تعد القوات الجوية أحد أهم فروع الجيش ومقياسًا لقوته، وتشكل دائمًا القوة الضاربة وهي العامل الأبرز في الحروب الحديثة؛ إذ يمكنها أن تحول مسار المعركة جذريًّا لما لها من قدرة على تدمير أهداف العدو الدفاعية والهجومية الاستراتيجية والحساسة. وفي منطقة الشرق الأوسط حرصت إسرائيل على ضمان تفوقها الكمي والكيفي على جميع الجيوش العربية لضمان رجحان كفة قواتها في مواجهة ما تعده التفوق العددي العربي. ومن هذا المنطلق، حرصت إسرائيل على تزويد سلاحها الجوي بأفضل المعدات وأكثرها تطورًا.

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) أعلن المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع الإسرائيلية وصول 6 طائرات F-35I آدير لمركز تجارب الطيران في قاعدة تل نوف الجوية جنوب تل أبيب، لتنضم للأسطول الصهيوني من الجيل الخامس المقدر بنحو 20 مقاتلات من الطراز ذاته والتي بدأت إسرائيل في استلامها عام2017، والتي من المنتظر أن يصل عددها لـ50 مقاتلة بحلول عام 2022. لتكون تلك آخر حلقة من حلقات سباق التسلح المشتعل في المنطقة، والذي يبدو أن الجيش المصري فيه هو الخاسر الأكبر.

ومن المعروف أن الطائرات المقاتلة حول العالم تنقسم من حيث الاستخدام لثلاثة أنواع: قاذفات استراتيجية مصممة للقيام بالغارات بعيدة المدى على أهداف استراتيجية في قلب أرض العدو، ولا تملك حاليًا أي من دول الشرق الأوسط أيًّا منها. تليها مقاتلة التفوق الجوي، وهي مصممة للدخول والسيطرة على المجال الجوي للعدو وتغطية وحماية المقاتلات الهجومية التكتيكية الصديقة وهي قادرة على التعامل بفاعلية مع مقاتلات العدو أكثر من غيرها من أنواع الطائرات. وأخيرًا مقاتلات متعددة المهام، وهي تلك المصممة لكي يمكن استخدامها طائرة مقاتلة في الجو يمكنها حماية أجواء الدولة من الطائرات المعادية كذلك يمكنها القيام بمهام الهجوم الأرضي، وتعد المقاتلة متعددة المهام أخف وزنًا وأقل قدرة من مقاتلة التفوق الجوي، كما تتميز باقتصادية تكلفة صيانتها بالمقارنة بمقاتلات التفوق الجوي. أما من حيث الحداثة والتقنيات فتنقسم الطائرات المقاتلة لخمسة أجيال، وتعد مقاتلات الجيل الخامس الأكثر تطورًا على الإطلاق نظرًا إلى قدراتها الشبحية «بمعني القدرة على التخفي عن الرادارات» كذلك قدرات الأفيونكس شديدة التقدم «أي القدرات الإلكترونية المتطورة لتسهيل مهمة الطيار في تنفيذ هدفه». وأخيرًا يتميز ذلك الجيل بقدرات تشويش وإعاقة إلكترونية متقدمة.

سلاح الجو الإسرائيلي

يتكون سلاح الجو الصهيوني من 934 طائرة، بواقع 196 مروحية، 68 طائرة نقل عسكري، 32 طائرة استطلاع وحرب إلكترونية، و70 طائرة تدريب، 471 مقاتلة، منها 26 مقاتلة F-35I أدير، وهي نفسها F-35A مع بعض التعديلات الإسرائيلية الفريدة من نوعها، وهي مقاتلة شبحية متعددة المهام من الجيل الخامس. ويذكر أن دولة الكيان كان لها السبق في مايو 2018 في استخدامها في إطار عملياتي على مستوي العالم، حيث صرح قائد سلاح الجو الإسرائيلي عميكام نوركين أن بلاده استخدمت لأول مرة مقاتلة F-35 في تنفيذ هجوم جوي على أهداف إيرانية في سوريا وأطلقت الدفاعات الجوية السورية 100 صاروخ أرض-جو دون أن يصيب أيٌّ منها أهدافه أو يكاد أن يقترب منها. وأضاف أمام 20 من قادة القوات الجوية خلال اجتماعهم في تل أبيب «إننا نحلق بطائرة F-35 فوق الشرق الأوسط برمته دون أن يرانا أحد».

لم يقتصر الأسطول الإسرائيلي على مقاتلات الجيل الخامس فهناك أيضًا 96 مقاتلة F-15 Strike Eagle وهي مقاتلات تفوق جوي من الجيل 4++، منها 26 مقاتلة F-15I Raam «راعم» هي أحدث نسخة F-15 أمريكية على الإطلاق بجانب الإضافات الإسرائيلية، الأمر الذي جعل مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية تصفها بأنها واحدة من أخطر المقاتلات في العالم، وأنه بفضل التحديثات الإسرائيلية ستحافظ تلك الطائرة على مكانتها خلال عقود مقبلة. والـ70 مقاتلة الأخرى فهي F-15» A/B/C/ D» وتحمل اسم باز.

وكذلك يضم أسطولهم 349 طائرة متعددة المهام F-16 بواقع 102 طراز أي صوفا (بلوك 52) من الجيل 4++ وهي الأقوى على الإطلاق في أسطول F-16 الإسرائيلي ومخصصة لعمليات القصف الجراحي العميق وإخماد الدفاعات الجوية ومزودة بأنظمة اتصال وتشويش إلكتروني وملاحة شديدة التطور، بجانب خوذة الإطلاق والتهديف وكلها أنظمة إسرائيلية. بالإضافة لـ125 مقاتلة F-16 C/D باراك (بلوك-40) وتستخدم في عمليات الدعم القتالي اللَّيلي للوحدات الأرضية بوساطة الصواريخ الجوالة والقنابل الذكية. وكذا 100 مقاتلة F-16 A/B تحمل اسم نيتز جرى تطويرها بأنظمة كمبيوتر وبرمجيات وأنظمة تحكم في المهام لتصبح مماثلة للمعيار بلوك 40.

على الرغم مما أورده موقع «جلوبال فاير باور» المختص بترتيب الجيوش عالميًّا في أحدث تقاريره لعام 2020، بأن الجيش المصري يحتل المركز التاسع عالميًّا بشكل عام، والعاشر في السلاح الجوي والأول إقليميًّا، متقدما بذلك على جيوش إسرائيل وتركيا وإيران، إلا أن واقع الحال يظهر مدى عوار تقييم «جلوبال فاير» والذي ربما يقوم بالأساس على إحصاء عددي لا يراعي الفروق التقنية ولا يعكس مدى عمق الأزمة التي يمر بها سلاح الجو المصري.

نظرة إلى سلاح الجو المصري

وفي حين ينتمي السواد الأعظم من مقاتلات سلاح الجو الإسرائيلي للجيل الخامس والجيل الرابع ++، نجد أن الوضع في الجيش المصري مختلف تمامًا، حيث تعد القوات الجوية المصرية والتي تشكلت قبل نحو قرن من الزمان الأكبر حجمًا إقليميًّا وقاريًّا بأكثر من ألف طائرة، بواقع 293 مروحية و388 طائرة تدريب و59 طائرة شحن جوي و490 مقاتلة. من بين مقاتلات الجيش المصري نجد 33 طائرة ميج 21 من مقاتلات الجيل الثالث، 82 طائرة ميراج 5 وهي أيضًا تنتمي للجيل الثالث، و60 مقاتلة من طراز شنغدو جيه-7 وهي النسخة الصينية من ميج 21، وجميعها مقاتلات يستعد سلاح الجو المصري لإخراجها من الخدمة قريبًا. كذلك نجد في سلاح الجو المصري 220 مقاتلة F-16 تمثل العمود الفقري للقوات الجوية المصرية، وهي تتكون من 42 طائرة F-16 بلوك 15، 40 مقاتلة بلوك 32، جميعها من الجيل الرابع وهي وإن جرى تزويدهما بإلكترونيات من بلوك 40، فإن البنتاجون أصر على أن تحتفظ براداراتها ومحركاتها القديمة، كذلك 138 مقاتلة F-16 بلوك 40 من مقاتلات الجيل الرابع وجميعها مقاتلات متقادمة يعود تاريخ دخول بعضها في الخدمة لدي سلاح الجو المصري لمارس (آذار) 1982 وهي تفتقر للتحديثات المطلوبة وهو ما أدى لسقوط نحو 23 طائرة منهم، وأخيرًا 20 طائرة F-16 بلوك 52 تنتمي للجيل الرابع+.

لم يقتصر التعنت الأمريكي عند هذا الحد، بل إن الإدارات الأمريكية المتعاقبة أصرت جميعها على حرمان F-16 المصرية من حيازة أسلحة نوعية قد تجعلها ندًّا بشكل ما لنظيرتها الإسرائيلية. فقد تم حظر تزويد المقاتلات المصرية بعدد كبير من الصواريخ والقنابل الحديثة مثل صواريخ AIM-120 AMRAAM وهي صواريخ جوجو خارج مدى الرؤية تصل سرعتها لـ4 ماخ ومداها لـ180كم، كذلك عائلة قنابل جدام JDAM وهي ذخائر الهجوم المباشر المشترك من GBU-31/32/38/54 والتي يصل مداها إلى 28 كم، أيضًا صواريخ HARM جو- أرض تكتيكي عالي السرعة المضادة للرادار وحواضن التشويش الإلكتروني. بالإضافة إلى قنابل القطر الصغيرGBU-39 SDB زنة 129 كجم الخارقة التحصينات ويصل مداها على 110 كم.

أما ما يمكن تسميته بالمقاتلات فعليًّا في سلاح الجو المصري فهي 20 مقاتلة Mirage-2000-5 وهي طائرة متعددة المهام تنتمي للجيل 4+ وهي ذات الطائرة التي تسعى حاليا دولة الإمارات لإخراجها من الخدمة بغية تحديث أسطولها. كذلك يضم سلاح الجو 46 مقاتلة MiG-29M/M2 وهي مقاتلة متعددة المهام من الجيل 4++ وهي النظير الروسي لمقاتلات الفالكون الأمريكية، وقد نجحت الطائرة في إدخال ذخائر جديدة للخدمة في الجيش المصري تناهز تلك الأسلحة العاملة على طائرات F-16 الإسرائيلية وإن كانت أقل منها تقنيًّا، لكن لم تتضمن المقاتلة رادار مصفوفة المسح الإلكتروني النشط Zhuk-AE، بل رادار دوبلر نبضي طراز Zhuk-ME حيث أعلن الروس رسميًّا أن الرادار الجديد غير جاهز حتى الآن وهو ما يحد من قدرات الطائرة كثيرًا بالإضافة لعيوب في المحرك أدت لسقوط طائرتين خلال فترة خدمتها القصيرة في مصر والتي لم تتجاوز أربع سنوات.

كذلك نجد 24 طائرة Rafale DM-EM والتي تعد حاليا درة تاج سلاح الجو المصري وهي مقاتلة متعددة المهام 4++ أضافت للقوات الجوية المصرية قدرات كبيرة في مجال التشويش الإلكتروني بفعل منظومة سبكترا العاملة عليها، والتي تعد ثاني أفضل منظومات للحرب الإلكترونية على المقاتلات في العالم بعد تلك العاملة على F-35 الأمريكية. إلا أن الجيش المصري فوجئ بتعنت فرنسي في تسليح الطائرة حيث رفضت فرنسا بيع مصر أكثر من 50 صاروخ جوال من طراز سكالب وكذلك امتنعت عن بيع أي صاروخ جوجو ميتيور، وهو النظير الأوروبي لصاروخ AIM-120 AMRAAM بحجة وجود مكون أمريكي في الصاروخ وهو ما حرم مصر من المزايا الحقيقية للمقاتلة.

أيضًا نجد 5 مقاتلات Su-35S وهي مقاتلات هيمنة جوية 4++ وهي الأولى من نوعها التي تنضم لسلاح الجو المصري الذي لم يكن يملك أي مقاتلة هيمنة جوية. وتعد المنافس الروسي للمقاتلة الأمريكية F-15. تم التعاقد عليها عام 2018 ضمن عقد يقدر بـ30 طائرة ينتظر وصولها لمصر بحلول نهاية 2021. إلا أنه بمجرد تسريب خبر التعاقد خرج وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، يدعو الجيش المصري للتراجع عن الصفقة وإلا فإن القاهرة ستكون تحت طائلة قانون «كاتسا» والذي أقرته إدارة ترامب في 2017 ويهدف لفرض عقوبات على الدول التي تقوم بشراء السلاح الروسي عالي التقنية. وبغض النظر عن التهديد الأمريكي فان حيازة القاهرة لـ30 طائرة من ذلك الطراز لا يجعلها أبدًا ندًّا لسلاح الجو الإسرائيلي المتخم بطائرات الجيل الخامس وطائرات الهيمنة الجوية.

إجمالًا تجد القاهرة نفسها وحيدة في منطقة تتسابق على التسلح وإن تعددت أسبابه. فبخلاف إسرائيل نجد الإمارات وقد تعاقدت على مقاتلات جيل خامس والسعودية وقطر في طور التفاوض على ذات المقاتلة وكلاهما يملكان طائرات حديثة F-15. وبشكل عام فمنطقة الخليج مكتظة بطائرات 4++ وبمخزونات صواريخ ضخمة جدًّا، تجعل سلاح الجو المصري يبدو هزيلًا جدًّا من جهة التسليح وقد لا يفيده خبرة الطيارين وبراعتهم في عصر باتت تحكمه التكنولوجيا. فمن أصل 490 مقاتلة مصرية تنتمي 175 منها للجيل الثالث و200 طائرة F-16 تنتمي للإصدار الأول من الجيل الرابع وهي تقريبًا غير صالحة للقتال الفعلي ولتطويرها فهي بحاجة لتغيير المحركات وتعديل البدن وتغيير أنظمة الأيفونكس والإلكترونيات وأنظمة الحاسب الآلي وهو ما سيتكلف ما لا يقل عن 30 مليون دولار للطائرة الواحدة. أي إن القاهرة بحاجة لـ6 مليارات دولار على الأقل لتطوير تلك الـ200 مقاتلة وهو ما يستحيل عمليًّا بخاصة أنها لن تطور لمعيار أعلى من بلوك 52 وستظل محرومة من أغلب الأسلحة الفعالة نظرًا لرفض القاهرة التوقيع على اتفاقية سيزموا CISMOA عدا بند واحد من الاتفاقية يقضي بحفظ حقوق الملكية الإلكترونية لأمريكا.

القاهرة على وشك إعلان خروج نحو 375 طائرة من الخدمة من أصل 490 عاملة لديها الآن بعضها ينتمي للجيل 4+ فقط وهو ما يضعها في موقف لا تحسد عليه يختلف تمامًا عما تروجه المؤسسات الدولية، خاصة بعدما أكد وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس في سبتمبر (أيلول) الماضي توقيع بلاده عقدًا لشراء 50 مقاتلة F-15EX وعلى الرغم من أنَّ هذه الطائرة ليست شبحية، فإنه يمكنها أن تحلق أسرع وأبعد وبحمولة قنابل أثقل من F-35 كما أنها ستكون أول مقاتلة أمريكية يمكنها إطلاق أسلحة فرط صوتية، كما أنها ستكون قادرة على حمل 22 صاروخ جوجو بدلًا من ثمانية صواريخ للنسخة الحالية، وكذلك شراء سرب من مروحيات النقل V-22 و8 طائرات للتزود بالوقود «كي سي 45 إي بيغاسوس» بقيمة تصل لـ11 مليار دولار بحسب ما نقلت وكالة الأناضول الرسمية، وذلك في إطار تهدئة المخاوف الإسرائيلية في أعقاب صفقة بيع طائرات F-35 للإمارات.

ختامًا، فإن الحرص الإسرائيلي على اكتناز كل تلك الأسلحة والحفاظ على الهوة الشاسعة في سلم القوة مع البلدان العربية لهو خير دليل على ضعف موقفها وهشاشة وجودها، فهي وإن جمعتها بالحكام والأنظمة علاقات واتفاقات وتطبيع حد التحالف، إلا أنها تدرك حجم الرفض الشعبي لها في عموم المنطقة وتوقن أن من حالفها من قادة العرب ما كان ليفعل لولا علمه بضعف موقفه داخليًّا أمام شعبه. ولذلك تحرص على إضعاف الجيوش العربية ومنعهم من امتلاك التكنولوجيا الحديثة ليقينها بأن حلفاءها من الحكام هم إلى زوال وأن الشعوب هي من تبقى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد