قد تكون نوعيَّة الغذاء والبيئة والعادات المتَّبعة يوميًّا، هي العامل الأكبر في قوة صحة الإنسان واستمرارها حتى مع الْكِبَر، دون اللجوء للطبيب إلَّا في الحالات النادرة، والتي تتطلب منك العلاج لفترة بسيطة من الزمن.

 

ما أثار تساؤلي أنَّ غالبية سكان دول شرق آسيا لا يستخدمون عصا الاتَّكاء عندما يبلغون من العُمُر عِتِيًّا، ولا يترنحون في مِشيتهم بعد أنْ أخذ الزمن من أعمارهم وأصبحوا كُهولًا، تجاوزت أعمارهم الـ80 عامًا ويزيد.

 

في دولنا العربية تجد غالبية كبار السن يمشون على ثلاث، ظهورهم مُنحنيَّة، ووجوههم شاحبة، قد جار عليها الزمن، ونحت من أجسادهم المُنهكة صورة واضحة للكهولة والشَّقاء، تجد في تعابير نظراتهم، حكايات من البؤس، وانتظار النهاية التي فرضها المجتمع بنظرته لهم.

 

وبحسب منظمة الصحة العالميَّة، فإنَّ عدد السكان عالميًّا يَشِيخ بسرعة. ومن المتوقع أن تتضاعف نسبة سكان العالم، والتي أعمارهم أكثر من 60 عامًا، من 12% إلى 22%. وتؤكد المنظمة: أنَّ الصحة النفسيَّة والعافية الانفعاليَّة أمران مهمَّان لدى كبار السن، كما هو الحال في أيَّة فترة أخرى من فترات الحياة، وأنَّ الاضطَّرابات العصبيَّة النفسيَّة لدى كبار السن مسؤولة عن 6.6% من مجموع حالات العجز الكلِّي في هذه الفئة العمريَّة.

 

الثقافة الصحيَّة مطلوبة في المجتمع؛ للتعريف والتنبيه من الأضرار والمخاطر، واتِّباع أسلوب حياتيّ يتناسب مع أعمارنا منذ طفولتنا وحتى كهولتنا، وهذا يتطلب من المراكز الصحيَّة بالتعاون مع الأطباء المختصين، عقد آليَّة توعويَّة مناسبة؛ لتعميمها على كافة الشرائح والأعمار.

 

الانخراط في المجتمع، والتنقل المستمر يجعل لدى كبار السن نفسيَّة عمليَّة، وقابليَّة للاستمراريَّة والحفاظ على صحتهم. «تشيونج» امرأة صينية كبيرة في العمر تقول: «لا أرى في السن عائقًا أمام التعلم». فكل أربعاء، تذهب لحضور محاضرة في برامج الكمبيوتر في مركز كبار السن في الحي الذي تقطنه بمدينة هونغ كونغ، المنطقة الإدارية الخاصة بالصين.

 

خبراء أكَّدوا أنَّ الشعب الياباني يتَّبع نظامًا غذائيًّا منخفض الدهون، ويكثرون من تناول الأعشاب البحريَّة التي تحتوي على المواد المضادة للأكسدة، ويمكن أن تساعدك على إنقاص الوزن، وهذه تعتبر عادةً صحيَّةً مهمَّة لها علاقة بطول العمر. والدليل على ذلك كما يقول علماء في جامعة «نيوكاسل» أنَّ مادة الجينات alginate، وهو مركب موجود في الأعشاب البحريَّة، يوقف امتصاص الدهون في الجسم. وأظهرت الدراسة أنَّ الزيادة في كمية مادة الجينات أربعة أضعاف تعزز قمع هضم الدهون بنسبة 75%.

 

أعلى نسبة مُعمِّرين في العالم يعيشون في الجزيرة اليابانية «أوكيناوا»، حيث تمارس العادة اليابانية المسماة «hara hachi bu»، وتعني أن يتناول الفرد ثمانية أعشار كمية الطعام المناسبة لملأ المعدة، والنظريَّة في ذلك أنَّك إذا قمت بإيقاف تناول الأكل قبل أن تشبع، ستجد أنَّك لا تحتاج لتلك اللقيمات القليلة المتبقيَّة، لذلك عليك تناول كميات أقل؛ لتحافظ على وزنك وصحتك. وهذا ما أكَّده ديننا الحنيف في الحديث الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه).

 

لقد أظهرت الدراسات أنَّ معدلات الكوليسترول، والإصابة بأمراض القلب والسرطان لدى سكان الدول الآسيوية تقل بشكل كبير عن مثيلاتها لدى سكان أوروبا وأمريكا، ويعود السبب إلى النظام الغذائيِّ الآسيويِّ التقليديّ، والذي أطلق عليه علماء التغذية اسم النظام الغذائي الأكثر صحة في العالم.

 

القليل من كبار السن في بلادنا يتمتعون بصحة جيدة، ويتجاوزون الكثير من العمر؛ نتيجة اتَّباعهم نظام غذائيّ صحيّ، وحالتهم النفسيَّة والانفعاليَّة منضبطة، مما ساعدهم ليكونوا أمثلة يجب أن نحتذي بها، ونتعلم منها؛ لدعم أعمارنا من السنين دون أن تصدأ وتتآكل.

 

لست طبيبًا أو مختصًّا غذائيًّا لأكتب هذا المقال، لكني أردت أن أصف الحالة التي أراها أمامي، ومقارنتها مع طبيعتنا علَّها تجد اهتمامًا من الناس وأصحاب الشأن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد