البيئة تُشكّل المرء كيفما تكون، فالبيئة الفاسدة ستصنع فاسدًا، والبيئة العادلة تصنع عادلًا، والبيئة الصّعبة تبني صلدًا، والبيئة السلسة تولد ميوعًا، وهكذا، حتى تصبح المرء الذي أنت عليه الآن، وحينها يُصبح من الصّعب أنْ تتغير؛ لأنّ المرء كقالب الصلصال ما دام لينًا يسهل تشكيله، فما أنْ عرضته على النّار حتى صَلُب واشتد عوده وأصبح من الصّعب إعادة تشكيله مرة ثانية.

لذا اقترن التّعليم بالتّربية، بل سبقت التّربيةُ التّعليمَ، فلا يُمكن للعلم أنْ يُحقق الهدف منه بلا أخلاق أو أدب، فحتى الأمم التي تغفل جانب الأخلاق تندثر، فـ«إنّما الأمم الأخلاق ما بقيت».

تعجب أحيانًا من جيل هذا اليوم، بل العجب الأكبر من ذويهم، وأسرهم، كيف يغفلون عن دور المدارس في تحقيق التّربية؟ ولمَ لا يقفون داعمًا من أجل تحقيق ذلك؟

حين تقف أمام هذا الجَيل، وَتتساءل لم نحن في ذيل الأمم، وما الذي نفتقده لكي نتقدم، ما الذي صنعه أجدادنا القدماء ليكون تراثهم الحافل بكل هذه العظمة نبراسًا ليس لنا فقط، بل حتى للغرب الذي نجتر «زبالته» لنلبسها واقعنا ومجتمعنا، ثم تَقف على حقيقة الأمر، والتي لا تتمثل في العلم البتة.

يبدأ الأمر من اللحظة التي اختار فيها الله نبيه، «وإنّك لعلى خُلق عظيم»، ثُمّ لمن تبعه، من سير الصحابة والتّابعين؛ فقصص الرّشيد مع مؤدب ولديه كثيرة، والتي كانت دائمًا تشدد على ضرورة تأديبهم قبل التّعليم.

وها هي والدة الإمام الشّافعي (أحد أئمة الفقه الأربعة) تُشدد على ضرورة الأدب قبل العلم. فلا رِفعة لهذه الأمّة إذا فقدت الأدب والأخلاق والتربية.

والبيئة التي تعتاد غرس الأدب في أبنائها ستصنع فارقًا يُشار إليه بالبنان، أمّا التي خلطت الحابل بالنّابل فتنتظر نهايتها، وها نحن اليوم نجحنا في تفريغ مدارسنا وأسرنا من الأخلاق، فسادَ الفسادُ وشاعت الرذيلة، وضاعت هُويتنا العربية الإسلامية، واندثرت كثير من عاداتنا وتقاليدنا بحجة الحضارة، وغدونا مسخا، يُحاول أنْ يلحق بالغرب فلا يستطيع؛ لأنّه فقد هويته وأضاع أخلاقه، ولم يأخذ منهم إلا الرمم، من قصات شعر غريبة، لدعوات الانفتاح والحرية، لنظريات فككت الأسر وشردت العوائل، وصار شيوع الفاحشة أمرًا عاديًا من باب الحُرية الشّخصية، وصدق فينا حديث رسولنا الكريم «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ فَمَنْ؟».

فحتى باتباعنا لم نُفلح؛ لأننا لم نتبع ما يهبنا تقدمًا أو تطورًا، بل اتبعنا ما يزيدنا هرولة للقاع. نجح الغرب في قولبتنا كيفما يشاء، استطاع تسفيه فكر الأنثى، وسلبها أعظم وظيفة عرفها التّاريخ، «التّربية». كما استطاع العبث بمحتويات فكر الذكور في مجتمعاتنا التي تخلو عن الرّجولة.

لرُبما كان احتلال العقول والعبث بها أصعب بكثير من احتلال الأرض؛ لأنّ نتائجه كانت علينا كارثية، جردتنا من أعظم ما نملك ألا وهو الأخلاق. فصارت الرّجولة نادرة؛ إذ لم يعد من يغار على محارمه، لم يعد من يأخذ بيد أسرته نحو الله. وصارت المرأة تهتم بكل شيء، ستجدها تهتم باللباس، والأثاث، والماديات، والزيارات، والزينة، والأعراس، إلا تربية أبنائها. ولم يعد هناك عرف وأخلاق، فتجدنا فقدنا الاحترام بين الناس، والتقدير لكبير السّن، والحياء من التّصرفات المخجلة. وصارت المجتمعات التي كانت تنادي بالحرية والديمقراطية تُعاني من التفكك، إذ انتشرت بيوت المسنين لأنّ الأبناء لم يعودوا قادرين على رعاية آبائهم وأمهاتهم، وشاعت الفاحشة تحت مسميات عدة بريئة كُل البراءة مما يحدث في مجتمعاتنا، كعمل المرأة الذي ولد الاختلاط كثيرًا، والعلاقات المحرمة تحت مُسمّى الحُب، والواسطة والمحسوبية والفساد والتّعري، إلى آخره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد