يحكى أن في عصر «بيبي الثاني»، الذي جلس على عرش مصر في السنة السادسة من عمره وحكم 94 عامًا، وكان آخر حكام الدولة القديمة «عصر بناة الأهرامات»، قررت دولته أن تحدد الضرائب في مصر سنويًّا على أساس مستوى الفيضان، وليس على أساس مقدار ما يمكن للفلاح زراعته، أو ما يستطيع زراعته فعليًّا، ووصل البؤس والمشقة والفقر بالمصريين إلى أبعد مدى، ذلك في الوقت الذي كان يعيش فيه الملك وأسرته وحاشيته في ترف وبذخ، ويصرف على بناء المعابد والأهرامات، وكان يرى أن حكم أسرته أزلي، وحكمه أبدي.

ولكن هذا الارتفاع في الضرائب في ظل انخفاض المحاصيل، وانخفاض منسوب النيل، وازدياد حدة الأزمة، رفع من معاناة المصريين إلى حد لا يطاق، وكانت الشرارة لأول ثورة اجتماعية في التاريخ الإنساني.

بالطبع لم يصلنا من تفاصيل هذه الثورة الاجتماعية سوى شذرات من هنا وهناك، وفي الغالب مرت عبر مصفاة من كتاب التاريخ التابعين للسلطة، بعد استعادة الدولة هيبتها، وقيام الدولة «الوسطى»، ومن المؤكد بالطبع أن هناك الكثير من الأخبار والحوادث التي طمست، ولكن ما سنجده في هذه الشذرات هو الوصف الدائم لتلك الحقبة بالمصيبة الشنعاء، فوفقًا لكاتب الدولة، ضربت البلاد في عهد أحد حكام الأزمان القديمة أزمة شديدة، فثار عامة الناس على الموظفين وعلية القوم، وضربت الفوضى البلاد مع انحلال الحكومة المركزية، رغم استمرار الحكم الشكلي للأسرات، وانتشر الفقر وغياب الأمن والاستقرار، فسادت بالبلاد حالات السرقة والقتل، والتخريب والقحط، وتفككت الإدارة والقضاء، وتولى العامة والغوغاء من خارج الأسرات مراكز الطبقات العليا، وأصبحت البلاد ملأى بالعصابات، حتى إن الرجل كان يذهب ليحرث أرضه ومعه درعه، وشحبت الوجوه وكثر عدد المجرمين، ولم يعد هناك رجال محترمون، وفقد الناس الثقة في الأمن، وهاجم الناس المراكز الحكومية والمخازن ونهبوا محتوياتها وخربوها، كما انتقموا من الملوك القدماء في مقابرهم فهاجموها ونهبوا محتوياتها، وحرق الفقراء القصور ونهبها، ومن الواضح أن الفقراء أخذوا مقتنيات الأغنياء الثمينة «فأصبحت الفتاة التي كانت تذهب إلى الماء لترى وجهها تمتلك مرآة!».

كما وصمت تلك الفترة أيضًا بالانحلال الأخلاقي واللامبالاة بالتقاليد الدينية والمعتقدات الموروثة؛ فقد هاجم الفقراء المعابد والأهرامات واستولوا على كنوزها، حتى إن هناك مقولة سجلت لأحد الثوار المصريين «الموصومين بالانحلال والفوضوية وإثارة الشغب» يرفض فيها هذه الآلهة التي ترضى بكل هذا الظلم.

وربما كان ظهور «ماعت» في توقيت متزامن هو بمثابة تجسيد لهذا الوعي الجمعي الرافض للظلم والحالم بالعدالة في الحياة الدنيا، أو في حياة أخرى، كما أن رسائل «الفلاح الفصيح» هي تعبير عن تطلعات المصريين في تلك المرحلة إلى العدالة، وفي الوقت نفسه تعبير عن خلل في رؤية سبل تحقيق هذه العدالة باختزالها في إرادة الملوك والتغيير من أعلى.

ويحكى أنه وقتها أيضًا ظهر حكيم يدعى «إي بور» أخبر الملك بكل الحقيقة؛ فوصف له البؤس والفقر الذي عم البلاد، وحاول تحذيره مما سيأتي، وحرّض الملك ضد أعداء البلاد ونصحه بإجراء بعض الإصلاحات حتى لا تعم الفوضى وتنهار الدولة.

هناك العديد والعديد من التفاصيل عن تلك الحقبة التي تسمى بعصر «الاضمحلال الأول في الدولة الفرعونية»، قد يجدها أي باحث على محرك «جوجل»، كما بحثت من خلال المحرك نفسه، لكن ما أحاول الوصول إليه عبر هذه السطور القليلة السابقة، هو الرد على بعض الأوهام التي يجري الترسيخ لها في وعي الفقراء.

أولًا: دون شوفينية بالطبع، الفلاح المصري ليس خانعًا كما يروج له، فهو أول من قام بثورة اجتماعية في التاريخ، ولم تكن الأخيرة بالمناسبة، بل تكررت ثورته ضد الظلم على طول التاريخ المصري، سواء ضد الرومان، أو الخلافة الراشدة، أو الأمويين، أو العباسيين… إلخ وحتى ثورة يناير (كانون الثاني) ضد مبارك، وهذا بالطبع غير مرتبط بطبيعة هذا الشعب، أو نفسيته، أو موقعه الجغرافي بقدر ما هو مرتبط بحجم وقسوة ما يتعرض له من ظلم.

ثانيًا: ستظل الطبقات الحاكمة على طول التاريخ الإنساني تسجل التاريخ بشكل انتقائي، وفقًا لمصالحها، وستظل تسعى لطمس كل محاولات تسجيل تاريخ مضاد منحاز للمقهورين وتزييفها، ووصم تحركات الفقراء ضد الظلم بالفوضى، والنهب، والسرقة، والانحلال، والمؤامرة الخارجية.

ثالثًا: على طول التاريخ دائمًا ما كان وسيكون هناك محاولات لتوجيه النصائح من قبل من يسمون كالعادة بالحكماء «الإصلاحيين»، ودائمًا ما تكون نصائحهم من منطلق الخوف على الدولة، والانحياز لها ضد الرعاع والغوغاء، وفي الغالب أيضًا ما تنتهي هذه المحاولات بالفشل الذريع، وتتحول إلى إبراء للذمة فقط.

وأخيرًا وكما قال السيسي «ليس هناك أبدية فالرؤساء يموتون»، في محاولة للتحايل على سؤال حول تجاوز بعض الرؤساء مددهم الرئاسية ليبرر لإمكانية حكمه مدى الحياة، ولكنه نسي أن القانون نفسه ينطبق على أدوات القمع والدولة ذاتها، فكما تتطور سبل القمع البدني والأيديولوجي، وقدرة الدولة على التنظيم مع الزمن أيضًا يحدث تطور في سبل المقاومة على المستويات نفسها، فالموت ليس النهاية الوحيدة الممكنة لحكمه، وكثرة المظالم وتزايد حدة الضغط سيؤدي يومًا ما إلى الانفجار والثورة، حتى لو كان هذا بعد 94 عامًا، كما حدث مع «بيبي الثاني» وعصر بناة الأهرامات مثالًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد