إن أساس التنمية في الدولة يعتمد بشكل كبير على القطاع الزراعي الذي يساهم في تأمين الغذاء للمواطنين، وخاصة وقت الأزمات، وتصدير الفائض إلى الخارج ومن ثم جلب العملة الصعبة وتنشيط الحركة التجارية والاقتصادية داخل البلاد؛ فمصر دولة زراعية منذ مئات السنين؛ حيث التربية الصالحة للزراعة، والمناخ المعتدل، والمياه التي تجري في جوف النيل – وإن كنا نواجه الآن أزمة بسبب سد النهضة لكن لن نتحدث عنها في هذا المقال.

لم يخذل الفلاح المصري دولته على مر العصور، كان دائمًا في السراء والضراء يقف في الصفوف الأولى لتأمين الغذاء وإنتاج المحاصيل بكافة أنواعها، ورغم ذلك لا يجد حياة كريمة هو وأسرته وغير مشمول في برنامج التأمين الصحي، إلا القلة منهم.

منذ عدة أيام تقدم عضو مجلس النواب عبد الحميد الدمرداش بمشروع قانون لإنشاء صندوق دعم الفلاح والذي، حسب ما جاء في المشروع، سوف تؤول موازنته وأمواله لصندوق دعم الفلاح، حيث قال الدمرداش إن فلاحي مصر يعانون في ظل الظروف المعيشية الصعبة، رغم دورهم الكبير في خدمة الاقتصاد القومي، وتوفير الغذاء للشعب المصري.

وبيَّن أن الفلاحين يعانون من غياب دعم مباشر، أو رعاية خاصة، في تكاليف ومخاطر العمل والإنتاج والتسويق، ولا توجد نظم حماية لهم ولأسرهم، مثل التأمين الصحي، أو معاشات عند الشيخوخة أو العجز أو الإصابة أو الكوارث البشرية أو الطبيعية.

في حين قال النائب إبراهيم نظير، عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، إن هذا التشريع يهدف إلى حماية المزارع ودعمه في الظروف المعيشية، والمخاطر التي يتعرض لها، خاصة أنه يعمل في مختلف الظروف، وفي ظل ارتفاع أسعار المستلزمات الزراعية، من أسمدة ومبيدات، وأيدٍ عاملة، وبذور.

هذه خطوة جيدة وتصب في الصالح العام للدولة والمواطن معًا، لأن الفلاح يعمل في كل الظروف الاستثنائية وغير الاستثنائية ولم يتقاعس عن عمله مطلقًا، سواء في حر الصيف أو برد الشتاء، لأنه يؤمن تمامًا بقيمة العمل وأهمية الزرع الذي يرعاه وينميه ويتولى مسؤوليته بفضل الله.

هذه خطوة مبشرة في بداية الأمر لكنها تحتاج إلى خطوات متتالية تتعلق بتقديم التسهيلات للفلاح، سواء ما يتعلق بتقديم البذور الجيدة عالية الإنتاجية، وتوفير الميكنة الزراعية التي توفر الجهد والوقت، والمبيدات والأسمدة التي فاقت أسعارها كل التوقعات، بالإضافة إلى تسويق الإنتاج الزراعي بشكل أفضل وتحديد أسعار جيدة للمحاصيل تواكب الغلاء الذي يواجه الفلاح، فليس من المنطقي أن يزرع الفلاح ستة أشهر كاملة ليجني هو في النهاية قوته فقط دون تحقيق هامش ربح له يفي بمتطلبات أسرته المعيشية!

هناك معضلات كثيرة تواجه الفلاح في مصر منها مسألة الرعاية الصحية التي لا يحصل عليها كما ينبغي، أو بالأحرى لا يجدها حتى في أضيق الحدود!

ما يتعرض له الفلاح من غبن وتهميش وتجاهل لا يصب في المصلحة العامة، حيث إن الفلاح هو عماد الإنتاج الزراعي وساعده وعموده الفقري، هل يمكن أن تقام مستشفى دون أطباء؟ أو مصنع دون مهندسين؟ أو مدرسة دون معلمين؟ هكذا الأرض لن تُزرَع أو تُثمِر دون عائلها الأساسي المتمثل في الفلاح وأسرته.

حسب الإحصائيات هناك ما يقرب من 6.7 ملايين يعملون في الزراعة ويشكلون ما يقرب من 24% من سوق العمل المصري، وتبلغ المساحة المنزرعة حوالي 9.4 ملايين فدان.

هناك محاصيل زراعية إستراتيجية مثل القطن والقمح وصناعات السكر التي تعتمد على محاصيل البنجر وسكر القصب تحتاج إلى دعم الدولة، كان القطن المصري يحتل مرتبة متقدمة بين أقطان العالم، وكذلك القمح والسكر وحتى الأرز. وهذا لأن طبيعة التربة الزراعية المصرية جيدة وتحتوي على معظم العناصر التي يحتاجها النبات من ماغنسيوم وبوتاسيوم وحديد وزنك وغيره.

في تصريحها عن مساهمة الإنتاج الزراعي في الناتج المحلي، قالت وزيرة التعاون الدولي، رانيا المشاط، إن مساهمة قطاع الزراعة في الاقتصاد المصري بلغت 14% من الناتج المحلي الإجمالي، ويشكل 28% من فرص العمل، و55% من العمالة الريفية في مصر، وأضافت أن عائدات تصدير المنتجات الزراعية سجلت زيادة بواقع 20% في 2019 مقارنة بعام 2009، وارتفعت صادرات الخضراوات بواقع 40% خلال هذه الفترة.

ونوهت بأن «محفظة المشروعات الجارية لقطاع الزراعة تضم نحو 13 مشروعًا في قطاع الزراعة بمبلغ 545.42 مليون دولار أمريكي، يساهم فيها العديد من المؤسسات الدولية، منها الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والاتحاد الأوروبي، ودول فرنسا وإيطاليا وألمانيا، والصندوق الكويتي للتنمية».

تصريحات الوزيرة تعكس مستوى أقل من المطلوب إذا ما قارنا مساحة الرقعة الزراعية وعدد العاملين في هذا المجال، حيث يطمحون إلى أن تصل المساهمة إلى 30% مثلًا أو أكثر، وهذا وارد إذا ما دعمت الدولة هذا القطاع بداية من تقديم البذور عالية الإنتاجية، والإشراف البحثي من مراكز البحوث المتعددة في المحافظات على الزراعات والفلاحين بهدف خلق حلقة وصل بين الفلاح ومجال البحث العلمي لتعظيم الاستفادة في هذا الأمر.

لم يفكر الفلاحون يومًا ما، إلا ثلة منهم، في التخلي عن أرضهم أو تبويرها أو بيعها لأنها كما يقال في المثل الشعبي «الأرض مثل العرض»، ومن ثم فمن يفرط في أرضه كمثل الذي يفرط في عرضه، ولذا من الأولى أن يتم دعم هذا القطاع بكل أقسامه وعماله ومنشآته.

في ظل الإغلاق الذي حدث في الموجة الأولى من جائحة كورونا كانت مصر مؤمَّنة غذائيًّا بشكل كبير؛ وذلك لوفرة المحاصيل والأغذية الزراعية واتساع المساحات المنزرعة، في حين أن هناك دولًا غنية كانت تعاني من نقص المنتجات الغذائية لأنها تعتمد بشكل كبير على الاستيراد. ورغم ذلك، فإن الفلاح المصري مهمش ولا يجد من الرعاية ما يناسب مساهمته في الإنتاج المحلي.

يمثل القطاع الزراعي جزءًا مهمًّا في الناتج المحلي حيث إنه لا يقتصر فقط على زراعة المحاصيل بل يشمل مجالات أخرى منها الثروة السمكية، والتصنيع الزراعي، والموالح والخضراوات، والصناعات الغذائية وغيرها، ولذا فإن هذا القطاع يسع مزيدًا من الاستثمارات مهما كان حجمه.

في النهاية، صندوق رعاية الفلاح أصبح من الأهمية بمكان، فكفى الفلاح عناءً ومعاناة، ونحتاج مزيدًا من المبادرات التي تخدم وتشجع وتدعم الفلاحين البسطاء القنوعين الأوفياء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد