التربية! أول ما أن يطرق ذهن السامع هذه الكلمة يظن أنها من مصطلحات المُعلمين وأساتذة الجامعات، وأن هذا المعنى قابع هناك في الجامعات والمدارس. لا! بل إن التربية تبدأ من المنزل، وليست من المهام المسندة كليةً إلى المعلم على غرار ما تسمى به وزارتنا التعليمية: وزارة التربية والتعليم، فبدلًا عن أن نولى مهمة التربية للمعلم لابد من أن تكون هذه مهمة الآباء الأولى. فالآباء يغرسون بذورها الأولى، ويرعاها وينميها المعلم، ويحصد ثمارها المجتمع. وليس المقصود هنا إغفال دور المعلم تمامًا، بل كون المسئولية الأولى للآباء. والمقصود بالتربية هنا لا يناله معنى الإطعام والرعاية، فهذه يا أعزائي مقصده للحيوان، وإنما المقصود غرس الأخلاق والآداب العامة في نفس الطفل منذ الصغر حتى تصبح مكونًا من مكوناته الأساسية أو كما يقولون في الإنجليزية something absorbed with baby food.

صناعة إنسان.

تنقيح الآدمية ورفعها إلى مكانة سامية.فهي بمثابة وضع منظومة أخلاقية في كيان إنساني.

من بين تعريفات التربية اللامتناهية، اجتذبني أحد هذه التعريفات، ألا وهو: صناعة الإنسان أو تحصيل وتوريث للقيم كما هي توجيه وتهذيب للسلوك. يبين هذا التعريف للتربية سمو ورفعة مثل هذه العملية، فهي صناعة إنسان، وليس المقصد هنا هو توفير المآكل والمشرب، بل تنقيح الآدمية ورفعها إلى مكانة سامية. فهي بمثابة وضع منظومة أخلاقية في كيان إنساني حتى تخلق لنا كائن اجتماعي يسهم في تنمية المجتمع ونشر الفضائل.

كيف يكتسب الآباء حس تربوي؟

ودعونا نعترف أن وجود حس تربوي فطري لدى الآباء نادرًا ما يكون، فمن هنا ينبع وجوب تنمية أو اكتساب مثل هذا الحس، ويكون ذلك بمطالعة كتب التربية، ولا أقصد بكتب التربية أمهات الكتب، بل الكتب ذات الشروح المبسطة، والتي تأخذ بيد القارئ الطرق السليمة في تربية صغارنا. أو عن طريق حضور دورات تثقيفية لتوعية الآباء وحديثي الزواج أو المقبلين عليه ليكونوا على استعداد لاستقبال تلك البراعم الصغيرة. ومن بين أفضل الطرق في ذلك هو اتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم – فهو الأب الحنون والمربي الفاضل والناصح الأمين بأسلوب دَعوي حكيم، فانظروا إلى رحمته في مواساته أبا عمير في موت عصفوره الصغير مع ما يحمله من هم أمته ونشر دعوته قائلًا: يا ابا عمير ماذا فعل النغير؟ ففي هذه الواقعة ما فيها من الدروس التربوية العظيمة.

ما أهمية دور الآباء؟

ولدور الأبوين التربوي أهمية لا تخفى حيث أنه يسهم في وضع البذرة الأولي لشخصية الطفل الاجتماعية، فالمنزل هو البيئة التربوية الأولي للطفل. وتبرز ضرورة وجود هذا الدور التربوي والمؤدى الرئيس له في إحاطة الطفل بالرعاية والحب والاحترام، وخلق مسار أخلاقي يحذوه الطفل فينمي مهارته وقدراته، وتتهذب فيه غرائزه الحيوانية، وتُقر فيه المثُل العليا. ويسهم بدوره أيضًا في العمل على خلق صلة وثيقة بين الآباء والأبناء والعمل على تبادل الأدوار بينهما فيكون الأب ابنًا، والعكس، حتى يستطيع فهم كل منهما الآخر ويعيش كل منهما تجربة بعضهم البعض؛ فتتجلى الأسباب والحلول، ويفهم كل منهما ما أقدم عليه الآخر من فعل. ولا نُغفل كذلك ضرورة وجود حس تشجيعي للأطفال، وعدم فرض السيطرة الكلية عليهم حتى لا تمحا شخصيتهم. وقاعدة هذا كله، هو كون الآباء خير قدوة لأبنائهم، فيكونون هم منبعًا للأخلاق والقيم التي يريدون غرسها في أبنائهم.

إذ كان الأمر كذلك، فما هي أهم القيم التي يجب غرسها في الأطفال؟

ولكون التربية وضع منظومة من القيم والأخلاق في كيان إنساني صغير، فعليه يجب أن تكون أول نواة أخلاقية يجب غرسها في الطفل هي الصدق، فأنت إذا ربيت ابنًا صادقًا فقد أهديت للعالم والمجتمع أعظم هدية. ويلي ذلك في الأهمية، تعزيز الثقة بالنفس لأن هذا من أعظم العطايا التي قد تمنحها والصفات التي قد تغرسها في نفس طفلك، فأهمية هذا يعود نفعها على طفلك بالدرجة الأولى في مواجهته لوحوش المجتمع الكاسرة للثقة بالنفس، ويليهم في الأهمية، الأمانة والنظافة والرضا والقناعة. وإلى جانب ذلك، لا بد أيضًا من تقوية دعائم القيم الاجتماعية المتعلقة بالمجتمع ككل مثل، بر الوالدين، وصلة الرحم، وحب الخير، والصداقة، والعطاء مستشهدين بما قاله الرافعي في فضل العطاء أن السعادة الإنسانية الصحيحة في العطاء دون الأخذ، وأن الزائفة هي في الأخذ دون العطاء؛ وذلك آخر ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق؛ ويجب ألا ننسى أن تلك المنظومة الأخلاقية تكتمل بخلق الحياء وتعليم الأطفال كيفية الاستقلال الذاتي وتحمل المسئولية واتخاذ القرارات، حتى نخلق للمجتمع كائن يعيش ويتعايش فيه غرضه الأول والأخير أن يكون مكونًا من مكونات مجتمع رفيع صالح.

المستفيد الأول

 الأخلاق في رأيي هي الطريقة لتنظيم الشخصية الفَردة على مقتضى الواجبات العامة، فالإصلاح فيها إنما يكون من عمل هذه الواجبات، من ناحية المجتمع والقائمين عليه – الرافعي.

من هذا نجد أن المصب الرئيس للتربية وغرس القيم فيهم يكون في بحر المجتمع الكبير. فبتربية الأفراد – لبنات المجتمع – على القيم ذاتها فيكون كأنما نضع أفراد المجتمع في قالب أخلاقي واحد، وكأنه قد نشأ أفراد المجتمع في بيت واحد. وبذلك ينعكس الدور التربوي على تقدم المجتمع وحضارته وثقافته ككل. ويكمن دور التربية العظيم في كونها وسيلة بقاء المجتمع واستمراره وتثبيت أهدافه ومفاهيمه. فتحفظ هوية المجتمع وأصالته من الضياع وسط بحر متلاطم من الثقافات المنفتحة عليه. وبذلك تمثل التربية دور حامية تراث المجتمع الثقافي وتاريخه عن طريق نقل هذا التراث من الآباء إلى الأبناء إلى الأحفاد، جيل بعد جيل.

وختامًا، نوصيكم بأن اقرؤوا، وتثقفوا بما ينفعكم ويفيد أبناءكم. ولمن أراد القراءة ليعزز ذلك الدور التربوي فإليكم بعض الترشيحات: كل ما تريد معرفته عن طفل ما قبل المدرسة. لمحمد سعيد مرسي، والكتاب الذي يحوي المنهج التربوي النبوي: منهج التربية النبوية للطفل. لمحمد نور بن عبد الحفيظ سويد ولمحبي الروايات أيضّا، فعليكم بقراءة الرواية الحائزة على جائزة البوليتزر To Kill a Mockingbird، المترجمة إلى العربية بعنوان: أن تقتل طائرًا بريئًا. لكاتبتها هاربر لي، وهي من أفضل ما كتب في الأدب الأمريكي، ففي ثنايا هذه الرواية منهج تربوي متكامل. وفي النهاية، نرجو من الآباء أن ينشئوا أبناءً بالتربية والرعاية، وليس من قبيل نسب الأبناء إليهم، بل من قبيل الإنسانية وخدمتها؛ إنسانية الحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد