لا أنسى عندما دُعيت في أواخر سبعينات القرن الماضي لمشاهدة فيلم يتعاطى مع الشأن السياسي الفرنسي بعنوان “الأصابع القذرة”, يتناول فيه المؤلف دور جماعات الضغط “اللوبي” في صناعة القرار السياسي في هذه الدولة الأوروبية، ولا أنسى حوار زعيم أحد جماعات الضغط وهو يخاطب أحد الوزراء التنفيذيين، عن إغراق المجتمع في الجنس والمخدرات، حتى لا تجد منه أحدًا يطالب بحقوقه.

هذا يلخص ما عليه المشهد السياسي في مصر، من شغل للرأي العام بقضايا الجنس والمخدرات عن المطالبة بالحقوق والوعود التي وعدوا بها من قبل نظام الثالث من يوليو “من الحرية والعدالة والعيش الكريم” عندما قال قائلهم: “إن هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه”، وقال: “مصر قد الدنيا وهتبقى قد الدنيا”، وأضاف “بكرة تشوفوا مصر” لكن المجتمع لم يجد إلا فشلًا ذريعًا وتراجعًا مدويًا في كل شيء، والذي باستمراره قد يزيد من حالة السخط والغضب الشعبي، المؤدي إلى اشتعال الحالة الثورية المؤدية إلى رحيل النظام.

إذن فما على نظام الحكم إلا أن يصرف الناس عن الوصول إلى الحالة الثورية القادرة على تغيير المشهد السياسي الحاكم، لذا فقد وجه أذرعه الإعلامية في التعاطي مع قضايا الجنس والمخدرات بشكل غير مسبوق، وهي القضايا التي تلقى رواجًا في زمن الإحساس باليأس والإحباط والقنوط من إمكانية الإصلاح أو التغيير للواقع المر البئيس الذي يعيشه الناس، بما يحقق إلهاء المجتمع عن بلوغ قضاياه المصيرية التي من أجلها كانت ثورة الخامس والعشرين من يناير.

وهنا يأتي التساؤل، كيف يمكن لنظام الحكم إنفاذ إرادته، باستخدام هذه المواد الوضيعة في المشغلة والإلهاء؟

لقد كانت بداية الملهاة الرديئة بتسريبات العناتيل المتتالية ثم تسريبات وفضائح تتعلق ببعض الشخصيات العامة، والتي كان السعي من خلالها إلى شغل الرأي العام من ناحية ومن ناحية أخرى الضغط على الشخصيات العامة ونظرائهم لإنفاذ ما يريده النظام وإرسال رسائل تخويف إلى بقية المنظومة التابعة له من النخب والمعارضة حتى لا تخرج عن الإطار المرسوم لها.

ثم تلا ذلك حملة إعلامية شرسة يشارك فيها منحرفو الفكر من السياسيين والفنانين والأدباء والواقعين في براثن الرذيلة وإدمان المخدرات وتجارتها، يتناولون فيها عددًا من الموضوعات ذات العلاقة بممارسة الجنس أو تعاطي المخدرات والمتعارضة مع ثقافة المجتمع وثوابت الدين مثل تقنين ممارسة الدعارة وتقنين تعاطي المخدرات وإباحة الزنا والشذوذ الجنسي وذلك لتحقيق أهداف عدة.

منها استنزاف طاقة المجتمع وبخاصة الثوار بالحديث في موضوعات أقل ما يقال عنها أنها منحطة وسافلة ومتعارضة مع ثقافته وثوابته، فيتناولها المجتمع من باب الاستهجان والإنكار تارة, ويتناولها الثائرون من باب أنهم ينالون بها من نظام الحكم تارة أخرى, في حين أنها تشغل المجتمع عن القضايا الأساسية التي من أجلها ثار الشعب المصري.

كما أنها تمثل مسارًا للتنفيس عن حالة الغضب التي عليها المجتمع، نتيجة لحالة الفشل والفساد التي عليها واقع النظام الحاكم, إضافة إلى الممارسات القمعية بحقهم, وذلك بالانشغال بقضايا لا طائل من ورائها، لا تؤثر سلبًا على واقع النظام الحاكم.

بالإضافة إلى إشاعة الفاحشة بين شرائح المجتمع المختلفة، وبخاصة الشباب, من باب إغوائه للوقوع في الرذيلة وشيوعها والإغراق فيها، بما ينسيه حقوقه ومطالبه التي ضحى الكثير من المجتمع وبخاصة شبابه من أجلها.

كما أن الحديث عن تقنين المخدرات, يكرس لوقوع قطاع غير قليل من المجتمع تحت طائلة تغييب الوعي نتيجة لتعاطي المخدرات، بما يصرفه عن التعرف عما ينبغي له أو ينبغي عليه, فلا ينتبه لما يحاك له أو يحاك ضده، وبما يكبله وأجياله القادمة بفواتير يصبح غير قادر على الوفاء بها.

لكن العبث بثوابت المجتمع وأخلاقه وقيمه ومبادئه، هو العبث في منطقة شديدة الوعورة والحساسية, لها ما بعدها من الآثار المدمرة على المجتمع، فهل يعقل العاقلون ماذا يفعل بنا؟ وماذا يراد لنا؟ أم أننا أصبحنا نلهو معا في سوق المتعة الحرام!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثورة, سياسة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد