانيا – والتي وضعت عضوية الناتو في المقدمة، «بناءً على ما أعلنه مجلس شمال الأطلسي التابع لحلف شمال الأطلسي في قمة بوخارست في 3 أبريل (نيسان) 2008 وكما تم تأكيده في بيان مجلس شمال الأطلسي التابع لحلف شمال الأطلسي في بروكسل في 14 يونيو (حزيران) 2021، تدعم الولايات المتحدة حق أوكرانيا في تحديد مسارها المستقبلي في السياسة الخارجية، بعيدًا عن التدخل الخارجي، بما في ذلك ما يتعلق بتطلعات أوكرانيا للانضمام إلى الناتو». جاء الغزو الروسي لبقية أوكرانيا بعد 13 أسبوعًا.

 لا شيء مبدأي في هذه الحرب، الصراع الأوكراني هو النتيجة المؤسفة للصراع بين قوتين عظميين لهما طموحات مستمرة للهيمنة – إحداهما تنتقم (روسيا) وتستهدف «جيرانها القريبين» والأخرى (الولايات المتحدة) تهدف إلى استعراض قوتها عالميًّا.

إن حرب بوتين ليس بأي حال من الأحوال ضد هيمنة رأس المال المالي ومؤسساته الدولية. ليس اشتراكيًّا يخوض صراعًا أيديولوجيًّا ضد هيمنة دولة مجاورة. إنه مهتم فقط بأمن روسيا: فهو لا يريد أن تُحاط روسيا بحلف شمال الأطلسي. وقدم عرضه لمساعدة يانوكوفيتش بدلًا من «الدعم» من صندوق النقد الدولي لهذا السبب بالذات.

 بذلك أصبحت أوكرانيا ضحية في تلك المواجهة بين الإمبريالية الغربية والرأسمالية الروسية التوسعية. مثلما تعاني جميع الدول الصغيرة في المواجهات الجيوسياسية، حيث تتشابك السياسة بالاقتصاد.

آفاق الحل السياسي

يعد الانسحاب الروسي عنصرًا ضروريًّا لأي حل، لكنه لن يكون كافيًا بمفرده ما لم تلتزم الولايات المتحدة وروسيا بضمان حياد أوكرانيا.

تاليًا، لا يمكن توقع قبول أوكرانيا بالحياد إلا إذا توقفت روسيا عن التشكيك في حق أوكرانيا في الوجود دولةً بحدودها الحالية.

بعد غزو أوكرانيا، يعد الحديث عن نزع السلاح الأوكراني غير واقعي، لكن أيضًا يجب النظر في أنظمة الدفاع الصاروخي الباليستية في بولندا ورومانيا – التي تدعي الولايات المتحدة أنها لمواجهة تهديدات من «الدول المارقة» مثل إيران، ولكنها تثير مخاوف روسيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد