ليست هذه هي المرة الأولى التي تنجح فيها وزيرة التربية الوطنية الجزائرية «نورية بن غبريط» في اختزال كوارث المنظومة التربوية، وهشاشة المناهج الدراسية، في شكليات وإشكاليات هامشية تندلع لأجلها معارك كلامية تصرف الانتباه عما هو أهم، فبعد قضية إدراج تسمية «إسرائيل» على خريطة فلسطين في الكتب المدرسية وما أُثير لأجل ذلك من زوابع إعلامية ذرت الرماد في العيون وأعمت الأبصار والبصائر، وقضية إبداء الوزيرة نيتها التدريس باللهجة العامية قصد رفع مستوى التلاميذ، حيث إن الفصحى التي تُعتمد رسميًا في التدريس هي سبب تدهور مستوى التلميذ الذي حيل بينه وبين الفهم السليم حاجز لغوي لابد من كسره على حد زعم الوزيرة التي أبدعت هذه المرة في الطريقة التي أشغلت بها الجَمْع الكريم حيث ألقت إليهم كُتبًا لم يعثر في مقدمتها على لفظ «بسم الله الرحمن الرحيم»، فما كان من نخبنا «المتدينة جدًا» إلا أن أقامت الدنيا ولم تقعدها، وأشغلت الرأي العام بقضية حذف البسملة، وما كان من عامة الناس إلا أن انساقوا لأن كبراء القوم قالوا.

فبدل أن تساهم نخبنا «المتدينة جدًا» في تنوير الرأي العام ونشر الوعي بين أوساط العامة ها هي تشغلهم بالعناوين عن حقيقة المضامين، وتستنزف البقية الباقية من وعيهم في معارك كلامية تشغلهم عن حقيقة القضية.

مؤكدين ما ذهب إليه «أوليفييه روا» في كتابه الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة، بأن سيادة المعايير الدينية المفرغة من أي رؤية موضوعية للواقع، هي العقبة الأكبر أمام أي محاولة لبناء نهضة حقيقية تستهدف المجتمعات الحديثة، وغير بعيد عن هذا الطرح، مسارات التاريخ تؤكد لنا أن اللعب على وتر المشاعر الدينية هو الطريق الأحسن والأقصر لصناعة قطعان بشرية لا تفهم ولا تعي حقيقة ما يدور حولها وبالتالي توجيهها نحو المسار الذي يُراد لها السير وفقه دون أي مقاومةٍ منها.

هذا ما فهمته الوزيرة وكوادرها جيدًا، وهو ذاته الأمر الذي جهِله خصومها «المتدينون جدًا»، الذين راحوا يرمونها بمعاداة العروبة والإسلام، والعمل على طمس هوية المجتمع الجزائري من خلال مدرسته التي جعلوها مسرحًا لتصفية الحسابات، وحلبة للمبارزات السياسية المؤدلجة، غافلين عن حقيقة مفادها أن نورية بن غبريط أمضت سني شبابها دارسة وباحثة في الأنثروبولوجيا، وأن في رصيدها العديد من الأبحاث والدراسات المعمقة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، أي أنها تحمل رصيدًا معرفيًا يمكنها من النفاذ إلى العقل الجمعي للمجتمع والتلاعب به من خلال معرفة مواطن الضعف والقوة فيه، وفي المقابل نجد أن خصوم الوزيرة كانوا منشغلين ولا يزالون في الجدال والنقد، والبحث عن الثغرات، ليس لسدها وإنما للنفاذ من خلالها قصد تصدر المشهد وتحقيق بعض المكاسب السياسية على حساب المنظومة التربوية بكل مكوناتها، وكل هذا تحت ذريعة «المحافظة على هوية المدرسة الجزائرية»، ذريعة تحولت مع مرور الأيام إلى شعار رنان يحشد حوله الرأي العام تمهيدًا لتغييبه وإشغاله عن جوهر القضية، فحين تتحرك الوزيرة وفق برامج ومخططات مدروسة بعناية، قصد إحداث تغييرات هيكلية في المنظومة التربوية، يكتفي الطرف الآخر بردود أفعال ظرفية تحفزها وتحركها انفعالات بعيدة عن منطق العقل، وفق المسار الذي حددته الوزيرة وكوادرها مسبقًا.

القضية يا سادة قضية مدرسة منكوبة، وأجيال تمسخ، وسمومٍ تبث ليس عبر المدرسة وحسب بل عبر قنوات صارت أكثر تأثيرًا في المجتمع من المدرسة، القضية يا سادة قضية مجتمع يسير نحو المجهول، ليس لأن البسملة حذفت من كتب مدرسية هزيلة المضمون، بل لأن المناهج وطرق التدريس في حد ذاتها عقيمة ولا يرجى منها أن تخرج لنا جيلًا مثقفًا ومفكرًا، القضية يا سادة قضية نخب تشابهت عليها الحروف، وانقلبت عليها المعاني، مدفوعة بخلل واضح في ترتيب الأولويات، فبحسن نية أو بسوء طوية جعلت كل اهتمامها ينصب على الشكل والمظهر، وأغفلت المضمون والجوهر، فبدل الحديث عن طبيعة القيم التي ترسخها المناهج التربوية في أذهان النشء، والمعايير السلوكية التي تعودهم عليها المدرسة، ونوعية المعارف التي تقدم ومدى مواكبتها للتطورات الراهنة، وكم المهارات التي يتعلمونها من المدرسة، ها هي نخبنا تلقي بكامل ثقلها في قضية حذف البسملة وبعض النصوص القرآنية من الكتب المدرسية، لتقع وتُوقِع معها الرأي العام في فخ الإلهاء وتشتيت الانتباه.

وليس بعيدًا عن الأطر الفكرية الناظمة للمناهج التربوية، التي يرى فيها أي متابع للأوضاع الاجتماعية لمستخدمي قطاع التربية في الجزائر مجرد ترفٍ فكري لا طائل منه، فكيف لنا أن نتجاهل حقيقة اكتظاظ قاعات التدريس، حيث بات يُحشر في القاعة الواحدة أكثر من 40 تلميذًا بعضهم لا يجد مقعدًا يريحه أو طاولة يكتب عليها، وكيف لنا أن نتجاهل أن بعض التلاميذ يضطرون لقطع مسافات تزيد في بعض الأحيان عن ثلاثة كيلومترات مشيًا على الأقدام وهم يحملون حقائب من الوزن الثقيل، وبالحديث عن الحقائب هل يعلم المدافعون عن هوية مدرستنا بل هل تعلم الوزيرة أن تكلفة الحقيبة الواحدة في المتوسط 4000 دينار جزائري أي ما يعادل 34 دولارًا في حين أن متوسط الأجور لا يتجاوز 200 دولار في أحسن الأحوال؛ زد على كل هذا وذاك منظومة الأجور الزهيدة التي يتقاضاها عمال التربية، والفساد المستشري في الخدمات الاجتماعية لمستخدمي التربية، ألا ينبغي أن تشمل الإصلاحات الوزارية هذا الجانب بل ألا ينبغي أن تجعل منه منطلقًا لإصلاحاتها المزعومة، بدل الاستغراق في «الترف الفكري» والقيل والقال.

وبقي أن نشير إلى أن ما يحدث في قطاع التربية بشكل خاص وفي الجزائرِ بشكلٍ عام ما هو إلا تجلٍ واضح لما وضعه نعوم تشومسكي في ما سماه «الاستراتيجيات العشر لإلهاء الشعوب» فبداية من سياسة الإلهاء التي نجدها ماثلة في كل إجراء حكومي، وصولًا إلى استبدال التمرد بشعور ذاتي بالذنب، مرورًا بالتدرج والتأجيل، ودون أن ننسى الدور المحوري الذي تلعبه استراتيجية تجهيل العامة وإبقائهم في حالة من البلادة والغباء ولا سبيل لذلك خير من جعل العامة يقدسون جهلهم من خلال إحاطته بهالة من بعض معتقداتهم الدينية لترجح كفة مريدي تغييب العقول، ويتحول الجهل المقدس إلى عملة رائجة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد