يحتفل الأردن بعيد الجلوس الملكي هذه الأيام، الصحافة الغربية تقول إن الشعب الأردني غير راض عن حكم الملك خلال العشرين سنة الماضية، وهذا أدى إلى فقدان وعدم ثقة الداخل بالنظام، كما قاد إلى فقدان الملك تحالفاته الخارجية، ما أسهم في زيادة الأزمات خصوصًا الاقتصادية منها.

الملك والأمير

ردة فعل الدولة الأردنية داخليًا جاء بالإعلان عن احتفالات باذخة بمناسبة الجلوس الملكي وعيد الاستقلال، رغم الأزمات المالية التي يعاني منها، وكأن النظام بذلك يسير باتجاه تفنيد ما قالته مجلة الإيكونوميست، وبعض من الصحافة العالمية عن عزلة الأردن من قبل حلفائه ومعاناته الداخلية.

جزء مما قاله التقرير فيما يتعلق بالداخل الأردني حقيقي، وهو ليس فتحًا عظيمًا أو معجزة، فالشعب يصرح في كل مكان بهذا، وهو جالس في مقهى الشريف، وعندما يتناول إفطاره في مطعم هاشم في وسط البلد، أو جالس يشرب قهوته في بيته حتى في المؤسسات الأمنية والمدنية تدور هذه الأحاديث وبمنتهى السلاسة، لكنها لا تنتقل للصحافة الأردنية الخائفة على عقود الإعلانات والتنفيعات، ما فتح الأبواب للصحافة الغربية للتطرق لهذه الموضوعات بهذه الصورة!

تقرير الإيكونوميست الذي جاء بعنوان: «ملك الأردن قد يواجه أزمة بسبب تخلي هؤلاء الحلفاء عنه»، لا يقول شيئًا جديدًا، لكنه يحاول إعطاء جرعة مخففة لكنها قاتلة للشعب، بهدف بث رسالة معينة على شكل تهديد في حال أصر النظام على مواقفة الرافضة لصفقة القرن ومخرجاتها المدعومة أمريكيًا وخليجيًا، والقائمة على تصفية القضية الفلسطينية وإنهاء الوجود الأردني، كمتطلب سابق لدمج إسرائيل في الشرق الأوسط الجديد وتتويجها سيدًا للمنطقة.

الرسالة جاءت لتقول أن البديل الأردني موجود في حال بقي الإصرار على الموقف، فالأمير حمزة المرغوب شعبيًا – كما يقول التقرير – جاهز للحكم، وكأنهم بذلك يقولون أن لدى الأمير القابلية القبول بالصفقة في حال عودته للحكم، وهو أمر مدروس داخليًا وبمعرفة بعض أجهزة الدولة «هذا الظهور لم يكن ليحدث دون موافقة دائرة المخابرات» يقول التقرير على لسان أحد السياسيين الأردنيين وصفًا فيه تحركات الأمير حمزة.

ويضيف التقرير «كان الأمير، بعد سنواتٍ من الانزواء عن الأنظار، قد عاود الظهور في الإعلام». أي أن الأمير يتحرك وفق مخطط مُسبق متفق عليه.

لكن المشهد غير صحيح البتة، فلا الملك عبد الله ولا أخاه الأمير حمزة يقدران أو يريدان ذلك، بل هما ظاهريًا يتفقان على رفض الصفقة، وما يرتبط بها، كما يرفضان الابتزاز الذي تمارسه دول المنطقة خصوصًا العربية منها، حتى إن ترتب على ذلك إيقاف المساعدات الخارجية التي يتلقاها الأردن من هذه الدول، فالأردن أكبر منا جميعًا يمثل وقفًا للشعب الأردني وهو من يحدد مصيره لا سواه.

المعارضة في الداخل والخارج

لا أستطيع استساغة وجود معارضة أردنية في الداخل أو الخارج، لربما لأن المصطلح ضخم جدًا، وما زال استخدامه مبكرًا لوصف مجاميع المعترضين على سياسات النظام الأردني.

لكن أستطيع القول أن ما نراه مجرد خلافات في وجهات النظر تلتقي جميعها في حب الأردن، لكنها لن تكون عليه.
وهنا مكمن الفرق، الخلافات واضحة المعالم خطوطها ظاهرة جدًا، ولا تقترب من المحرمات المتعلقة بالهوية الأردنية والنظام وبقاءه والقضية الفلسطينية وملفاتها.

وجميع الأفكار المعترضة على سياسة الدولة تدور في فلك إصلاح النظام وحمايته حتى من ذاته لكنها لا تدعو إلى دماره.

في حين تحاول تيارات الصحافة العالمية، وبعض أدواتها الخاضعة لعواجيز المنطقة المتخمة بالبترول والغاز القول: أن هناك معارضة شديدة للملك، وهذه حقيقية لا فكاك منها فيما يتعلق بالشأن الداخلي، لكنها تنقلب رأسًا على عقب لتصير دعمًا ومساندة لموقف الملك خارجيًا خصوصًا ما تعلق بالقضية الفلسطينية، واستقرار الدولة الأردنية، ولو افترضنا وجود هذه المعارضة الأردنية في الخارج، فإنها لن تكون سكينًا لذبح الأردن وأداة بيد الآخرين لتحقيق غاياتهم.

فالخلاف الداخلي في الأردن، يرتبط بالفساد وضرورة الإصلاح كما يرتبط باستخراج الموارد والثروات، وإيقاف الاعتماد على القروض الخارجية، وبالتالي الارتهان لها، لكنه لا يرتبط بشرعية الملك وبقائه.

المتقاعدون العسكر

مقابل ذلك لا أدري من أين جاء كتاب التقرير بقصة حمل السلاح أو التهديد بحملة بوجه الدولة الأردنية وأجهزتها من قبل المتقاعدين العسكريين، «وهدد بعضهم بحمل السلاح» يقول التقرير.

الأصل هنا أن يتقدم المتقاعدون العسكريون لتفنيد الأكاذيب التي جعلت منهم أدوات لتطبيق أفكار وهمية يُراد لها أن تصير حقيقية واقعية.

المتقاعدون العسكر ليسوا إلا سلاحًا لحماية الدولة الأردنية ورؤيتهم تعتمد على استقرار لا على الفوضى، على الإصلاح لا الخراب، وبيان 1 من مايو (أيار) ما يزال حاضرًا في الوجدان.

وعليه، التركيز الإعلامي القادم من خارج، لا يدعو مؤسسات الأردنية للتعامل معه على أساس أنه مقدسات توجب القبول والتسليم بها، باعتبارها حقيقة مطلقة لا تقبل التفنيد أو الإسقاط، كما يتطلب من المؤسسات الإعلامية مناقشة المسكوت عنه أردنيًا حتى لا تكون «لقمة» سائغة في أفواه الآخرين يتحكمون في تشكيلها وفق ما يرونه مناسبًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد