التعليم المصري، بلا شك هو أكبر المسرحيات الهزلية في مصر في الفترة الأخيرة، كحال أي مجال في مصر لا يخلو من الفساد، وعدم وجود كوادر فعالة في العملية التعليمية، وعدم تأهيل طالب علم، فأصبح التعليم في مصر مجرد مسرحية، وهي هزلية بلا شك، لكن غير مثيرة للضحك بأية حال من الأحوال، على العكس تمامًا تصبح أكثر المسرحيات الهزلية المثيرة للحُزن والاشمئزاز معًا في آن واحد.

مصر من فجر التاريخ وهي رائدة في مجال التعليم، فلولا التعليم في مصر القديمة؛ لما كانت الحضارة المصرية كما نعرفها بالتأكيد، فمصر هي التي أنشأت «بر عنخ» أو بيت الحياة، كأول مدرسة ومكتبة في تاريخ الإنسانية، وهي نفسها مصر الآن بالتعليم الهزلي السطحي في المسرح غير الصالح من الأساس لعرض المسرحية، فمن بر عنخ لمدارسنا الآن في القرن الواحد والعشرين شخصيًا، كنت أفضل الحصول على تعليمي من بر عنخ، فالمسرح هنا، بالإضافة إلى عدم صالحيته لعرض المسرحية، فهو أيضًا يُمثل كحالة المسرحية أنه بأفضل الحال.

لماذا التعليم في مصر مسرحية هزلية؟ 

يستقيظ الطالب في السابعة صباحًا من كل يوم، غير آبه بميعاد مُحدد لدخول المدرسة؛ لأنه لا يعلم الميعاد للدخول من الأساس، في الحقيقة .. لا أحد يعلم، يصل المدرسة؛ فيرى الطابور المدرسي قد بدأ، ويسارع في أخذ مكانه ممثلًا أنه يأبه بما يقدمه الطابور من تمارين صباحية أو إذاعة مدرسية .. على الجانب الآخر، نرى الطالب الذي يقدم الإذاعة المدرسية وقد أوهم نفسه بأن هناك من يهتم لسماع ما يقوله، ويمُثل أنه مُهتم هو الآخر. في الناحية الأخرى نرى المُدرسين مصطفين، ويمثلون بأنهم يأبهون بما يحدث حولهم حتى انتهاء مقدمة الفصل الأول من المسرحية.

ننتقل سريعًا إلى الفصل الثاني من المسرحية، وهي الحصص المدرسية، هنا نرى الأستاذ بضميره الحي يمُثل أنه يشرح، وأمامه من 30-40 ممثلًا أصغر سننًا يمثلون تمثيلًا فائق الجودة بأنهم يفهمون الشرح، في إحدى المرات قد لا يكون نفس الأستاذ بضميره الحي، ولا يكُلف نفسه عناء التمثيل، فهو واقعي بطبعه، ولا يود أن يمُثل الآن؛ فالدروس الخصوصية بعد انتهاء المسرحية أهم بكل تأكيد.

حُب الأهل لتعليم أولادهم أفضل تعليم شيء مفهوم ومقبول، ولكن بعد 6-7 ساعات في المدرسة يلجأ الطالب إلى الدروس الخصوصية في متوسط 3 دروس في اليوم، بما يعادل 3 ساعات في المتوسط، أي إجمالي دراسة للطالب المصري في اليوم 10 ساعات بدون حسبان ساعات للمذاكرة في البيت!

ولكن بعد العرض الهزلي والانتهاء منه، يري الجمهور أنه بالرغم من المحاولة الجادة في التمثيل، إلا أن التعليم المصري لا يزال فاشلًا حتى في التمثيل أنه بأحسن حال.

مأساة تعلم اللغات الأجنبية في المدارس المصرية!

يمضي الطالب المصري 6 سنوات في المرحلة الابتدائية يدرس فيها اللغة الإنجليزية، بعدها 3 سنوات في المرحلة الإعدادية يدرس أيضًا اللغة الإنجليزية، وبعدها 3 سنوات في المرحلة الثانوية يتعلم فيهم اللغة الإنجليزية أيضًا، بالإضافة إلى لغة أجنبية ثانية.

المُحصلة هنا 12 سنة يتعلم شخص لغة ما، ولكن في النهاية لا يستطيع التحدث بها، وإن حاول كانت محاولة مليئة بالـ«وات أبوط فيرست أوسكار فو يو»، وأيضًا يمضي 3 سنوات في تعلم لغة ثانية، ولا يستطيع حتى التفكير في التحدث بها، وإن كان في داخل نفسه.

مسرحيتنا مازلت تبهرنا بالهزلية المُطلقة، ومن البراعة المُطلقة للمخرج أن يخرجها بتغليف جدي يحمل في طياته الهزلية، فالبعض قد يخدع بالتغليف الجدي للمسرحية، ليس المشاهدين فقط، بل بعض المممثلين ينسون أنهم في مسرحية هزلية 100%، ويذهبون إلى المواقف الجدية التي قد تكون هي الوحيدة المُثيرة للضحك في المسرحية.

موسم الامتحانات: عندما تتجمع الهزلية بالجدية فلا تستطيع التفريق بينهما! 

الطالب المصري من الابتدائية حتى نهاية المرحلة الإعدادية ينجح بكل تأكيد بنسبة غش 100%، البعض قد يتخطى المرحلتين بدون معرفة عما يتحدثان في الأساس، الامتحانات في المرحلة الإعدادية بكل تأكيد هي الأكثر هزلية، فتمثيل الطلبة عندما يمُر الممثل الرئيس، مراقب الدور، أنهم منهمكون في التفكير في الأسئلة وحلها، وبدوره يمُثل اقتناعه بجدية الطلبة، حتى يمشي المراقب إلى لجنة أخرى؛ فتبدأ الطبيعة الحيوانية للطالب المصري بالظهور في غش الأخضر واليابس في ورقة الإجابة مع تشجيع من المراقبين في غالب الأوقات، حتى ينتقل الطالب إلى المرحلة الثانوية؛ فيفاجئ بعبارة رنانة:

 انسوا غش ابتدائي وإعدادي ده! في ثانوي ما فيش غش! والامتحانات السنه دي مشدودة عليكم، فذاكروا أحسن!

  البعض يقتنع ويبدأ في المذاكرة لأول مرة في حياته، والبعض لا، الغالبية لا تقتنع؛ فتصبح نسب طلبة الدور الثاني مقاربة للنصف.

الهزلية في الدور الثاني هي الأكثر مدعاة للدهشة، قد تدخل اللجنة، ولا ترى مراقبًا من الأصل، الغريزة الحيوانية تبدأ بالظهور مرة أخرى حتى يجتاز المرحلة بتساؤل وجودي:

 ليه ما سابوناش نغش من الأول؟ ما كده كده هنغش؟!

وتمر فصول المسرحية حتى نصل إلى الصف الثالث الثانوي .. الثانوية العامة في مصر هي أكثر الفصول اجتهادًا من طاقم عمل المسرحية بكل تأكيد.

الثانوية العامة المصرية 

 ذاكر دلوقتي علشان ترتاح بعدين

الثانوية المصرية حالة فريدة وغريبة من نوعها، كطالب ثانوية عليك أن تنسي كل المراحل السابقة، حيث ليس لها أية قيمة الآن، حياتك نظريًا، ومستقبلك، يقف عند نجاحك بدرجة عالية للقبول في كليات القمة، هذا إن كنت طالب علمي بكل تأكيد، فإن كنت طالب أدبي فأنت ملعون منذ اختيارك، فطالب علمي هو المتفوق حيث المستقبل المشرق والحياة الجميلة، حتى وإن كان نظريًا، أما طالب أدبي ـ في العادة ـ فيكون الطالب الفاشل الذي دخل الثانوية من دون قصد يظهر هذا جليًا في الاقتباس المُكرر في المسرحية من قبل كافة الأساتذة.

دي مناظر طلبة علمي؟ فرقتوا إيه عن طلبة أدبي! 

التعليم المصري : هل هو سيئ لتلك الدرجة؟ 

أعلنت وزارة التربية والتعليم المصرية في بيانها في عام 2014/2015 أن مصر جاءت في المركز 141 من إجمالي 140 دولة في مؤشر جودة التعليم الابتدائي، أي خارج التنصيف من الأساس.

وفي عام 2015/2016 تقدمت مصر وأصبحت في المركز 139 من إجمالي 140 دولة في نفس المؤشر، أما في 2016/2017 أصبحت مصر في المركز 134، رقميًا يعد ذلك تقدمًا، ولكن المركز 134 من أصل 140 دولة؟

التعليم في مصر في كل أركانه فاشل بكل المقاييس، وبعد كل هذه السنين من الدراسة، لا تستفيد شيئًا واحدًا، ولن يؤثر ذلك في حياتك جديًا، حتى بذهابك للكلية، وتخرجك، فبنسبة أكثر من 50% لن تستطيع الحصول على عمل، وإن عملت، فلن يكفيك راتبك الشهري.

المقالة ليست مُجرد إحباط، فهناك طرق كثيرة لتطوير  نفسك عن طريق الإنترنت، والمساقات المتُعددة، ويمكنك أيضًا أن تعمل فريلانسر ويكون راتبك الشهري كافيًا لك على الأقل، الخلاصة لا تأخذ التعليم المصري على محمل الجدية حقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد