الدعم الخارجي ما بيّن التقدم والتبعية

تعصف رياح الفقر بكثير من دول العالم، فضربت العديد من دول أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية. منهم من يعتمد على الدعم الخارجي من أجل البقاء، والآخر يعتمد على التبادل غير العادل، فيرسل الموارد الأولية مُقابل الموارد المصنعة.

منهم من استطاع الخروج من قفص الفقر والأزمات الاقتصادية، وأصبح من الدول المتقدمة مثل اليابان، وأغلبهم لم يستطع الخروج، وبقوا يواجهون أزمات اقتصادية، اجتماعية وسياسية. فيتزايد الاهتمام العالمي بموضوعات التنمية، وما هي الطريقة الأسرع والأفضل للوصول إلى التنمية؟

في هذا المقال أشرح رأيي في أثر الدعم الخارجي في عملية التنمية.

تختلف الآراء حول الدعم الخارجي وأثره في عملية التنمية. يوجد من يرى أن الدعم الخارجي له أثر كبير في عملية التنمية، فبعض الدول نهضت بمساعدة الدعم الخارجي، وأصبحت من الدول العالم المتقدم، مثل اليابان، التي دمر اقتصادها وأصبحت تواجه أزمة سياسية واجتماعية كبيرة بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنها تلقت دعمًا كبيرًا من الدول التي كانت سبب دمارها، وأصبحت اليوم من الدول الأفضل صناعيًا، واقتصاديًا في العالم.

في المقابل يوجد آخرون يرون بأن الدعم الخارجي ما هو إلا إستراتيجية رأسمالية تحاول استغلال دول العالم الثالث، عن طريق التبادل التجاري غير العادل، مثل مصر التي تلقت دعمًا خارجيًّا كبيرًا إلا أنها لمّ تحصّل سوى مزيد من الفقر.

في البداية، سأشرح الأثر الإيجابي للدعم الخارجي في عملية التنمية، معتمدًا على دراسة حالة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، فهي تمثل أكبر النماذج التي نجحت في النهوض، حتى أصبحت اليوم من أقوى اقتصاديات دول العالم.

تلقت اليابان صفعة قوية في الحرب العالمية الثانية إثر تعرضها للهجوم النووّي مرتين في ثلاثة أيام؛ مما جعلها تدخل أزمة اقتصادية، وسياسية، واجتماعية هي الأقوى في تاريخها، فانتشر الفقر والبطالة والمجاعات، وعلى إثر ذلك أرغم اليابانيون على الاستسلام، ودخلت إدارة الاحتلال، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

خلال هذه الفترة تلقت اليابان دعمًا ماليًّا، وتعديلات في الإدارة والاقتصاد، وأهم ما قامت به إدارة الاحتلال هو إلغاء الاحتكار البرجوازي ودعم القطاع الزراعي، وساهم هذا في بروز الفلاحين المالكين للأراضي بعدما كانت حكرًا على طبقة معينة؛ مما أدى إلى زيادة الحافز على الإنتاج الزراعي، كما حُول النظام الاقتصادي إلى نظام رأسمالي.

إن التنمية الحقيقية بدأت بعد استقلال اليابان في عام 1952، حين خرجت قوات الاحتلال منها، واستلم اليابانيون إدارة شؤونهم الاقتصادية والسياسة، ولم تفرض عليهم قوات الاحتلال شروطًا كبيرة، فكانت الولايات المتحدة الأمريكية ترغب بكسبها حليفًا لها لتخوفها من المد الشيوعي، فقامت بوضع قوات عسكرية أمريكية في اليابان لحمايتها من الخطر الخارجي.

تحول موقف الولايات المتحدة الأمريكية من اليابان من العدو إلى الصديق، وأنهت العقوبات على اليابان، وتمتع اليابانيون بسيادة بعد عام 1952، وهنا بدأ اليابانيون بنهضة حقيقية، مُستفيدين من الدعم السابق، حتى تطورت اليابان بشكل واسع في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في فترة زمنية سريعة جدًا، فوصفت بالمعجزة اليابانية.

يكمن سبب نجاح اليابانيين في التنمية الكبيرة إلى عددٍ من العوامل من أهمها:

أولًا: الرغبة الجادة في عملية التغيير، أصبح اليابانيون بعد الحرب العالمية الثانية يرغبون في التنمية بشكل واسع، ولا يريدون الرجوع إلى النزعة العسكرية التي كان لها السبب في المأساة التي حدثت في هيروشيما وناجازاكي، فتقبلوا النظام الرأسمالي والانفتاح على السوق الحر بشكل واضح، فلم يكن هنالك أي حاجز اجتماعي يمنعهم من تقبل الليبرالية والديمقراطية.

ثانيًا: تخلصهم من العبء العسكري، فقبل الحرب العالمية الثانية كانت تصرف أموال طائلة للدعم العسكري، واستغلت الطاقات البشرية في الزراعة والصناعة بدل التجنيد، وهذا ساعد بشكل كبير على زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي.

ثالثًا: وجود طبقة بيروقراطية وطنية ذات كفاءة عالية ومتماسكة، قادرة على دعم عملية التنمية، وهذا عنصر مهم جدًا في عملية النهضة في اليابان، إذ ساهموا في إدارة ورقابة مُتميزة في القطاعات الاقتصادية والسياسة، فكان التدخل في الشؤون الداخلية عنصر مهم وجيد في اليابان، على الرغم من تناقضها مع الليبرالية، التي تمنع تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية. كما أن هذه الطبقة البيروقراطية ساهمت في استغلال الدعم الخارجي بشكل الصحيح وتوظيفها في الأمور التي من شأنها تطوير الزراعة والصناعة.

رابعًا: حكم الحزب الديمقراطي الليبرالي الذي ساهم بشكل كبير في عملية الإصلاح السياسي.

أما مصر، كمثال على الدول العالم الثالث التي لمّ تحقق نجاحًا في التنمية، بالرغم من الدعم المالي الكبير، والاستثمارات الأجنبية العديدة، وتوفر الموارد الطبيعية فيها، وهي العوامل التي تعتبر كفيلة لنجاح التنمية في مصر، إلا أنها لمّ تنجح، بل لمّ تحقق إلا مزيدًا من الفقر والتبعية.

بعيدًا عن التبادل التجاري غير العادل، الذي أعتبره سببًا مهمًّا في تعثر التنمية، إلا أنني أرجع السبب الأهم في تعثر التنمية في مصر إلى الفساد في الطبقة البيروقراطية الإدارية في مصر، وعدم وجود كفاءة فيها، فهذا بدوره ينشر الفساد في القطاع الحكومي من رشاو وسرقة، في غياب الرقابة والإدارة الجيدة، لينتشر حب المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة.

هذا بدوره يؤثر بشكل أساسي على جميع النواحي الاقتصادية، فهذه الطبقة التي تحكم وتقود إدارة مصر لنّ تستطيع أن تستغل الموارد الطبيعية، ولا الدعم الخارجي بالشكل المطلوب، ولهذا تبقى مصر معتمدة على الدعم الخارجي، الذي لنّ يحقق إلا تبعية للدول المانحة.

إن الدعم الخارجي عامل مهم في عملية التنمية، ولكن إذا تمّ استغلاله بشكلٍ جيد، وهذا يقع على مسؤولية صانعي الإدارة في الدولة، ففي اليابان تمّ استغلال الدعم الخارجي والاستثمارات الخارجية وتخفيف العبء العسكري وغيرها بشكل متميز، وذلك بفضل الطبقة التي تقود إدارة اليابان، الذين يتمتعون بكفاءة عالية، ورغبة في التغيير، والإخلاص لليابان.

أما إذا لمّ يُستغل الدعم الخارجي بأشكاله المختلفة، فلنّ يحصل إلا تبعية من الدول المدعومة، واعتمادًا على استمرارية الدعم، كما في مصر والعديد من دول العالم الثالث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد