تتوالى الدراسات التي تتحدث عن ثروات الدول العربية دون استثناء، والتي شاع خلال السنوات التي سبقت الثورات بأنها لا تملك ما يكفيها للنهوض، لتأتي هذه الثورات وتطفي على السطح حجم الكوارث الاقتصادية التي وضعها فيها أنظمة الدول العربية من خلال سوء إدارتهم وانتشار الفساد والتبعية الإقليمية والدولية لتلك الأنظمة وسياسييها، وليس لأنها لا تملك من المقومات البشرية والثروات ما يجعلها في مقدمة دول العالم المتحضرة بل والغنية، ولتحل جائحة فايروس كورونا ضيفًا ثقيلًا على الشعوب العربية وتزيد الوضع الاقتصادي للبلدان تأزمًا.

فلبنان التي كانت توصف بأنها أوربا الشرق يعيش شعبها ويلات عهر السياسة والفساد وسوء الإدارة.

ورغم الحديث عن الطاقة النظيفة والبديلة فإن النفط والغاز ما يزالا غاية الدول الصناعية والمحركين الأساسيين لها، فماذا تملك لبنان منهما؟

تحتوي المياه الإقليمية اللبنانية على أكثر من 123 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وحوالي 35 بليون برميل نفط خام بحسب دراسات رسمية أشار إليها نائبًا في البرلمان اللبناني عام 2016م.

ولكن المناكفات السياسية والطائفية بين الفرقاء اللبنانيين والخلاف مع دولة الاحتلال لترسيم الحدود البحرية يقف حائلًا دون الوصول للاستثمار الأمثل في هذا القطاع المهم، ويضاف إلى ذلك عدم امتلاك لبنان لشركات تنقيب واستخراج محلية يمكنها القيام بتلك المهمة، وعزوف الشركات العالمية عن الاستثمار والتنقيب لتخوفها من اعتداءات الاحتلال إذا ما تصاعد التوتر بين حزب الله والكيان الصهيوني.

ومن جانب آخر يعد استخراج النفط اللبناني أقل كلفة من استخراج المملكة العربية السعودية وقطر للنفط، حيث يكلف استخراج برميل النفط في تلك الدولتين بين 10 إلى 12 دولارًا للبرميل، أما لبنان فلا يمكن أن يتجاوز 7 دولارات للبرميل الواحد كأقصى تقدير بحسب خبراء.

وهذه الكميات الضخمة من الثروات الباطنية كافية لتمويل الحكومة اللبنانية والنهوض بالبلاد إذا ما استثنينا القطاع السياحي الذي كان يدر على لبنان مليارات الدولارات.

لبنان ستستورد طاقتها في ظل معاناة القطاع الصحي والوضع المعيشي المقيت

تعيش لبنان في هذه الفترة شحًا شديدًا في المحروقات مما تسبب برفع أسعاره وإقرار المصرف المركزي اللبناني رفع الدعم عن المحروقات، ليصبح ويمسي لبنان في وضع اجتماعي واقتصادي كارثي يشمل كل القطاعات، ليستدعي ذلك عقد اجتماع أربع دول في الثامن من الشهر الحالي، وهي لبنان ومصر والأردن وسوريا، لتزويد لبنان بالغاز المصري والكهرباء من الأردن عبر الأراضي السورية، إلا أن جهوزية البنية التحتية اللازمة لاستجرار الغاز المصري عبر سوريا إلى لبنان يحتاج إلى وقت، وذلك بحسب ما صرحت به وزيرة الطاقة الأردنية.

أما عن الكهرباء والتي تعاني منها لبنان منذ سنوات جاءت هذه الأزمة لتزيد من معاناة هذا القطاع وتغلق أكبر محطتين لتوليد الكهرباء في لبنان واللتين كانتا توفران 40 بالمئة من الكهرباء، بسبب شح المحروقات اللازمة لتشغيلها.

ولأن المصائب لا تأتي فرادى فقد أطلق القطاع الصحي في لبنان نداءه الأخير في وجه أصحاب القرار في لبنان، حيث يعاني القطاع الصحي من شح في مادة المازوت اللازمة لتشغيل المولدات، ناهيك عن ندرة الأدوية والمستلزمات الطبية بسبب تأخر المؤسسات الضامنة في تسديد المستحقات الموجبة عليها منذ 10 سنوات والتي تجاوزت 2000 مليار ليرة لبنانية.

فلبنان اليوم يعيش حالة انعدام الأمن الدوائي والصحي، حيث أصبح 93 بالمئة من الأدوية في لبنان هي أدوية مستوردة ولكن الاستيراد متوقف بشكل شبه كامل بحسب ما أوضحت نقابة مستوردي الأدوية، ليصرح بعدها نقيب المستشفيات أن لبنان أمام كارثة صحية.

أما عن الوضع المعيشي فالمواطن اللبناني يعيش ضمن سوق سوداء وأسعار متخبطة للمنتجات بشكل عام، فمادة الخبز أصبحت تباع بأكثر من ثلاثة أضعاف سعرها الرسمي في السوق السوداء نتيجة لإقفال 50 بالمئة من الأفران أبوابها بسبب شح المحروقات اللازمة للتشغيل.

وتحدثت منظمة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا أن نسبة الفقر في لبنان تضاعفت من 55 بالمئة خلال عام 2020م، إلى 74 بالمئة خلال العام الحالي 2021م ليعتبر البنك الدولي أن ما تعيشه لبنان هو كارثة اقتصادية لم تشهد مثلها البلاد منذ عام 1850م، وصرح أن التعليم والأجيال الصاعدة في لبنان في خطر.

الليرة اللبنانية تلفظ أنفاسها على وقع الحالة الاقتصادية في البلاد

لا تقل معاناة الليرة اللبنانية عن معاناة المواطن اللبناني فقد انخفضت الليرة اللبنانية خلال الأشهر الأخيرة بنسبة 20 بالمئة بحسب وكالة رويترز لتتخطى مستويات 23 ألف ليرة لبنانية لكل دولار أمريكي، ويأتي هذا الانخفاض بعدما اعتذر رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري عن تشكيل حكومة لبنانية والذي تم تكليفه من قبل رئيس الجمهورية مشيل عون بتشكيل الحكومة اللبنانية.

وقد نتج عن انخفاض الليرة اللبنانية خلال 18 شهرًا الماضية تضخمًا بأسعار المواد الغذائية وصلت فيه نسبة التضخم إلى 400 بالمئة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد