الصراع الحقيقي الكبير والخفي الذي سبب كل هذه الاختلالات الظاهرة داخل عقل الإنسان وخارجه، والذي لا نستطيع أن نراه اليوم هو بين المعرفة والجهل؛ لأنه كما توجد في السماء النجمية هناك بعيدًا في السماء فقط النجوم الضرورية، إذ ليس هناك نجم زائد، ولا آخر ناقص، كذلك هنا على وجه الأرض توجد فقط الكائنات الضرورية؛ إذ لا وجود لكائن واحدًا أكثر، ولا لآخر أقل. إذًا وببساطة شديدة فإن وجودك أنت هنا اليوم بيننا دليل قاطع على أهميتك، إذ إنه يجب عليك أن تلعب دورًا ما في مكان ما في هذه الحياة، وأن تكون كذلك ضروريًا جدًا كباقي الكائنات.

إذًا أنت الذي تحرك الطاقة الموجودة داخلك، وأنت الذي تبني الواقع الذي تعيش فيه، وكذلك أنت الذي تعتقد أن الأفكار التي تدور في رأسك صالحة للبناء والازدهار، أو سبب في الهدم، والتخلف، والجهل، والاندثار. أي كل شيء يخصك يعتمد على كيف تنظر إلى ما يحيط بك، إذ يمكنك أن ترى كيف يموت كل شيء مِن حولك، أو بطريقة أخرى أرقى وأفضل كيف يتغير كل شيء مِن حولك، ويتقدم، ويتطور.

ولهذا فعندما نعيش في خوف دائم، فإننا نقوم بحشد كمية كبيرة من الطاقة، من أجل الاستعداد لمقاومة ومكافحة الخطر الموجود في عالمنا الخارجي.

لكن المشكلة الحقيقية التي تبدأ في التَكَوُّن والانتشار، راجعة في الأساس إلى أجسامنا، التي لا تتوفر إلا على كمية معينة ومحدودة من الطاقة، والمعلوم أنه إذا لم تكن هناك طاقة كافية في بيئتنا وعالمنا الداخلي، كافيَّة لِإصلاح الجسم ونموِّه، نصبح حينها أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة وغير المزمنة، بسبب العوامل الموجودة في محيطنا، بيئتنا وعالمنا الخارجي، بمعنى آخر ستكون استجابة أجسامنا لعوامل الخوف، الإحباط، الفشل، الندم، التَذمُّر، الضياع، العدوان والألم كبيرة جدًا، تزيد من حجم المعاناة، التي بدورها ستقوم مباشرة بإضعاف جهازنا المناعي، وبالتالي إنهاك الجسم.

في هذه الأوقات يجب أن نكون على قدر كبير من الوعي بطريقة اشتغال أجسامنا، ومدركين تمامًا أننا مخلوقات عظيمة ورائعة، فينا من القوة والإعجاز كبَشَر ما يكفي للتجدد، المقاومة والارتقاء، كما أننا نتوفر على جهاز مناعي خارق، فيه من الصفات ما يؤهله لحماية الجسم بإذن خالقة، من جميع الأمراض والأسقام، وعلى أُهْبَة الاستعداد الدائم، لمحاربة البكتيريا، الفيروسات، الخلايا السرطانية وحتى الفطريات التي نتعرض لها من وقت لآخر.

لكن وجود الخوف، وهرمونات التوتر، يؤدي إلى إيقاف الإستجابة المناعية، فإذا كُنَّا نعيش على أمل البقاء فقط، فإن نظرتنا للحياة ستكون محدودة جدًا، لأنه خلال عمليات الضغط والبقاء، ستبدأ عقولنا في تصور السيناريوهات السيِّئة المخيفة والمرعبة، وهي في الحقيقة عبارة عن تحصيل حاصل، قصد الاستعداد للطوارئ، ولكل ما هو قادم.

لكن الشيء العظيم الذي خلقه فينا ربنا عزَّ وجلَّ، والذي يجب أن يعرفه الجميع؛ هو أن هناك عضو صغير بجوار القلب يسمى بالغدة الزعترية؛ تسمى هكذا لأنها تشبه إلى حد كبير ورقة الزعتر. لها وضيفتان أساسيتان: أولهما كرونولوجية وهي إفراز هرمون النمو، الذي يعتبر الينبوع الطبيعي والرباني للشباب، وظيفته النمو وإصلاح الأعضاء بسرعة، من أجل تجديد الجسم باستمرار.

الوظيفة الثانية مناعية بامتياز؛ إذ تطلق مادة كميائية تسمى الثيموسين، وعند تفعيلها أي الثيموسين يجري التفعيل كذلك للخلايا التائية، وهي تثبه قوة النخبة في الجسم؛ لأن هذه الخلايا لها مستقبلات على جدرانها الخارجية، التي يجب تفعيلها. وعندما نشعر بالامتنان أو المودة، يكون ذلك هو وقت الإصلاح والنمو، فالعاطفة هي التي تنشئ، تُرشِد وتحدد الجينات المختلفة، التي تقوم كذلك بتفعيل مستقبِلات الخلايا التائية، وهي التي تجعل هذه الخلايا قادرة على أن تصبح قوية جدًا ضد الأجسام الغريبة، أو البكتيريا، والفيروسات وحتى الخلايا السرطانية.

فإذا قمت على سبيل المثال لا الحصر برمي ملابسك في خزانتك دون عناية مسبقة، فلن تناسبك أبدًا في الأيام القادمة، وربما تكتشف يومًا ما أن أجمل الملابس التي كنت تمتلكها كانت دائمًا موجودة في الخلفية. أسوق لكم هذا المثال الحي والواقعي حتى أقول لكم إن العقول والعقليات، وكذلك الروح التي قامت بإهمال تلك الملابس داخل الدولاب دون التفكير في إلقاء ولو نظرة خاطفة مِن وقت لآخر عليها، قصد الوصول إلى طريقة ما لاستغلالها، هي نفسها العقلية التي ستقوم بالتخلي عن الأفكار الرائعة الراقية والمشاريع المنتجة، وكذلك نبذها دون الرجوع إليها مرة أخرى لاستعابها واستغلالها والعمل بها أو عليها في الوقت المناسب.

لكنني أعتقد أن الخطير في هذا المثال هو أنك ستجد في النهاية وبعد فواث الأوان، أن أجمل الملابس التي تناسبك جسمك وشخصيتك وروحك، كانت مرمية ومهملة في الخلفية، وكذلك الأفكار والحلول والمشاريع.

الآن وبالانتقال إلى حالة التوازن النفسي، أنت تعزز بيئتك الداخلية، إذ يمكن لهذه الخلايا التائية أن تعزز بالفعل العوامل المُضرة، والموجودة فعلًا في بيئتنا وهذا ما يحدث الآن، ولكن إذا كنت تعيش في خوف دائم، فإن الاستجابة الكيميائية لبيئتك تدل بالملموس على أنها خطيرة وقاتلة، وفيها تهديد، وأن هذه الاستجابة ستقوم لا محالة بإغلاق مواقع مستقبلات الخلايا التائية، ليجري توجيه الطاقة لحالات الطوارئ في الخارج، وهكذا نصبح أكثر عرضة للإصابة بالعوامل المضرة في بيئتنا الداخلية.

أمّا الحالة الكميائية خلال الامتنان والقناعة، تكون دالة بوضوح على أن الأمر آمن بما فيه الكفاية، إلى درجة الاسترخاء في المرحلة الراهنة، مع العلم أنه الآن في هذه اللحظة بالذات هناك إصلاح كبير ونمو متواصل يَحدث داخل الجسم، ثم تقوم الإشارة الكميائية بتنشيط المستقبلات الجينية؛ إذ تقوم هذا الأخيرة باستثارة صنع بروتين يسمى الغلوبولين المناعي، الذي يعتبر دفاعنا الأساسي ضد البكتيريا والفيروسات. هذه الأجسام المضادة عبارة عن بروتينات على شكل Y، وهي التي توقف الفيروسات أو البكتيريا، حتى لا تقوم بمهاجمة الجسم، كما تجعلنا أكثر مناعة في ظروف بيئتنا؛ لأننا نرفض أن نكون ضحية هذا الهجوم الشرس، أو للظروف المسببة في ذلك، لهذا سوف نتأقلم مع الوضع الراهن، نبدع، نغيِّر ما يمكن تغييره، ونفكر في طرق أخرى بمستوى أكبر من الوعي، وذلك للرد على تلك الظروف، بتحويل هذا الجهاز العصبي، وتعليم الجسد الأمان النفسي، في اللحظة الحالية، مع البدء الفوري في تنشيط عواطف أرقى.

فقط إذا مارسنا هذا التمرين 10 دقائق في اليوم على الأقل، أو مرتين أو ثلاث مرات يوميًا، سنكون بذلك قد عملنا فعلًا على تقوية جهازنا المناعي بنسبة 50٪، وهذا في الحقيقة قدر كبير من التحسُّن، التقدُّم والتغيير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد