تزايد اهتمام الاقتصاديين باقتصاد الحرب، مع تزايد النفقات العسكرية على مستوى العالم، واشتداد النزاعات بين الدول، ونتيجة لتدخل الاقتصاد والسياسة برزت مصطلحات مثل اقتصاديات الحرب، واقتصاديات التسلح، والتصنيع الحربي، والتخطيط الاقتصادي للحرب، وغير ذلك من المصطلحات المتداولة، فالحرب ظاهرة لها أسبابها، وقد رافقت المجتمعات البشرية منذ فجر الحضارة الإنسانية حتى اليوم، وستبقى إلى زمن طويل قادم لن ينتهى، إذ إن الهدف ليس منع الحروب، ولكننا نهدف إلى تجنب الكثير منها، والحد من استخدام آلة الحرب التي تدمر البشر صغارًا وكبارًا، وتكلف مئات مليارات الدولارات التي تأتي دائمًا على حساب توفير الغذاء، والدواء، والسكن، والتعليم.

إن الحرب تشن لتحقيق أهداف معينة، فلا أحد يقاتل من أجل القتال، فالقتال في الإسلام في الأصل إنما هو للدفاع فقط، ويدل على ذلك عدد من الآيات منها قول الله تعالى «وقاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا». وقوله تعالى «فإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين». وقوله تعالى «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم». وقوله تعالى «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم». وقوله تعالى «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم».

فهذا المنهج القرآني انحرف المسلمون عنه بعد صدر الإسلام، وأصبحت معظم الحروب ليست دفاعية، وإنما حروب استعمارية لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية، يرفع فيها شعار الدين أو العرق أحيانًا من أجل إعطاء شرعية لهذه الحرب، أو لحشد تأييد داخلي أو خارجي ليس إلا، وفي القرن الماضي تعقدت أساليب الحروب العسكرية والاقتصادية في العالم، واتسعت رقعتها، وبلغ التنافس على التسلح مداه، إلى أن وصل سباق التسلح العالمي إلى امتلاك القنابل النووية، وهذا التسلح بالطبع ليس كله لأغراض دفاعية، وإنما لفرض الهيمنة العالمية، وهذا مما دفع الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون للقول في أيلول سبتمبر 1919، في حديث ألقاه في سان لويس جاء فيه: «أيها المواطنون هل هناك بيننا رجل أو امراة، بل هل هناك طفل بيننا أيضًا ليعرف سبب الحرب في عالمنا المعاصر؟ إنها التنافس الصناعي التجاري». فحكومات الدول الصناعية الكبرى انتهجت سياسات عسكرية توسيعية لتحقيق أهداف اقتصاديه منها:

  • فتح أسواق المستعمرات أمام بضائع ومنتجات الدول المستعمرة.
  • السيطرة على مصادر المواد الأولية.
  • حل الكثير من المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها اقتصاديات الدول الصناعية، كالبطالة حيث تعمل حكومات الدول الصناعية أحيانًا على تأجيج النزاعات بين الدول الضعيفة عسكريًّا من أجل خلق طلب كبير على الأسلحة والذخائر؛ مما يؤدي إلى زيادة تصدير المعدات العسكرية، والذي ينتج عنه تشغيل عمالة كبيرة في المصانع العسكرية، والأنشطة المساندة؛ مما يقلل البطالة بين الأفراد في هذه الدول.
  • تؤدي الحروب إلى تدمير للبنية التحتية والمؤسسات في الدول المتحاربة؛ مما يؤدي إلى زيادة الطلب على خدمات البناء والتشييد من شركات الدول الصناعية في مرحلة الإعمار بعد الحرب.
  • الهيمنة على المنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، والبنك الدولي، والتلاعب بقيمة العملات، والتحكم بالتقنية ورفع أثمانها، والإحجام عن تقديم مساعدات حقيقية للبلدان النامية، بدلًا من منحها قروضًا بفوائد ربوية.

– بعد استقلال الدول التي تتعرض للاستعمار مدة من الزمن، تصبح هذه الدول مستقلة ظاهريًّا. ولكن في حقيقة الأمر هي غير مستقلة، وتعاني من التبعية الاقتصادية؛ حيث إنها غالبًا ما تكون دولًا ضعيفة غير قادرة على تخطيط اقتصادها، وتحسين الوضع السياسي والدفاعي، ما يجعلها تخصص مبالغ كبيرة وبصورة مستمرة لبناء جيوشها، وتوفير الخدمات العامة والسلع الأساسية، وتصب هذه النفقات في خزائن الدول الصناعية، وتلجأ أحيانًا إلى الاقتراض أو الحصول على مساعدات مالية مقابل تنفيذ أجندة سياسية، ومصالح اقتصادية للدول الكبرى المستعمرة لها سابقًا.

– بعد خروج المحتل تم رسم الحدود بين هذه الدول بطريقة جعلت منها قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة؛ مما جعل هذه الدول غير مستقلة، وتخصص مبالغ هائلة لأغراض الدفاع، ويعتبر نموذج كشمير من النماذج التي تصف هذه الحالة، فالنزاع حول كشمير بين الهند وباكستان والصين يعتبر واحدًا من أقدم وأطول النزاعات العالمية بعد خروج الاحتلال البريطاني، وما زال هذا النزاع قائمًا وقابلًا للانفجار، حيث يقف منذ عام 1969 مليون جندي في مواجهة بعضهم البعض بين كشمير الهندية، والباكستانية فقط.

التكاليف الباهظة للتسلح

من المنظور الاقتصادي تعتبر النفقات العسكرية أثناء السلم أداة لتدمير النشاط الاقتصادي، حيث تأتي هذه النفقات على حساب توفير الغذاء والصحة والتعليم والسكن، فكل رصاصة يتم شراؤها لقتل عدو، فإنه يقتل قبلها طفلًا لا يجد دواءً بقيمتها، فالحرب مهما كانت قاسية لا تقتل من الأطفال ما يقتله الإسهال كل عام، في حين تكفي نفقات تسليح جندي واحد تعليم مائة طفل. ويمكن بثمن غواصة واحدة بناء عشر كليات. وبثمن مقاتلة نفاثة ملء 50 ألف صيدلية بالعقاقير الأساسية. وفي تقرير لهيئة الأمم المتحدة عن حجم القطاع العسكري في العالم، فإن دول العالم تنفق في المتوسط 450 دولارًا من أجل تعليم طفل واحد، بينما تنفق 5600 دولار من أجل تدريب جندي واحد، وذكر التقرير أن عملية مكافحة مرض الجدري في آسيا وأفريقيا استغرق عشر سنوات للقضاء عليه، أنفقت خلالها منظمة الصحة العالمية 83 مليون دولار، وهو مقارنة بقيم المعدات العسكرية أقل من ثمن قاذفة قنابل إستراتيجية واحدة!

ويقول المستشار الألماني الأسبق فيلي برنت في كتابه «التسلح الدولي، والجوع في العالم» ما نصه: «إن العالم ينفق على التسلح أكتر من ثلاثة مليارات دولار يوميًّا، وهي كفيلة بالقضاء على مشكلات الجهل، والمرض، والفقر في العالم، ومن ثم يتحقق للعالم توازنه واستقراره».

وأضاف برنت: «إن استمرار مثل هذا الإنفاق الهائل يعد بمثابة حكم بالإعدام على ملايين البشر؛ لأن الموارد التي يحتاجونها لمواجهة حياتهم تنفق على التسلح وتجارة الموت».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحروب

المصادر

كتاب الحرب والحضارة، بسام العسلي، المؤسسه العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1979م.
كتاب علم الحرب، منير شفيق، المؤسسه العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980م.
كتاب اقتصاديات التسلح العالمي، طلال عطار، مكتبه الملك فهد الوطنية، الرياض،1422 هجري
مقال بعنوان: اقتصاد الحرب، مطانيوس حبيب، الموسوعة العربية.
مقال بعنوان : آلية الارعاب، فهد الأحمدي، صحيفة الرياض، 14/3/1432
مقال بعنوان: اقتصاد الحرب خاسر في جميع الأحوال، فهد الأحمدي، صحيفة الرياض، 19/3/1428
عرض التعليقات
تحميل المزيد