تعتبر القضية الفلسطينية إحدى أطول نزاعات القرن الحادي والعشرين بين الدول العربية وإسرائيل، فقد أعلنت الدول العربية الحرب مرارًا عليها، انتصروا في معارك وهزموا في أخرى، عاشت أجيال من الشعوب العربية في صراع دائم مع الاحتلال، صراع عسكري واقتصادي من جهة، وصراع آخر قائم على تحالفات سياسية تضر أطراف النزاع أو على الصعيد الدبلوماسي في المحافل الدولية، وأخيرًا في شوارع فلسطين من خلال الانتفاضات والفعاليات المناهضة لسياسات الاحتلال، الاستيطان والضم.

لكن اليوم أصبحت الحالة مختلفة، فقد شهد العالم العربي موجة غير مسبوقة من التطبيع مع إسرائيل، بطابعٍ ومشاهد جديدة على المواطن العربي، لم يكن الهدف هذه المرة مراوغة سياسية من سلطات الدول، كما حدث في السبعينات بين القاهرة وتل أبيب؛ وهو ما نتج عنه استعادة الأراضي المصرية المحتلة، أو في التسعينات بين عمَّان وسلطات الاحتلال، بل شاهدنا حالة أخرى، تحمل صبغة حميمية غير مسبوقة. تطبيع ثقافي، وفني، وثقافي. ما يجعلنا نتساءل كيف ومتى بدأ الصراع من الأساس؟ وهل تستطيع الشعوب العربية التعامل مع إسرائيل بهذه الطريقة؟

صدَّر الإعلام الرسمي في تلك الدول توجهات مختلفة عن خطابات الدول العربية سابقًا، مصورين الصراع على أنه صراع فلسطيني – إسرائيلي وفقط، وليس لأية دولة عربية شأن فيه، وهو في رأيي تصرف ساذج، ولذلك دعنا عزيزي القارئ نفند هذه الادعاءات.

سأحاول أن أنزع القضية الفلسطينية من السياق ونناقش بعض المواقف في الصراع الإسرائيلي المصري، فالصراع ليس بالقصير ففيه العديد من الحروب وأزعم أنه أيديولوجي بالدرجة الأولى، فالصهيونية أيديولوجية تعطي الحق للشعب اليهودي ببناء دولته، ودعنا هنا نتغاضى عن مكان هذه الأرض، وكأن فلسطين ليس لها وجود، فإسرائيل الكبرى التي يسعى الاحتلال لفرضها تعتبر أراضي مصرية جزءًا منها، ما يعني أن إسرائيل لن تتوقف في تهديد أمن مصر القومي من الحدود الشرقية، وستسعى جاهدة لحكم هذه الأرض في المستقبل، وهنا سؤال مهم: كيف نتصالح مع أيديولوجية لا ترى وجودنا؟

حتى اليوم ورغم كل التغيرات العالمية، لا نسمع عن أية مصالحة بين أوروبا، والفكر النازي، أو الفاشي، أو حتى بين الرأسمالية الغربية، والشيوعية، التي ما تزال تتعامل معها كعدو، إسرائيل الصهيونية نفسها لم تتنازل عن حقها في الانتقام من النازيين، وكان الموساد لهم بالمرصاد حتى بعد سنين من الحرب العالمية الثانية، فلماذا نكون نحن العرب الاستثناء، ونعقد سلامًا مع أيديولوجية تعادينا؟

وبالعودة للنزاعات المسلحة بين مصر وإسرائيل يتأكد لنا ذلك، فلم تلتزم إسرائيل أبدًا بقوانين الحرب، قصفت الأطفال في بحر البقر في الشرقية وقتلتهم بدم بارد، فقط للضغط على السياسيين المصريين أثناء حرب الاستنزاف، ثم مجزرة مصنع أبو زعبل في السبعينات عندما قصف الطيران الإسرائيلي المصنع فقط، ثم عملية عزل بورسعيد عندما قصفها الطيران الإسرائيلي المدينة لمدة ثلاثة أيام.

أما عن الأسرى المصريين فقد انتهكت حقوقهم بعد النكسة، واعتدت عليهم وهم عُزَّل، ثم قتلتهم، ولم تعامل جثثهم بالكرامة التي تفرضها القوانين الدولية، وذلك بناءً على شهادة جنودنا المصريين بعد الحرب، وأيضًا مذبحة شاكيد التي تباهى بها الإسرائيليون عندما ذبحوا ما لا يقل عن 200 أسير، ودفنوا بعضهم أحياء، وهو ما ظهر في الفيلم الوثائقي الذي بثه التليفزيون الإسرائيلي، وكأن الدولة العبرية كانت تتفاخر بانتهاكها لحقوق وكرامة الإنسان أثناء الحرب.

وحتى إن تخلت مصر عن القضية الفلسطينية فلا أجد سببًا واحدًا يدعو للسلام مع إسرائيل، وهذه ليست عقلية قديمة كما وصفها بعض المتحدثين الاسرائيليين عبر مواقع التواصل، فالجيش الإسرائيلي يواصل انتهاكاته لقوانين الحرب وقصف المدنيين في غزة مثلًا، فلا يوجد دليل واضح نستطيع أن نتناسى به الانتهاكات الإسرائيلية، أو نغض الطرف عن عدائه لنا كمصريين أو كعرب.

وعندما أشاهد دعايا التطبيع مع الكيان الإسرائيلي في قنوات الأخبار أرى فقط في مخيلتي سربًا من الناس يمثل ضحايا المجازر والانتهاكات الإسرائيلية، يتوسطهم أمل دنقل وهو يقول: «قل لهم إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد