الحبُّ والاقتصاد، هل يلتقيان؟ وهل يُمكن تفسير الحُب من منظور اقتصادي؟

دعنا أولًا نوضّح أنَّ من المفاهيم المغلوطة الشائعة لدى النَّاس أنَّ الاقتصاد هو المال، لا شَكَّ أن علم الاقتصاد يحكي الكثير عن المال، فأحد أهم أهدافه هو تفسير اختلاف أسعار السلع والخدمات، لكنَّه أشمل من هذا المعنى، والأصَح أنه دراسة لجميع عمليات التبادل التي تحدُث في المجتمع.

يلزمنا الإشارة كذلك إلى أنَّ جميع نظريات الاقتصاد تقوم على افتراض وجود الرُشد الاقتصادي «economic rationality» في المُستهلك، والرُشد يعني أن المُستهلك يُقارن بين منفعة المال الذي يدفعه في شراء السلعة ومنفعة السلعة التي يشتريها، فإذا ما تجاوزت منفعة السلعة منفعة المال أو المبلغ الذي معه قام بعملية الشراء، فتختلف تلك المنفعة من شخص إلى آخر، فمثلًا إن احتاج أحدهم إلى نظارة طبية سيجد أن لها منفعة كبيرة ولن يتردد في شرائها، بينما سليمُ النظر لا يجد أية منفعة في شرائها ولن يشتريها، وانطلاقًا من هذا المبدأ، نستطيع استنتاج أن المُستهلك لديه ما يُسمّى بالمصلحة الذاتية «Self interest» وتتمركز في محاولاته الدائمة للحصول على منفعته الشخصية وحسب، بدون التفكير فيمن حوله.

جاري بيكر -أحد عظماء الاقتصاد وعلم الاجتماع في القرن الماضي- كان مؤمنًا بفكرة الإمبريالية الاقتصادية «economics imperialism» وقام فيها بعدَّة بحوث جعلته يحصل على جائزة نوبل بجدارة، وفيها وضَّح أن الإمبريالية الاقتصادية هي مدى قوة الاقتصاد في قدرته على تحليل جميع جوانب الحياة غير الاقتصادية كالزواج والعائلة والحب والقانون والجريمة والحرب وغيرهم، وهذا يُشير إلى أن كلّ جانب من الحياة يُشكّل عمليّة تبادل بين شخصين أو أكثر، كُلٌّ منهم له مُساهمته فيها، وقَطعًا ينتظر عائده منها.

قال لي أحدهم ذات يوم: «الحُبّ أن تُحب ولا تنتظر مُقابلًا لحُبك، أنت تُحبّ لنفسك وليس لهم، فلا تحزن»، لم أقتنع بهذا الإيمان وإن كنت استحسنته لجمال معناه، لكن زاد عدم اقتناعي حين اكتشفت مع الوقت أنه لم يكُن يؤمن به؛ وإنما قال ما قال في لحظة فلسفية بحتة كانت تطلب منه قول ذلك، الحبّ يحتاج لمُقابل بلا شك، فهو -كغيره- عمليّة تبادل تتطلب إعطاءً وأخذًا، فضلًا عن ذلك، تتطلبُ وجود الإيثار والرغبة في إسعاد الغير، هذان المصطلحان إن نظرنا إليهما بمنظور اقتصادي، سنجدهما في تبايُن مع مفهوم الرُشد السابق ذكرُه، فمن يُريد الدخول في علاقٍة ما، سيطمعُ أن تكون منفعة هذه العلاقة أكبر من الجُهد الذي سيبذله فيها، وهذا بعيدٌ كل البُعدِ عن مفهوم الحُب والسعي وراء إسعاد المحبوب وإيثاره على النفس، لكن إن استرجعنا ما قاله آدم سميث عن مفهوم اليد الخفية «Invisible hand» في كتابه «ثروة الأمم»، سنجد أن أفضل منفعة اقتصادية للجميع يمكن تحقيقها – بطريقة غير مباشرة- عندما يتصرف الأفراد سعيًا وراء مصالحهم الذاتية، حيثُ إن العائد العام للمجتمع هو مجموع عوائد الأفراد، وكلما زاد العائد الشخصي لفرد ما، فإنه يُساهم في زيادة العائد الإجمالي للمجتمع، والحُب له التفسير نفسه، فالعوائد التي تحصل عليها فيه تتناسب طرديًا مع مقدار الوقت والإخلاص المُستثمر في هذه العلاقة، كما أن الحُبَّ الذي تكتسبه من استثمارك فيها مُرتبط بمقدار «ذاتك» الذي تستثمره، فإن استثمرت اهتمامًا وصبرًا وإيثارًا، فستحصل على جميعهم في المقابل – بل أكثر- وفي الوقت نفسه ستتحقق منفعة محبوبك بمنفعة علاقتيكما الكُليّة، لكن تذكَّر أن عوائدك يجب أن تكون -على الأقل- بمِقدار تكلفة استثمارك نفسه، فإن وجدت نفسك تحصل على أقل مما تضع، فأنت في مشروع استثماري خاسر بلا شَك.

البحث عن شريك يُكمل معك مسيرة الحياة -بالمنظور الاقتصادي- شبيه بالبحث عن عمل، فكلُّ وظيفة لها نِقاط قوَّتها وضعفها، مما يُعسّر أمر الحصول على الوظيفة المُثلى، وكذلك في الزواج، ففيه رُشدٌ اقتصاديٌ بيّن :كالمُستهلك في السُّوق يبحث عن «السلع» المُحببة إليه، أنت أيضًا تختار شريك حياتك بناءً علي معايير مُعينة تؤمن بها، فتجدها في أحدهم، فتستحسنها به، فتُقبِل عليه، فتختاره دون غيره، ثم تتفقان علي الدخول في مشروعٍ معًا.

ولكي نفهم كيفية تطبيق بعض المفاهيم الاقتصادية على الحُب، سنفترض وجود شخصين X وY. عندما يُقرر كل منهما الرغبة في الزواج، نستطيع القول إنهما طبَّقا نظرية تفضيلات المُستهلك «theory of preferences»، وهي تفضيلُ المرءِ لشيء على آخر، فيمكننا استنتاج أن X و Yيؤمنان أن نسبة الرضا «satisfaction» التي سيحصلون عليها من الزواج هي أعلى من نسبة رضاهم إن استمرا بدون زواج، ولهذا يختارانه، بعد قرار كل منهما للزواج، سيتعين على كليهما البحث عن شريك والقيام بالاختيار المُناسب، وفي اختيار أحدهما للآخر، نستطيع القول إنه سيمرُّ بما يُسمّى بتكلفة الفُرصة «opportunity cost» وهي التكلفة التي يدفعها المرء عند اختياره لشيء ما؛ فإن اخترت شريكًا لا يُحبُّ الرحلات والحفلات والأماكن الصاخبة، فتكلفة الفرصة التي ستدفعها هي عدم الخروج لأيٍ من هذه الأماكن أبدًا، وإن اخترت شريكًا لا يُحبُّ السمك، فالتكلفة أنك ستُحرَم من السمك في هذا البيت «وهذا مؤسفٌ جدًا».

وانطلاقًا من أن الزواج أشبه بالبحث عن وظيفة، فبعدَ الحصول عليها يتوجَّب عليك أن تحرص علي وجود علاقة «عمل» جيّدة وهذا لن يتحقق إلا إذا كان جميع العاملين يتشاركون الرؤية نفسها، ويُدّركون قدراتهم المُكمّلة بعضها لبعض، والمكاسب التي سيُحققها كلٌّ منهم في هذا العمل إن تَم على أكمل وجه، وكذلك في الزواج؛ فإن طبَّقنا نظرية تقسيم العمل «division of labor» وهي تقسيم إنتاج السلعة/الخدمة الواحدة إلى عدد من المراحل يهتم بكل مرحلةٍ منها عامل، وفي مُعظم الأسَر سنجدُ أن تقسيم العمل يكون بناءً على العوائد التي يحققها كلٌ من الزوجين، فمن كان نصيبه الراتب الأكبر سيهتم أكثر بالعمل السوقي الخارجي، ومن كان نصيبه الراتب الأقل فسيهتم بالبيت بنسبة أكبر من اهتمام شريكه، وذلك حفاظـًا على المنفعة العامَّة للأسرة.

وللحفاظ علي استمرارية العلاقة، يتوجَّبُ ذِكر نظرية الإنتاج «theory of Production»، وهي دراسة كيفية تحويل الموارد المتاحة والمستخدمة فِي الإنتاج «المُدخلات-Input » إلى مُخرجات مُربِحة «Output»، بلُغة الحُب يمكننا القول إن هذه النظرية تساعد على تحديد ما ينتظره كل زوجٍ من الآخر، فيُساهم كليهما في «تغذية» العلاقة، فيحصلان على «المُخرجات المُنتظرة» لكل واحدٍ منهما، قد تكون تلك «المُخرَجات» ملموسة كَأي شيء مادّي، وقد تكون غير ذلك كالوصول للسعادة الأُسريّة، وتربية الأطفال تربيةً صحيحة وجعلهم أناسًا ناجحين يُقتدى بهم في الحاضر والقادم.

معظم العلاقات هي أشبه بما يُعرف بالدورة الاقتصادية «Business cycle» وهي التقلُّبات التي تحدُث بصورة دورية في مستوى النشاط الاقتصادي، ففي بداية العلاقة يبدأ الحُب في النمو«Expansion» حتى يَصل إلى أعلى مستوياته«Peak» وهي قمّة التضحية والسعادة لكليّهما، ثُمَّ تأتي لحظةٌ يشعرُ كلٌ من الطرفين أن علاقتهما في خطر، فيبدأ حبّهما وتفاهمهما في التراجع شيئًا فشيئًا «Recession» حتى يصل إلى أقل نقطة مُمكنة وهي القاع «Trough» حيث تكثُر المشاكلُ والأزمات، في هذه النقطة تحديدًا يجب على مديري المشروع «الزوجين» تحديد ما إذا كان بإمكانهما الاستمرار في هذا المشروع أم أن الوضع ميؤوس منه بدرجةٍ كبيرة؟ فإن استطاع كل منهما الوصول لحلّ مُرضٍ للطرفين عَزما على البدء في مرحلة التعافي «Recovery» وفيها يحاول كلاهما بذل كل جَهده في إصلاح الوضع والوصول لنقطة أمان، أمَّا إن وجدا أن الحلول قد انتهت، فكان خيرًا لهما إغلاق المشروع«Shut Down» بشكل نهائي لتجنب أية خسائر إضافية.

وما قيل لا يعني أن الاقتصاد هو العِلم الوحيد الذي يُمكنه تفسير ما يدور في علاقات الحُب والزواج، وإنما تُشاركه علومٌ أخرى، لكنّه قد يُعتبر عاملًا مؤثرًا إن أوخذ على محمل الجَد، كذلك ليس بالضرورة أن يكون كُلّ من يدخل في علاقةٍ ما سيجعل هدفهُ البحث عن منفعته الشخصيّة وإن لم يجدها تنتهي العلاقة، هناك عوامل كثيرة قد تؤثر عليه قبل اتخاذ قرار كهذا وخاصةً إذا كانت العلاقة بها أكثر من شخصين، ولكننا افترضنا ما يُعرف بفرضية بقاء الأمور على ما هي عليه «Ceteris paribus» أي افترضنا عدم تدخل أية عوامل خارجية إضافية أو عدم تغيير العوامل الحالية، وتصرف الإنسان على طبيعته المُجردة من أي عوامل للربط بين النظريات بشكل أوضح، قد يتبين لك الأمرُ للحظةٍ أنه مملٌ وأن كل شيء له حسابات تخطيطية دقيقة، وأنَّ الحُبَّ شعورٌ عفويٌّ لا يحتاج إلى كُلّ هذا التفكير والتحليل! لكن إن نظرت بعيون اقتصاديّ، وفكّرت فيما قرأت للتو فستصلك الصورة كاملة، ولحديث الاقتصاد بقية إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحب
عرض التعليقات
تحميل المزيد